إقليميات

مطار مغلق وطريق وعرة.. كيف تتحكم السعودية بحجاج اليمن؟

بقلم نوال النونو

كان الحجاج اليمنيون أكثر من ثلاثة آلاف، وهم عُزَّل من السلاح، وكلهم مُهِلُّون بالإحرام للحج، فصدف أن التقت سريةُ جنود من جيش آل سعود بقيادة الأمير خالد بن محمد «ابن أخ الملك عبد العزيز» بالحجاج اليمنيين وهم في طريقهم إلى مكة، فسايرهم الجنودُ بعد أن أعطوهم الأمان؛ ولما وصل الفريقان إلى وادي تنومة، وجنود السرية في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض الجنودُ على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم، فلم ينجُ منهم إلا عددٌ قليل، وقُتل أكثرُ من 3 آلاف حاج.

وعلى الرغم من هذه الجريمة المتوحشة المخالفة للأعراف والتقاليد والأديان السماوية، إلا أن الأنظمة اليمنية السابقة غيَّبت هذه الجريمة، وظلت طيَّ النسيان، ولم يُفتح هذا الملف إلا الآن في ظل حكم أنصار الله لصنعاء وشمال اليمن.

وخلال الأيام الماضية نظَّمت في صنعاء وعدة محافظات يمنية وقفات متنوعة إحياءً للذكرى الـ 106 لمجزرة تنومة، حيث أكد المشاركون أن تلك المجزرة لن تسقط بالتقادم، وأن التاريخ الدموي للنظام السعودي وما ارتكبه من أفظع الجرائم والمجازر الوحشية ضد الإنسانية بحق الشعب اليمني، لن يُمحى من سجله الإجرامي.

معاناة تتجدد كل عام

ويتذكر اليمنيون هذه المأساة بموازاة انتهاكات وجرائم متواصلة يمارسها النظام السعودي على الحجاج اليمنيين، فالوصول إلى مكة محفوف بالمخاطر، ولا سيما مع استمرار الحصار على اليمن وإغلاق مطار صنعاء الدولي.

ومع مرور عام كامل منذ استهداف وتدمير الطائرات المدنية في مطار صنعاء الدولي من قبل كيان العدوّ الصهيوني يومَيْ 6 مايو و28 مايو 2025، أدَّى ذلك إلى خروج المطار عن الخدمة وتدمير آخر الطائرات المدنية العاملة، وتسبب ذلك في إجبار الحجاج اليمنيين على قطع آلاف الكيلومترات برًّا، عبر طرقٍ شاقة وخطرة، نتيجة استمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي، ومنع الرحلات المباشرة، والتضييق المتواصل على المنافذ.

وفي السياق أكد نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد وشؤون الحج والعمرة العلامة فؤاد ناجي، أن النظام السعودي يواصل فرض إغلاق مطار صنعاء وبقية المنافذ البرية عدا منفذ الوديعة الذي يتكدس بآلاف الحجاج اليمنيين.

وقال العلامة فؤاد ناجي، في مؤتمر صحفي له يوم الثلاثاء: إنّ “تفويج الحجاج برًّا يحمل الكثير من المخاطر ويزيد معاناة كبار السن والمرضى ومنهم من يتوفون في طريقهم لأداء فريضة الحج”، مضيفًا “نضطر لتفويج الحجاج للسفر برًّا رغم حجم المعاناة والأخطار ومضاعفة التكلفة”.

وشدّد على أن العدوان الأمريكي السعودي يستخدم الحج كورقة ضغط على الشعب اليمني ويمنعه من أداء هذه الفريضة بيسر وسهولة، موضحًا أن تكاليف الحج ارتفعت بنسبة 100٪ مقارنة بتكاليف ما قبل العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، داعيًا النظام السعودي إلى إعادة فتح المسار الإلكتروني فيما يخص فريضة الحج، عبر هيئة الأوقاف والإرشاد وشؤون الحج والعمرة.

الحج بين الأمس واليوم

لقد أدَّى الحصار وإغلاق المنافذ إلى ارتفاع تكاليف الحج بنسبة تجاوزت 100٪ مقارنة بما كانت عليه قبل العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، ما جعل أداء الفريضة حلمًا شاقًا ومكلفًا للكثير من اليمنيين، بعد أن كانت رحلة الحج أكثر سهولة ويُسرًا.

ويكشف استمرار فرض المعاناة على الحجاج اليمنيين عن نمط متكرر من التعامل السعودي مع اليمنيين فيما يخص الحج، ويمكن فهم ذلك من خلال نقطتين بسيطتين:

أولاً: الماضي والحاضر وجهان لعملة واحدة، فقبل أكثر من 100 سنة، قُتل آلاف الحجاج اليمنيين في وادي تنومة وهم في طريقهم إلى مكة، واليوم، لا أحد يقتل الحجاج بالرصاص، لكن الطريق إلى مكة أصبح شاقًّا وخطيرًا لدرجة أن بعض كبار السن يموتون على الطرقات البرية، والفرق أن القتل بالأمس كان بالرصاص، واليوم هو بالإرهاق والحرمان والطرق الوعرة، فالمعاناة لم تتوقف، فقط وإنما تغير شكلها.

ثانياً: الحج أصبح سلاحًا وورقة ضغط وليس فريضة دينية فقط، فعندما يُغلق المطار الوحيد (صنعاء)، ويُمنع اليمنيون من السفر بالطائرة، ويُترك لهم منفذ بري واحد مزدحم، وتتضاعف التكاليف 100٪، فهذا يعني أن الحج لم يعد مجرد شعيرة دينية، فقد أصبح وسيلة للضغط على اليمنيين سياسيًّا واقتصاديًّا، والسعودية تتحكم في من يدخل أراضيها لأداء الحج، وتستخدم هذا التحكم كورقة في الصراع مع صنعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *