إقليميات

الوجه الآخر للحرب العدوانية على إيران… الجزائر مُسْتَفِيدَةٌ

بقلم توفيق المديني

ولكنَّ إيران ردَّت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول والغاز وتعذر التجارة العالمية.

غير أنَّ لهذه الحرب على إيران تداعيات كبيرة على صعيد الاقتصاد العالمي الذي تضرر كثيراً من جراء إغلاق إيران مضيق هرمز، وهنا تبرز صادرات الجزائر من الغاز المسال والنفط ضمن أهم إمدادات الطاقة العالمية مع تصاعد حدّة المواجهات العسكرية الأمريكية -الصهيونية ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي، وما تلاها من تُعطُّل حركة الملاحة في مضيق هرمز، فهل استفادت الجزائر من هذه الحرب مع دخولها شهرها الثاني؟.

أوروبا تتودَّدُ إلى الجزائر من أجل استيراد الغاز

ارتفاع أسعار الطاقة لا يرفع التضخم فحسب، بل يبطئ الاقتصاد نفسه، وهنا الأمر لا يختلف كثيراً في أوروبا، حيث بدأت الصورة تتدهور أيضاً، وخُفّضت توقعات نمو منطقة اليورو لعام 2026 مع رفع توقعات التضخم، نتيجة صدمة أسعار الطاقة وعدم اليقين المرتبط بالأوضاع الجيوسياسية.

تأتي الضغوط الأمريكية على أوروبا في ملف الطاقة في الوقت الذي توقفت فيه قطر، أكبر مصدر للغاز بعد استهداف منشآتها لإنتاج الغاز وتوقف الملاحة بمضيق هرمز، ما أدى إلى تراجع المعروض من الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية. وتحصل أوروبا على 10% فقط من احتياجاتها من الغاز المسال عبر الإمدادات من مضيق هرمز، لكن اعتمادها بشكل أساسي على استيراد الغاز لتلبيه احتياجاتها يجعلها عرضة لمخاطر نقص العرض وارتفاع الأسعار، خصوصاً وأن بعض الدول مثل إيطاليا تعتمد على الغاز القطري في تغطية نحو ثلث احتياجاتها.

في هذا السياق يعود الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، والذي أشعلته الحرب على إيران، بالفائدة على الدول المنتجة التي لم تتأثر عملياتها بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط بشكل مباشر. ومن بين هذه الدول: الجزائر، عاشر أكبر منتج للغاز في العالم، والتي تحقق عائدات مهمة في ظل هذه الظروف. وتتوقع الجزائر عائدات صادرات من المحروقات (النفط والغاز) تقار31 مليار دولار لسنة 2026، وذلك في ظل ارتفاع إنتاج الغاز الطبيعي إلى أعلى مستوياته منذ 3 سنوات في أوائل 2026 (زيادة 7% في يناير)، مع استمرار دورها كمورد رئيسي لأوروبا، خاصة إيطاليا.

زيارة جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا إلى الجزائر

تشكل زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي قامت بها يوم الأربعاء 29آذار/مارس2026 إلى الجزائر محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين إِذْ تتجاوز في أهدافها مجرد توقيع اتفاقيات تجارية، وتمتد إلى شراكة استراتيجية شاملة. فزيارة رئيسة الوزراء الإيطالية تأتي في سياق دولي وإقليمي يتسم بقدر كبير من التحولات، خاصة في ظل الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الحرب العدوانية على إيران، تشكيل أولويات الدول، الأوروبية خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة.

شهدت العاصمة الجزائرية نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً، وعادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من زيارة خاطفة بحقيبة مليئة بوعود رسمية بتعزيز تدفق الغاز إلى روما، وحصلت ميلوني على تطمينات من الرئيس عبد المجيد تبون بضمان تدفقات غازية مستقرة، في ظل الاضطرابات العالمية الناتجة من الحرب في الشرق الأوسط.

وأصبحت الجزائر واحدة من أكبر موردي الغاز ‌لإيطاليا منذ أن عملت روما على إيجاد بديل للغاز الروسي بعد بدء غزو موسكو لأوكرانيا في 2022، وتقدم حاليا حوالي 30% من الاستهلاك السنوي للغاز في البلاد. ويصل الغاز الجزائري إلى إيطاليا عن طريق خط ترانسميد عبر البحر الأبيض المتوسط الذي يمر عبر الأراضي التونسية، حيث استوردت إيطاليا عام 2025 أكثر من 20 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري، ويمثل حوالي 31% من إجمالي وارداتها، ما يؤكد أن الجزائر تغطي ما يقارب ثلث الطلب الإيطالي على الغاز.

وأكدت ميلوني أنَّ الجزائر تمثل شريكاً استراتيجياً مهماً لإيطاليا، مشيرة إلى أن قطاع الطاقة يتصدر أولويات التعاون بين البلدين، بخاصة من خلال شركتي “إيني” و”سوناطراك”، مع التركيز على الاستكشاف البحري لزيادة الإمدادات على المديين المتوسط والطويل. كذلك أشادت بتقدم مشروع الزراعة الإيطالي في الجنوب الجزائري الذي سيجري توسيعه من 7000 إلى 13000 هكتار عام 2026، وأثنت على مشروعي “خطة ماتي” في تيميمون (جنوب الجزائر) ومركز التميز الزراعي.

واتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات الطاقات المتجددة، الهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا والشركات الناشئة والأمن الغذائي، إضافة إلى تسريع إنشاء غرفة التجارة الجزائرية – الإيطالية. وعلى الصعيد السياسي، أكدا الطرفان الجزائري والإيطالي توافقاً على مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب، وناقشا الأوضاع في الشرق الأوسط والساحل، مع تجديد إدانة الانتهاكات في غزة ودعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويرى الخبراء بخصوص كيفية تعزيز الشراكة الاقتصادية بين إيطاليا والجزائر، أنَّها تمر عبر ثلاثة مستويات من التكامل، أولها التكامل الطاقوي يستند إلى الجزائر كمورد رئيس وإيطاليا كبوابة نحو السوق الأوروبية، وتكامل صناعي عبر نقل التكنولوجيا وإنشاء مشاريع مشتركة، وأخيراً تكامل استثماري يسهم في تسهيل دخول الشركات وتوسيع المشاريع خارج قطاع الطاقة. وبهذا تتحول العلاقة إلى شراكة اقتصادية شاملة وليس تبادلاً تجارياً فقط.

رفع إمدادات الغاز الجزائري نحو إسبانيا

وبعد زيارة ميلوني بيوم واحد، وصل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر، حيث التقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وجرى استعراض العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها وتنويعها. ومباشرة بعد اللقاء، قرر تبون إعادة تفعيل “معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون” مع إسبانيا التي كانت معلقة منذ يونيو /حزيران عام 2022 بسبب خلاف حول موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية (دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي).

أفاد الموقع الإخباري الإسباني الرقمي “ذا أوبجكتيف” أنَّ الجزائر “ستكافئ” إسبانيا بزيادة قدرها 12 في المائة في إمدادات الغاز منخفض التكلفة، من خلال  ضخّ الغاز اليومي عبر أنبوب “ميدغاز” برفع الكمية من 28 مليون متر مكعب يومياً في يناير /كانون الثاني، وفبراير 2026، إلى 32 مليون متر مكعب، أي بزيادة تُقدر بـ12.5 في المائة، وهو مستوى قريب من الحد الأقصى لقدرة هذا الخط، حسبه، مؤكداً أنَّ السلطات الجزائرية ستبلغ وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بقبولها زيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسبانيا عبر خط “ميدغاز” الذي يربط البلدين، وذلك بمناسبة زيارته، التي بدأها يوم الخميس 30مارس 2026 ودامت يومين.

وعزّزت الجزائر موقعها كمورد رئيسي للغاز إلى إسبانيا، حيث شكّلت نسبة 45.2 في المائة من إجمالي الإمدادات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، متقدمة على الولايات المتحدة. إلا أن هذا الاتجاه تغيّر في عام 2026، حيث أصبحت الجزائر ثاني أكبر مزود بعد الولايات المتحدة، وفق “ذا أوبجكتيف”. وتسعى إسبانيا إلى زيادة الإمدادات عبر الأنابيب لأن تكلفتها أقل، وأكثر استقراراً مقارنة بالغاز المنقول عبر السفن.

وزيادة على قضية الطاقة التي سيبحث فيها ألباريس، تضم أجندة محادثاته المقررة مع المسؤولين الجزائريين ملف الهجرة غير النظامية، حيث شهدت السواحل الإسبانية، خصوصاً جزر البليار، منذ الصيف الماضي، ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المهاجرين القادمين من السواحل الجزائرية.

وبحسب مصادر جزائرية، تعدّ هذه الزيارة إشارة قوية على تجاوز تداعيات أزمة مارس /آذار 2022، التي بدأت بتغيير مدريد موقفها تجاه قضية الصحراء، وانحيازها بشكل واضح للمغرب، ما أدّى حينها إلى سحب السفير الجزائري، وتعليق معاهدة الصداقة والتعاون. وقد بدأت ملامح الانفراج بالعودة التدريجية للسفير الجزائري إلى مدريد نهاية عام 2023، لتتوج اليوم بزيارة ألباريس التي تسعى لإعادة بناء الثقة والشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وتصاعدت حِدة التوتر بين إسبانيا وأمريكا العضوين بحلف ‌شمال الأطلسي “ناتو”، بعد أن ندَّد سانشيز بالعدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، ووصفه بأنه متهوِّر وغير قانوني، ثم حظر لاحقاً استخدام الطائرات الأمريكية القواعد البحرية والجوية في جنوب إسبانيا لشنّ هجمات على طهران.

وهدَّد الرئيس الأمريكي ترامب، الثلاثاء 28 آذار/مارس 2026، بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا بعد رفضها السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية لمهاجمة إيران. وقال، للصحافيين: “إسبانيا كانت مُريعة”. وأشار أيضاً إلى رفض سانشيز زيادة الإنفاق الدفاعي للدول المنضوية في حلف “الناتو” إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى طالب به ترامب الذي يقول إن الولايات المتحدة تتحمل عبئاً كبيراً. وأضاف: “سنُوقف التجارة بأكملها مع إسبانيا. لا نريد أي علاقة مع إسبانيا”، مضيفاً أنه طلب من وزير الخزانة سكوت بيسنت “قطع جميع التعاملات مع إسبانيا”.

الصادرات الجزائرية من الغاز المسال تقفز 74% منذ بداية حرب إيران

تشهد الصادرات الجزائرية من الغاز المسال والنفط ضمن أهم إمدادات الطاقة العالمية، زيادة كبيرة مع تصاعد حدّة الحرب الأمريكية – الصهيونية ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط 2026، وما تلاها من تُعطُّل حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وتوضح بيانات وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن) أنَّ إجمالي صادرات الجزائر من الغاز المسال قفز لأكثر من 462 ألف طن خلال أول أسبوعين من شهر مارس/آذار 2026 بنسبة 74%، مقارنة بنحو 265 ألف طن خلال أول أسبوعين من شهر فبراير/شباط الماضي. ويعكس أداء صادرات الجزائر من الغاز المسال استفادة البلاد من الاحتياجات الطارئة للأسواق الأوروبية، مدعومة بموقعها الجغرافي المباشر على حوض المتوسط، ما مكّنها من تجنب أزمة الحرب المشتعلة التي شلّت حركة الإمدادات القادمة من الخليج العربي عبر مضيق هرمز.

وكانت مصادر قد كشفت في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة عن توجُّه حكومي جزائري لاقتناص الفرص السعرية في السوق الفورية للغاز المسال، مع وجود استعدادات تشغيلية لزيادة وتيرة تحميل الشحنات خلال الأيام المقبلة، مع دراسة إعادة توجيه بعض الشحنات إلى الدول العربية المستوردة.

ويرى الخبراء في مجال الطاقة، أنَّ توقُّف صادرات الغاز المسال من قطر والإمارات جراء حرب إيران، وكذلك الاضطرابات العالمية في سوق الغاز المسال جراء الحرب الروسية ضد أوكرانيا مروراً بالحرب العدوانية على إيران تفرض على الجزائر تحديث بنيتها التحتية واستغلال قدراتها كاملةً لتكون دائماً على أتّم الاستعداد لاقتناص مثل هذه الفرص، خصوصاً مع موقعها المتميز بالقرب من السوق الأوروبية. فقد جاءت الحرب العدوانية على إيران بمنزلة نعمة للجزائر لرفع قدراتها التشغيلية وتعزيز إمداداتها للأسواق العالمية بعد المستويات المنخفضة في بداية العام الجاري، إِذْ سجّلت صادرات الجزائر أحد أقل مستوياتها التاريخية خلال يناير/كانون الثاني 2026 عند 440 ألف طن، ورغم ارتفاعها إلى 672 ألف طن في فبراير/شباط، فإنها ما زالت أقل من مستوياتها المعتادة حول مليون طن شهرياً.

وتشير أحدث البيانات أن صادرات الجزائر من الغاز المسال ستتعافى إلى مستوياتها الشهرية الطبيعية خلال الشهر الجاري مستفيدة من الأزمة الحالية، خصوصاً وأنها ارتفعت بأكثر من 56% مقارنة بأول أسبوعين من مارس/آذار 2025. وعلى صعيد المستفيدين منذ بداية الحرب، سجلت الإمدادات الجزائرية إلى فرنسا نمواً لافتاً، إذ ارتفعت من 65 ألف طن في الأسبوع الأول من مارس/آذار لأكثر من 108 آلاف طن في الأسبوع الثاني. وحافظت تركيا على تدفقات من الجزائر بلغت إجمالي 136 ألف طن منذ بداية مارس/آذار، مع استلامها شحنة بكمية 76 ألف طن في الأسبوع الثاني من الشهر، ارتفاعاً من 61 ألف طن في الأسبوع السابق له. واستقبلت إسبانيا شحنة بكمية 75 ألف طن في مطلع الشهر الجاري، وهي الكميات الأولى لها منذ 3 أشهر. وانضمت كرواتيا لقائمة المستفيدين في مارس/آذار بشحنة بلغت 76 ألف طن، للمرة الأولى منذ يوليو/تموز 2025، في إشارة لتوسُّع رقعة العملاء الأوروبيين الباحثين عن بدائل موثوقة.

خاتمة: تَسَبَّبَتْ الحرب العدوانية الأمريكية – الصهيونية على إيران، في تداعيات كبيرة امتدت بشكل خاص إلى سوق الطاقة العالمي، بعد تعرض مواقع إنتاج بمنطقة الخليج للاستهداف، وكذلك بسبب استمرار إغلاق طهران لمضيق هرمز الحيوي. وعلى الرغم من أنَّ الجزائر تستحوذ على نحو 12% من إجمالي واردات الغاز إلى أوروبا، فإِنَّها لا تملك الكميات الكافية ولا البنى التحتية الضرورية لتكون بديلاً لقطر. وتملك الجزائر موارد هائلة غير مستغلة، لكنَّ يتطلب استغلالها استثمارات ضخمة ستستغرق عدة عقود. ففي أواخر فبراير/شباط2026، أعلنت شركة سوناطراك الجزائرية العملاقة عن خطة استثمارية طموحة لتعزيز أعمال الاستكشاف وتحديث بنيتها التحتية في مجال الطاقة، تتراوح ما بين 50 إلى 60 مليار دولار (51.8 مليار يورو)، ثلث قيمتها عبر شراكات دولية. تسعى الجزائر عبر هذه الخطة إلى مضاعفة إنتاجها من الغاز، من 100 إلى 200 مليار متر مكعب بحلول 2030، ما يعادل الإنتاج الحالي لدولة قطر أي ثالث أكبر إنتاج في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *