الخسائر الأمريكية في الحرب على إيران.. حقائق تفضح ادعاءات ترامب تحقيق إنجازات وانتصارات
بقلم ابتسام الشامي
بينما يدعي الرئيس الأمريكي تحقيق إنجازات “عظيمة” في الحرب على إيران، ينجلي الواقع عن خسائر فادحة أصيبت بها القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة غرب آسيا بفعل الرد الإيراني على العدوان الذي تعرضت له، بما يهدد على نحو جدي الوجود الأمريكي في هذه المنطقة المهمة لـ”مصالح” الولايات المتحدة ومكانتها العالمية.
ترامب يدعي الانتصار
منذ الثامن والعشرين من شباط الماضي، تاريخ بدء العدوان الأمريكي الاسرائيلي المشترك على الجمهورية الاسلامية الإيرانية، لم يمر من دون أن يدلي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات يدّعي فيها تحقيق العدوان أهدافه، في تغيير النظام وضرب قدرات إيران الصاروخية وإغراق قطعها البحرية، والقضاء على مشروعها النووي. وعلى مدى أيام العدوان الأربعين مضافاً إليها أيام الهدنة، كرر الرئيس الأمريكي المهجوس بصناعة صورته بوصفه رجلاً عظيماً يقوم بإنجازات عظيمة، ادعاء الانتصار على إيران. زعم ذلك بينما كان فريقه السياسي ينخرط في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع إيران عبر باكستان للتوصل إلى اتفاق.
الرئيس الأمريكي الذي يقول الشيء ونقيضه في تصريح واحد، لم تكذبه إيران وحدها بثبات وقفها السياسي في المفاوضات – بخلاف ما يتوقع من دولة مهزومة مسحوقة القدرات وفق ادعاءات ترامب – وإنما الوقائع الميدانية والتقارير الاستخبارية التي وثقت خسائر فادحة في القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، وهو ما وثقته أيضاً تحقيقات وسائل الاعلام الأمريكية.
تقارير الخسائر الأمريكية تفضح ترامب
في هذا السياق كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، أن تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر أن الضربات الإيرانية استهدفت أصولا عسكرية أمريكية “أكثر بكثير” مما جرى الإبلاغ عنه رسمياً.
وأكدت الصحيفة أن الهجمات الإيرانية دمرت أو ألحقت أضرارا بـ “ما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة من المعدات” في قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.
وتعترف الصحيفة الأمريكية بأن الاستراتيجية الإيرانية نجحت في إلحاق ضرر ممنهج بأصول حيوية للجيش الأمريكي، بما في ذلك حظائر طائرات، ومستودعات ذخيرة، وأنظمة رادار، وممرات إقلاع.
يأتي هذا التقرير بعد ايام من كشف شبكة “سي أن أن” الأمريكية، ضمن تحقيق خاص حول نتائج حرب الأيام الأربعين، عن تضرر ما لا يقل عن 16 موقعاً عسكرياً أمريكياً، مشيراً إلى أن بعض تلك المواقع أصبح تقريباً غير صالح للاستخدام.
ونقلت الشبكة عن مصدر مطلع على الخسائر قوله: “لم أرَ قط شيئاً كهذا في القواعد الأمريكية. لقد كانت ضربات سريعة ودقيقة، باستخدام تكنولوجيا متطورة”.
وبحسب المصدر نفسه، وهو مساعد في الكونغرس مطلع على تقييمات الأضرار، فإن المنشآت المتضررة غالبية المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، ملاحظاً أن الإيرانيين “حددوا هذه المنشآت على أنها الأهداف الأكثر فعالية من حيث التكلفة للضرب”، وقال المسؤول الأمريكي إن “أنظمة الرادار لدينا هي أغلى مواردنا وأكثرها محدودية في المنطقة”.
ووفقاً لشبكة سي أن أن أظهرت صور الأقمار الاصطناعية، أن أهداف طهران الرئيسية شملت أنظمة رادار أمريكية متطورة، وأنظمة اتصالات، وطائرات منتشرة في المنطقة، وكثير منها مكلف ويصعب استبداله. وشملت أيضاً طائرات الاستطلاع من طراز “إي-3 سينتري”، التي دُمّرت في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالمملكة العربية السعودية، ومعدات اتصالات، بما في ذلك منشآت دمرت في معسكر عريفجان بالكويت، وأنظمة رادار، مثل تلك التي تضررت في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن.
تأثير الخسائر الأمريكية في صورة أمريكا لدى خلفائها
وتتجاوز الخسائر الأمريكية المشار إليها في التقارير آنفة الذكر كونها خسائر مادية إلى التأثير في مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة والنظرة إليه من قبل الحلفاء الخليجيين، وهو ما أوضحت خطورته على الولايات المتحدة الأمريكية شبكة “سي أن أن” بإشارتها إلى أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة يواجهون معضلة، “فبينما تُظهر إيران بطريقة ما، قوة تجعل الوجود الأمريكي في المنطقة أكثر ضرورة لأمن الخليج، إلا أن هناك واقعاً جديداً يتمثل بأن المنشآت العسكرية الأمريكية، التي كانت تُعتبر سابقاً حصوناً عسكرية قد تحولت إلى أهداف سهلة”.
وليس بعيداً عن هذا التقييم حول صورة أمريكا وضرورتها لحلفائها، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الجيش الأمريكي “فقد تفوقه العسكري نتيجة تهور الرئيس دونالد ترامب في إدارة الصراع”. وأضافت أن الحرب على إيران “قدّمت خارطة طريق لأي دولة ترغب في مقاومة الولايات المتحدة مستقبلاً، بما في ذلك روسيا وكوريا الشمالية”.
ورأت الصحيفة أنه يتحتم على واشنطن إجراء الإصلاحات اللازمة في الجيش الأمريكي، وإلا فإنها “تخاطر بجعل الانتكاسات في حرب إيران بمثابة مقدمة لما هو أسوأ بكثير”.
الخسائر الأمريكية في الحرب على إيران لا تقاس فقط بما نجحت إيران في استهدافه من أصول عسكرية أمريكية في المنطقة، وإنما في إفشال أهداف العدوان من جهة والقدرة على احتواء الأضرار من جهة أخرى. في هذا الإطار كان لافتاً جداً وثيقة صادرة عن وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA نشرتها صحيفة واشنطن بوست، وتشير إلى أن إيران لا تزال تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، أكثر مما جرى الإبلاغ عنه حتى الآن.
ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين الأمريكيين قوله إن “إيران ما تزال تحتفظ بنحو 75٪ من منصّات إطلاق الصواريخ التي كانت لديها قبل الحرب، ونحو 70٪ من إجمالي الصواريخ”. وأضاف المصدر أن هناك أدلة على أن النظام الإيراني نجح بالفعل في إعادة فتح “تقريباً جميع” منشآت التخزين تحت الأرض التي قصفت مداخلها، من بين أمور أخرى خلال الحرب، لمنع إيران من إطلاق وابل كبير من الصواريخ دفعة واحدة. كما تمكن أيضاً من إصلاح بعض الصواريخ التي تضررت جراء القصف.
وبحسب المصدر، تمكنت إيران حتى من تجميع صواريخ جديدة، ولكن فقط تلك التي كان تصنيعها قد أوشك على الاكتمال قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، حذّر أحد المسؤولين من أن الجدول الزمني قد تقلص للوصول إلى المرحلة التي يمكن فيها لإيران استئناف إنتاج الصواريخ الباليستية “بكميات كبيرة”.
خاتمة
في رد ضمني على وثيقة CIA وما تضمنته من معطيات بشأن احتواء إيران ما تعرضت له من خسائر، قال وزير الخارجية الإيرانية الدكتور عباس عراقجي، إن مخزون إيران من الصواريخ وقدرتها على الإطلاق ليسا عند 75٪ مقارنة بيوم 28 شباط بل الرقم الصحيح هو 120٪. وهذا يعني أن إيران لم تُعِدْ ملء مخازنها من الصواريخ فحسب وإنما زادت من أعدادها، بما يشكل صفعة جديدة لادعاءات الرئيس الأمريكي عن الإنجازات العظيمة في الحرب.
