تصدعات قوية في جبهة التحالف الغربية: الحرب على إيران تضع العلاقات الأمريكية الأوروبية على طاولة التقييم
بقلم ابتسام الشامي
مع دخول الحرب العدوانية الأمريكية الاسرائيلية على إيران اسبوعها السادس، بدأت ملامح التداعيات الاستراتيجية للرد الإيراني بالظهور، وفي ما كانت تل أبيب وواشنطن تعمل على تفكيك محور المقاومة عبر شرط وقف دعم إيران حلفاءها لوقف الحرب من ضمن شروط أخرى، بدا أن المحور الغربي دخل في مسار من شأنه أن يودي به إلى التفكك أو الإضعاف بالحد الأدنى.
إجراءات أوروبية غير مسبوقة
بقيت دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادة الدول الغربية الحليفة لبلاده مشاركته في قوة دولية لفتح مضيق هرمز صوتاً بلا صدى مع تمنُّع تلك الدول ربطاً بحسابات مصالحها الانخراط في حرب ليست حربها كما عبر أكثر من مسؤول غربي من بينهم وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس نهاية الشهر الماضي. وفي ما كانت المواقف الغربية الرافضة أو تلك المتحفظة إزاء مبررات الحرب وكذلك إدارتها، تصيب ترامب ومعاونيه بالإحباط، فإن الدول الأوروبية انتقلت إلى مستوى أعلى في التعبير عن “براءتها” من الحرب، وذلك عبر سلسلة من الإجراءات التي رفعت منسوب الغضب الأمريكي ضدها، لاسيما وأن الأخيرة رأت فيها إجراءات معادية في لحظة سياسية حاسمة بالنسبة إليها.
في هذا السياق كان لافتاً للانتباه ما اتخذته بعض الدول الأوروبية من قرارات، أعادت استحضار رفض دول أوروبية عديدة الانخراط في الحرب الأمريكية ضد العراق بقيادة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عام 2003.
وفي ظل غياب قرار موحد على مستوى حلف شمال الأطلسي “الناتو” أو الاتحاد الأوروبي، بشأن الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران اتخذت كل من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا قرارات بتقييد أو منع استخدام أجوائها وقواعدها العسكرية أمام الطيران الأمريكي، وسجلت مدريد الموقف الاقوى بين جاراتها مع إعلان وزيرة الدفاع مارغريتا روبلز الإغلاق الكامل للمجال الجوي، وقالت بوضوح: “لا نسمح لا باستخدام القواعد ولا الأجواء لأي أعمال مرتبطة بالحرب في إيران” التي وصفتها – أي الحرب – بأنها “غير قانونية وغير عادلة بشكل عميق”. ويتعلق القرار الإسباني برفض استخدام القاعدتين العسكريتين المشتركتين في “روتا” و”مورون” لأي عمليات مرتبطة بالحرب على إيران، في موقف يتساوق مع ما أعلنه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أمام البرلمان بتأكيده رفض “كل خطط الطيران المرتبطة بالعملية في إيران، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود”. وقد أغضب الموقف الإسباني واشنطن لدرجة تهديد الرئيس الأمريكي مدريد علناً بقطع العلاقات التجارية معها.
بدورها رفضت إيطاليا السماح لقاذفات أمريكية بالهبوط في قاعدة “سيغونيللا” في صقلية. وفق ما ذكرته وكالة “رويترز” نقلاً عن صحيفة “كورييري ديلا سيرا”. ويأتي هذا القرار في ظل التقارب الملحوظ بين رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني والرئيس ترامب.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الأمريكي أصدرت الحكومة الإيطالية بياناً أكدت فيه أن جميع الطلبات “تدرس بعناية على أساس كل حالة على حدة”، مبررة قرار المنع بعدم تقديم واشنطن طلب تصريح مسبق وعدم التشاور مع القيادة الإيطالية قبل تحليق الطائرات.
أما في فرنسا التي لم تصدر قراراً رسمياً بالإغلاق على غرار مدريد، فإن مصادر دبلوماسية وتقارير صحفية ذكرت أنها رفضت مرور طائرات متجهة إلى “إسرائيل” محملة بأسلحة أمريكية تُستخدم في الحرب، في مقابل، سماحها باستخدام بعض التسهيلات للتزود بالوقود ودعم الحلفاء بالمنطقة، وذلك في إطار محاولة دقيقة من الدبلوماسية الفرنسية الموازنة بين التزاماتها تجاه حلف شمال الاطلسي ورغبتها في عدم المشاركة في الحرب. علماً أن الرئيس الأمريكي اتهم باريس بشكل مباشر بمنع مرور الطائرات الأمريكية، وذلك في منشورات على منصة “تروث سوشيال” خاصته.
وفي سياق متصل بهذا المشهد، رفضت بولندا بشكل قاطع طلباً أمريكياً بنقل أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” الخاصة بها إلى الشرق الأوسط. وأكد وزير الدفاع البولندي ولاديسلاف كوسينياك – كاميش أن هذه البطاريات مخصصة لحماية المجال الجوي للبلاد والجناح الشرقي لحلف الناتو، مشدداً على أن “أمن بولندا يمثل أولوية مطلقة ولا توجد أي خطط لنقل هذه الأنظمة إلى أي مكان”.
المواقف والإجراءات الأوروبية انطوت على الكثير من المؤشرات الدالة على تفكك داخل حلف شمال الأطلسي، وهو ما عززته تصريحات الرئيس الأمريكي الذي صعّد لهجته ضد خلف الناتو، وإذ وصف الحلفة بـ “بنمر من ورق”، فإنه أعلن أنه يدرس بجدية الانسحاب منه، معتبراً أن الحلفاء خذلوا واشنطن، وقال إن “الولايات المتحدة كانت دائماً حاضرة تلقائياً للدفاع عن أوروبا، بينما لم تلقَ الدعم ذاته في هذه الحرب”. وما بدأه الرئيس الأمريكي من تهديد بالانسحاب من الناتو استكمله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو معتبراً أن “الحلف بات طريقاً باتجاه واحد”، ملوحاً بإعادة تقييم عضوية الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل رفض بعض الدول استخدام قواعدها العسكرية لدعم العمليات الأمريكية.
الحلف الغربي يتفكك
التهديد الأمريكي بالانسحاب من الناتو، دفع بالكثير من المحللين إلى توقع تفكك التحالف الغربي. وفي هذا السياق، يرى الكاتب في صحيفة لونوفيل أوبسرفاتور “بيير هاسكي” أن المشكلة في العلاقات الأمريكية الأوروبية، لا تكمن في سلوك ترامب فحسب، بل في الاستجابة الأوروبية المترددة. مضيفاً أن الصمت الأوروبي الذي تبرره الأعراف الدبلوماسية، يتحول عملياً إلى قبول ضمني بسياسات منحرفة، بل إن ترامب أقرب إلى من يتدرب على الاستبداد. ومن وجهة نظر الكاتب في الصحيفة الفرنسية، فإن الحرب على إيران تمثل نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية، إذ يلفت إلى أن واشنطن لم تستشر حلفاءها قبل بدء الحرب، ثم عادت لتطلب دعمهم عند التعثر، وهاجمتهم عندما ترددوا في الانخراط، وهو ما يعكس، “علاقة قائمة على الهيمنة لا الشراكة”. ويدعو هاسكي صراحة إلى تحرر أوروبا من هذه العلاقة المختلة، معتبراً أن القارة تعاني من “عقدة” تاريخية تجاه الولايات المتحدة، ويقول: “حان الوقت للتخلص من هذه العقدة كي تنضج أوروبا”. ويرى الكاتب أن استمرار هذا النمط من العلاقة لا يضعف القرار الأوروبي فحسب، بل يعوق أيضاً قدرة القارة على بناء موقف موحد ومستقل، خصوصاً في القضايا الدولية الكبرى.
بدورها ترصد صحيفة لوموند الفرنسية كيف تحولت الحرب على إيران إلى ساحة توتر مباشر بين الحلفاء. مشيرة إلى أن قرار فرنسا تقييد عبور بعض الطائرات العسكرية، قوبل بانتقادات حادة من واشنطن، ما يعكس تصاعد الضغوط على الدول الأوروبية عندما تحاول الخروج عن الخط الأمريكي. وعلى الرغم من ذلك، تُظهر باريس وفقاً للصحيفة تمسكاً بموقفها، في محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على التحالف وعدم الانجرار إلى حرب لا تخدم مصالحها.
أما صحيفة “ليزيكو” فتقدم بدورها قراءة استراتيجية لهذه التطورات، معتبرة أن ما يجري قد يعيد تشكيل العلاقة عبر الأطلسي.
وتنقل عن ترامب لهجة حادة تجاه الأوروبيين: “سيتعين عليكم أن تتعلموا الدفاع عن أنفسكم بأنفسكم”، في إشارة إلى توجه أمريكي لتحميل الحلفاء مسؤوليات أكبر، وربما التخلي التدريجي عن دور الضامن الأمني. وترى الصحيفة أن هذه السياسة قد تضعف حلف الناتو، وتدفع أوروبا إلى تعزيز استقلالها الدفاعي، وتفتح الباب أمام نظام تحالفات جديد
خاتمة
قد يكون من المبكر الحديث عن تفكك التحالف عبر الأطلسي، لاسيما وأن الحرب لم تضع أوزارها بعد، لكن الأكيد أن تحولاً طرأ على التفكير الأوروبي في مقاربة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية من تحالف موثوق إلى تحالف يخضع للمراجعة وإعادة التقييم.
