إقليميات

من فشل أمريكا في هرمز إلى تحولات الطاقة: كيف تتشكل التداعيات؟

بقلم د. محمد الايوبي

وفي ظل تعطل ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي، لم يعد السؤال المطروح يتعلق بكيفية امتصاص الصدمة، بل بمدى قدرة النظام العالمي نفسه على إعادة إنتاج توازناته.

فشل “مشروع الحرية”: ولد ميتاً قبل أن يبدأ

وفي السياق، حيث إن إغلاق مضيق هرمز لم يكن معزولاً عن المسار السياسي والعسكري الذي سبقَه، بل جاء نتيجة مباشرة لمسار تصعيدي قادته واشنطن، بدأ بخيارات عسكرية محدودة سرعان ما اصطدمت بحدودها الميدانية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أدوات ضغط اقتصادية ومحاولات لفرض وقائع بحرية جديدة. وفي هذا السياق، برز ما عُرف بـ “مشروع الحرية” لفتح المضيق كترجمة متأخرة لهذا التحول، في خطوة بدت وكأنها إعلان عن مبادرة لم تتوافر لها مقومات الاستمرار منذ لحظة طرحها “ولد ميتاً”، أو ما يمكن وصفه بأنها وُلدت فاقدةً لشروط تحققها، إلا أن الإعلان عن تعليقه بعد أقل من 48 ساعة على إطلاقه، بالتوازي مع انتقال الخطاب الأمريكي إلى توصيف المرحلة بأنها “دفاعية”، عكس فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والقدرة على فرضها. هذا التراجع السريع لم يقتصر أثره على المشهد العسكري، بل أسهم في تعميق حالة عدم اليقين في الأسواق، التي كانت تراهن على تدخل سريع يعيد تدفق الإمدادات ويكبح ارتفاع الأسعار.

صدمة العرض: انهيار أحد أعمدة السوق

يعتمد النظام الطاقوي العالمي على مجموعة من “نقاط الاختناق” الجغرافية التي تشكّل شرايين حيوية لتدفقات الطاقة، ويأتي مضيق هرمز في مقدمتها. إغلاق هذا الممر الاستراتيجي لم يؤد فقط إلى تعطيل الإمدادات، بل كشف هشاشة الاعتماد المفرط على مسارات ضيقة جغرافياً. فالأرقام تشير إلى خروج أكثر من 10٪ من الإنتاج العالمي الفعلي من دائرة التداول، مع فقدان الأسواق ما يزيد عن 500 مليون برميل منذ اندلاع الحرب في شباط 2026.

هذا الانقطاع المفاجئ لم يكن قابلاً للتعويض بسهولة. فعلى الرغم من وجود طاقات فائضة لدى بعض المنتجين، إلا أن القيود اللوجستية، سواء في النقل أو التكرير أو التخزين، حدّت من قدرة هذه الطاقات على سد الفجوة. كما أن مسارات بديلة، مثل خطوط الأنابيب العابرة للسعودية أو الإمارات، أثبتت محدوديتها أمام حجم الصدمة، خاصة في ظل تعرضها هي الأخرى لهجمات متكررة.

انفجار الأسعار: من التضخم إلى الركود التضخمي

انعكست صدمة العرض سريعاً على الأسعار، حيث قفز خام برنت من نحو 70 دولاراً للبرميل إلى مستويات تراوحت بين 120 و130 دولاراً خلال أسابيع قليلة، مع تحذيرات من إمكانية بلوغ 150 دولاراً في حال استمرار الإغلاق. غير أن الخطورة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في طبيعة هذا الارتفاع.

ففي الظروف الطبيعية، تؤدي زيادة الأسعار إلى تحفيز الإنتاج وتقليص الطلب، ما يعيد التوازن تدريجياً. لكن في الحالة الراهنة، يقترن ارتفاع الأسعار بقيود هيكلية تمنع زيادة الإنتاج، في حين يستمر الطلب عند مستويات مرتفعة نسبياً، خاصة في الاقتصادات الآسيوية. هذا التناقض يخلق بيئة مثالية لما يُعرف بـ”الركود التضخمي”، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بالتوازي مع ارتفاع الأسعار.

وقد بدأت مؤشرات هذا السيناريو بالظهور فعلاً، مع خفض توقعات النمو العالمي لعام 2026، وارتفاع معدلات التضخم في أوروبا وآسيا. وتشير تقديرات مؤسسات مالية كبرى إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يؤدي إلى تراجع النمو العالمي بنحو 0,2 إلى 0,3 نقطة مئوية، ما يعني أن القفزة الحالية قد تقتطع ما يصل إلى نقطة كاملة من النمو العالمي.

تحوّل تدفقات رؤوس الأموال: من الطاقة إلى الملاذات

في موازاة صدمة الطاقة، بدأت الأسواق المالية تشهد إعادة تموضع واضحة في تدفقات رؤوس الأموال، حيث لم يعد النفط وحده محور الاهتمام، بل تحوّل القلق إلى سلوك استثماري واسع النطاق. ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، اتجه المستثمرون بشكل متزايد نحو الذهب باعتباره أداة تحوّط تقليدية ضد المخاطر، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بالتوازي مع النفط، في مشهد يعكس حالة “ازدواجية القلق” في الأسواق. هذا التوازي لا يُعدّ نمطاً تقليدياً دائماً، لكنه يظهر بوضوح في لحظات الأزمات المركّبة، حيث تتداخل مخاطر التضخم مع المخاطر الجيوسياسية، فتتراجع الثقة بالأصول الخطرة لصالح أدوات أكثر استقراراً.

اختناق سلاسل التكرير والنقل

لم تقتصر الأزمة على النفط الخام، بل امتدت إلى المنتجات المكررة، حيث تضررت سلاسل التكرير بشكل مباشر. فقد خرجت نحو 2,4 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير عن الخدمة في الخليج، نتيجة الأضرار التي لحقت بالمصافي أو بسبب امتلاء مرافق التخزين.

هذا الاختناق انعكس بشكل خاص على أسواق الديزل ووقود الطائرات، اللذين يُعدّان العمود الفقري للنقل العالمي. ارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة تجاوزت 100٪ في أوروبا لم يكن مجرد رقم، بل ترجم عملياً بإلغاء عشرات آلاف الرحلات الجوية، وتراجع حركة النقل الجوي، ما أثر بدوره على قطاعات السياحة والتجارة.

كما أدت أزمة غاز البترول المسال والنافثا إلى تقليص إنتاج البتروكيماويات، وهو ما انعكس على سلاسل صناعية واسعة، من البلاستيك إلى الصناعات التحويلية. وهنا تتجلى الطبيعة “المضاعِفة” لأزمة الطاقة، حيث لا تقتصر آثارها على قطاع واحد، بل تمتد عبر الاقتصاد بأكمله.

حدود الاستجابة: المخزونات الاستراتيجية كحل مؤقت

في مواجهة هذه الصدمة، لجأت الدول الصناعية إلى استخدام المخزونات الاستراتيجية، حيث تم الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطات الطارئة، في واحدة من أكبر عمليات السحب في التاريخ. وتُقدَّر المخزونات العالمية بنحو 8,2 مليارات برميل، نصفها تقريباً لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

غير أن هذه الخطوة، على الرغم من أهميتها، تبقى إجراءً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة. فالمخزونات يمكن أن تخفف من حدة الصدمة لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع تعويض نقص مستدام في الإمدادات. ومع استمرار السحب، تتآكل هذه المخزونات تدريجياً، ما يحدّ من قدرة الدول على مواجهة صدمات مستقبلية.

الأضرار الهيكلية: سنوات من التعافي

تشير التقديرات إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الخليج قد تحتاج إلى عامين على الأقل لإصلاحها، مع احتمال امتداد هذه الفترة في بعض الحالات إلى خمس سنوات، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال. فقد أدى تضرر مرافق رئيسية إلى خفض الإنتاج في دول محورية، مثل السعودية وقطر، بنسب ملموسة.

في السعودية، انخفضت القدرة الإنتاجية بنحو 5٪ نتيجة استهداف حقول ومنشآت رئيسية، إضافة إلى تراجع تدفقات خط الأنابيب الشرقي – الغربي. أما في قطر، فقد تضرر مجمع رأس لفان، ما أدى إلى فقدان نحو 17٪ من طاقة تصدير الغاز المسال، وهي فجوة يصعب تعويضها على المدى القصير.

هذه الأضرار لا تعني فقط انخفاض الإنتاج، بل تؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليفه، سواء بسبب الحاجة إلى إعادة الإعمار أو بسبب ارتفاع تكاليف التأمين والشحن. وبالتالي، حتى في حال عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة، فإن الأسعار لن تعود بالضرورة إلى ما كانت عليه.

تصدعات داخل منظومة الإنتاج

أحد أبرز التداعيات غير المباشرة للأزمة تمثّل في التوترات داخل منظمة أوبك، خاصة مع إعلان الإمارات الانسحاب منها بعد 58 عاماً من العضوية. هذا القرار يعكس تحولاً في موازين القوى داخل المنظمة، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار ككتلة متماسكة.

فالخلافات حول حصص الإنتاج، التي كانت تُدار سابقاً ضمن أطر تفاوضية، قد تتحول في ظل الأزمة إلى صراعات مفتوحة، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاقتصادية على الدول المنتجة. كما أن دخول عوامل جيوسياسية، مثل التحالفات الإقليمية والدولية، يزيد من تعقيد المشهد.

ارتدادات عالمية: إعادة توزيع الخسائر

لم تكن تداعيات الأزمة متساوية على جميع الدول. فالدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا وأوروبا، كانت الأكثر تضرراً، حيث ارتفعت تكاليف الاستيراد بشكل حاد، ما ضغط على موازناتها وأدى إلى تراجع عملاتها في بعض الحالات.

في المقابل، استفادت بعض الدول المنتجة خارج منطقة النزاع، مثل الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية، من ارتفاع الأسعار، ما عزز إيراداتها. غير أن هذه الاستفادة تبقى نسبية، في ظل التأثيرات السلبية على الاقتصاد العالمي ككل.

أما الصين، فقد بدت في موقع أكثر توازناً، بفضل تنوع مصادر إمداداتها واستثماراتها في المخزونات الاستراتيجية. في حين تواجه أوروبا تحدياً مزدوجاً، يتمثل في ارتفاع الأسعار من جهة، واستمرار تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا من جهة أخرى.

نقطة التحول: تدمير الطلب

مع استمرار ارتفاع الأسعار، يبرز خطر الوصول إلى ما يُعرف بـ “تدمير الطلب”، حيث تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تقليص الاستهلاك بشكل حاد، ليس نتيجة تحسن الكفاءة، بل بسبب تراجع النشاط الاقتصادي. هذا السيناريو بدأ يلوح في الأفق، خاصة في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الأسواق قد تنتقل من حالة نقص في العرض إلى حالة توازن قسري عبر تراجع الطلب، لكن بثمن اقتصادي باهظ يتمثل في الركود وارتفاع معدلات البطالة.

سلوك الأسواق في زمن الخوارزميات: تسعير الخوف قبل وقوعه

لم تعد الأسواق تنتظر تحقق الأزمات بشكل فعلي كي تعيد تسعير الأصول، بل باتت تتفاعل مع الاحتمالات والسيناريوهات المستقبلية بسرعة غير مسبوقة. ففي بيئة مالية تحكمها الخوارزميات والتداول عالي التردد، يكفي تصعيد سياسي أو تهديد بإغلاق ممر حيوي حتى تنعكس التوقعات فوراً على الأسعار. هذا ما يفسّر القفزات السريعة في النفط، والتدفقات المتزامنة نحو الذهب، وحتى نحو قطاعات بديلة مثل التكنولوجيا والمعادن. وبذلك، تتحول الأسواق إلى نظام استباقي لا يعكس الواقع فقط، بل يضخّم التوقعات، ما يزيد من حدة التقلبات ويجعلها أكثر انفصالاً عن الأسس الاقتصادية التقليدية.

نحو نظام طاقوي جديد؟

تطرح الأزمة الحالية سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الطاقوي العالمي. فهل نشهد مجرد اضطراب مؤقت، أم أننا أمام إعادة تشكيل هيكلية لهذا النظام؟

هناك مؤشرات على أن الدول ستسعى إلى تقليل اعتمادها على نقاط الاختناق الجغرافية، عبر تنويع مسارات الإمداد وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية. كما أن الأزمة قد تعطي دفعة إضافية للتحول نحو الطاقة المتجددة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً لأسباب تتعلق بالأمن القومي.

غير أن هذا التحول لن يكون سريعاً، إذ لا تزال الطاقة الأحفورية تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن العالم سيبقى عرضة لصدمات مماثلة في المستقبل القريب.

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن إغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد أزمة هامشية، بل نقطة تحول قد تدفع الأسواق العالمية إلى مرحلة من عدم الاستقرار طويل الأمد. فالعوامل التي أدت إلى الأزمة، من توترات جيوسياسية إلى اختناقات هيكلية، لا تزال قائمة، بل مرشحة للتفاقم.

حتى في حال إعادة فتح المضيق ووقف الحرب والحصار الأمريكي على إيران، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وتآكل المخزونات، ستستمر في التأثير على الأسواق لسنوات قادمة. ومع بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية عند مستويات مرتفعة، فإن الأسعار ستظل عرضة للتقلبات الحادة.

بمعنى آخر، لم يعد السؤال ما إذا كانت الأسواق ستتعافى، بل متى وكيف، وبأي كلفة. وفي عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد والترابط، قد تكون هذه الأزمة مجرد مقدمة لسلسلة من الصدمات التي ستعيد رسم خريطة الطاقة العالمية لعقود قادمة.

في النهاية؛ لا يمكن قراءة تداعيات إغلاق مضيق هرمز بوصفها أزمة طاقة هامشية، بل كتحوّل بنيوي يطال طبيعة الاقتصاد العالمي وتوازناته. فالتشابك الذي ظهر بين صدمة العرض، وانفجار الأسعار، واضطراب سلاسل التوريد، وتحولات سلوك المستثمرين، يكشف أن ما جرى لم يكن خللاً ظرفياً، بل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على الصمود أمام الصدمات المركّبة.

لقد أظهرت الأزمة حدود الأدوات التقليدية، من المخزونات الاستراتيجية إلى محاولات الضبط السياسي والعسكري لمسارات الطاقة، كما كشفت أن الأسواق لم تعد تتفاعل مع الوقائع فقط، بل مع توقعات غير مستقرة تضخّم من حدة التقلبات. وفي ظل استمرار الأضرار الهيكلية، وتآكل القدرة على التعويض السريع، وتزايد التوترات داخل منظومات الإنتاج، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة عنوانها عدم اليقين المزمن، حيث تصبح أسعار الطاقة، ومعها اتجاهات النمو العالمي، رهينة للتوازنات الجيوسياسية أكثر من أي وقت مضى.

بذلك، لا تنحصر تداعيات هذه الأزمة في إعادة رسم خريطة الإمدادات، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم “أمن الطاقة” نفسه، من كونه مسألة اقتصادية إلى كونه ملفاً سيادياً واستراتيجياً بامتياز. وفي عالم لم يعد يحتمل صدمات متتالية بهذا الحجم، قد لا يكون السؤال كيف تنتهي هذه الأزمة، بل كيف سيُعاد بناء النظام العالمي بعدها – وعلى أي أسس؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *