إقليميات

الرئيس الجزائري وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع تركيا

بقلم توفيق المديني

وكذلك أيضاً في ضوء تفجر الأزمة المالية، وتداعياتها الإقليمية والدولية. ويُنْتَظَرُ أنْ يكونَ للجانبِ الاقتصاديٍّ النصيب الأكبر من المباحثات التركية-الجزائرية، في ظل تطلع البلدين لرفع المبادلات بينهما إلى 10 مليارات دولار.

وتُعَدُّ هذه الزيارة الثالثة للرئيس تبون إلى تركيا منذ توليه منصبه في عام 2019، بعد زيارتيه السابقتين في أيار/ماي 2022 وتموز/يوليو 2023. أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقام بزيارتين رسميتين إلى الجزائر، الأولى في يناير 2020، والثانية في نوفمبر 2023 بمناسبة عقد منتدى الأعمال الجزائري التركي الذي شهد حضوراً اقتصادياً كبيراً.

ومنذ توقيع اتفاقية التعاون بين الجزائر وتركيا عام 2006، تشهد العلاقات الاقتصادية الجزائرية – التركية تطوراً بارزاً، وصل إلى مستوى شراكةٍ اقتصاديةٍ أكبر، لا سيما بعدما أَزَاحَتْ تركيا في مجال ارتفاع حجم الاستثمارات في السوق الجزائرية بنحو 5 مليارات دولار، الموقع الذي كانت تحتله فرنسا ،بناء على معطياتٍ إحصائيةٍ من المراجع الرسمية للدولتين، وهو ما يعكس رهاناً جزائرياً على القوة الإقليمية التركية الصاعدة والأقطاب الاقتصادية الناشئة، في الشرق.

تطور العلاقات الاقتصادية مع تركيا مقابل تدهور نظيرتها مع فرنسا

وكانت زيارة الرئيس التركي أردوغان للجزائر في 26 يناير/كانون الثاني 2020 مناسَبة مهمة للبلدين من أجل تعزيز العلاقات بينهما، اقتصادياً ودبلوماسياً وثقافياً وأمنياً واستراتيجياً، أما زيارته الثانية  فكانت في نوفمبر 2023 بمناسبة عقد منتدى الأعمال الجزائري التركي الذي شهد حضوراً اقتصادياً كبيراً.

وتوجت الزيارة الأخيرة لأردوغان بتوقيع 13 اتفاقية تعاون، من أبرزها تمديد اتفاقية استيراد الغاز الجزائري إلى تركيا لثلاث سنوات إضافية حتى عام 2027. وأكد الرئيس التركي في كلمته بالمنتدى أن تركيا تُعد أكبر مستثمر أجنبي في الجزائر خارج قطاع المحروقات، حيث توفر الشركات التركية نحو 5 آلاف فرصة عمل للجزائريين، معرباً عن أمله في رفع حجم الاستثمارات التركية إلى 10 مليارات دولار.

غير أنَّ الاهتمام التركي بالجزائر يأتي أيضاً، نظراً للمكانة الجغرافية السياسية لهذا البلد، كبوابة رئيسية لمنطقة شمال إفريقيا (100مليون نسمة)، وللقارة السمراء (1.2 مليار نسمة)، إضافة للثروات الهائلة التي تتمتع بها الجزائر، فهي تحتل المرتبة 9 عالمياً في إنتاج الغاز الطبيعي، ولها عاشر احتياطي عالمي منه. كما تحتلّ الجزائر المرتبة 16 عالمياً في احتياطي النفط. وتحتلّ الجزائر ثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي لتركيا بعد روسيا وإيران.

يؤكد الخبراء في الاقتصاد المهتمون بالشأن الجزائري، أنَّ تركيا استفادت من عاملين رئيسيين:

فشل الشراكة الأورو/متوسطية بين الاتحاد الأوروبي والجزائر، واتسام علاقة الجزائر مع مكونات الغرب، سواء كانت الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ودوله أو حلف شمال الأطلسي، بالحذر لاعتبارات سياسية وتاريخية.

استفادة تركيا من تدهور العلاقات السياسية والاقتصادية الفرنسية – الجزائرية، وهذا ما عبر عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون -في مقابلة مع مجلة “لوبوان” (Le Point) الفرنسية – أواخر مايو/أيار 2021.

في موقف يعكس تمسّكه بخيار التهدئة مع الجزائر، هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشدّة، يوم الاثنين 27 نيسان/أبريل 2026، تصاعد انتقادات اليمين المحافظ واليمين المتطرف، الذي يريد دائما استغلال ملف الهجرة غير الشرعية، وملف الجزائر، ويحوّلهما إلى مادة جديدة تغذّي ماكينة التجاذب السياسي والانتخابي في فرنسا، لتعزيز مواقعه ومهاجمة الخصوم، قبيل عام من الاستحقاق الرئاسي. وهذا ما جعل الرئيس ماكرون يصف دعاة التصعيد مع الجزائر، بـ “المجانين”، وذلك في سياق نقاش داخلي متجدّد حول الهجرة والكوادر الطبية الأجنبية. وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي خلال زيارة إلى منطقة أرييج، جنوب غربي البلاد، حيث ناقش مع عاملين في القطاع الصحي أزمة نقص الأطباء، ولا سيما ملف الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، الذين يشكّل الجزائريون النسبة الأكبر بينهم (أكثر من 36٪).

وفي تقييم المؤشر التعاوني بين الجزائر وباريس منذ مجيء الرئيس تبون، يعتبر الخبير الاقتصادي الجزائري عبد الرحمن تومي أنَّ التعاون مع فرنسا يتسم بالانحدار الدراماتيكي لعدة عوامل، أهمها الماضي الاستعماري لفرنسا، وعدم قبول باريس تقديم اعتذار للشعب الجزائري، والرغبة في إبقاء الحكومات الفرنسية المتعاقبة الجزائر سوقاً، عبر النفوذ في صناعة القرار داخل أروقة السلطة الجزائرية.

وكانت الدولة الجزائرية أوقفتْ العمل مع مكاتب الدراسات الأجنبية في المشاريع الكبرى، وأغلبها فرنسية، إذ كانت تستنزف الخزينة الجزائرية 10 مليارات دولار سنوياً، وهي ظاهرة منتشرة في العديد من البلدان العربية التي تعتمد على الخبراء الأجانب، بدلاً من الخبراء العرب.

ومن مؤشرات تدهور العلاقات الاقتصادية – الجزائرية، تراجع واردات الجزائر من القمح الفرنسي بنسبة 50٪ لسنة 2020، وهي الأولى من نوعها منذ 58 سنة، حيث خسرت فرنسا نحو 2.5 مليار دولار، إضافة إلى عدم تجديد عقد تسيير المياه لشركة (سويز) الفرنسية، مما أدى إلى خسارتها 277 مليون دولار، وكذلك عدم تجديد عقد مترو الجزائر، بخسارة قدرها 130 مليون دولار.

كما سجل رفض السلطات الجزائرية استحواذ شركة “توتال “(Total) على حصة “أناداركو للنفط” (Anadarko Petroleum) الأمريكية بـ 5.5 مليارات دولار، فضلاً عن عدم تمكين الشركات الفرنسية سابقا من صفقات المسجد الأعظم بنحو 2 مليار دولار. واعتبر تلك المؤشرات أدلة بارزة على وجود نية صادقة لدى السلطات الجزائرية في التوجه نحو جهات أخرى أكثر ثقةً وربحاً وأماناً لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

من جهته، قال رئيس منتدى الأعمال الجزائري مراد عروج إنَّ السوق الجزائرية بمختلف قطاعاتها كانت حكراً على الشركات الفرنسية حتى عام 2006، في حين تدخلها 70٪ من البضائع الأوربية عبر المؤسسات الفرنسية. وانتقد عروج تركيز الطرف الفرنسي على قطاع الخدمات، على غرار تسيير الشركات العمومية ونشاط البنوك والتأمينات والاستشارات “بدون استثمار الأموال، بل (الاستثمار) بموارد الخزينة الجزائرية ومدخرات المواطنين، مقابل امتيازات تفضيلية لا مثيل لها”.

الاستفادة التركية من تدهور العلاقات الفرنسية – الجزائرية في مجال الاستثمارات ، يمكن تفسيره أيضاً برغبة الجزائر في التحرر من قيود التبعية والضغوط الفرنسية التي كانت تعرقل لعقود طويلة كل محاولات تطوير الجزائر علاقاتها الاقتصادية و السياسية مع البلدان العربية والإسلامية الوازنة في العالم العربي والإسلامي ، لا سيما أنَّ تمركز اللوبيات الموالية لباريس ومافيات الفساد في عمق السلطة والإدارة الجزائرية، أو ما يسمى “حزب فرنسا في الجزائر”، أعاق كل رغبة في حضور اقتصادي وسياسي لقوى من خارج الدائرة الغربية، واستهدف بالأساس الاستثمارات الآتية من الشرق عموماً، وبطبيعة الحال ما ينطبق في هذه الحالة على الجزائر ،ينطبق على كل من تونس ،والمغرب.

نحو شراكة اقتصادية تركية-جزائرية واعدة

في مقابل تدهور العلاقات الاقتصادية الفرنسية الجزائرية، شهدتْ نظيرتها الجزائرية التركية تصاعداً ملحوظاً، في ما يبدو فرصة تاريخية للجزائر وأنقرة للتخلص من نفوذ باريس، بحسب مراقبين. فقد وقعت المؤسسة الوطنية للمحروقات في الجزائر (سوناطراك) مع شركة “رونيسانس” التركية 3 عقود لتطوير المشروع البتروكيميائي، لإنتاج البوليبرو بيلان بمدينة جيهان التركية، بتكلفة قدرها 1.4 مليار دولار.

كما سجلت تركيا مع نهاية 2020 استثمارات فاقتْ 5 مليارات دولار في الجزائر، متفوقة على فرنسا الشريك التقليدي بضعف الغلاف المالي، وذلك عبر تواجد1400 شركة ناشطة في مختلف القطاعات، أهمها شركة “توسيالي للحديد والصلب” بـ 2.5 مليار دولار، وصناعة النسيج بقيمة 200 مليون دولار، مع توفير أكثر من 30 ألف وظيفة، إضافة إلى شركات الإنجاز العقارية التي كان لها النصيب الثاني بعد الصين. يضاف إلى ذلك فإنَّ أنقرة تسعى لتعزيز التعاون في مجال الطاقة مع الجزائر عبر زيادة الاعتماد على الغاز الجزائري والتعاون مع شركات طاقة جزائرية في مشاريع واعدة على الأراضي التركية، إلى جانب الاتفاقيات الأخيرة في مجال تطوير النقل البحري والموانئ. وفي غضون عام 2025، تم افتتاح بنك زراعات التركي في الجزائر. وباتت تركيا في مقدمة الدول الأكثر استثماراً في الجزائر، بحجم استثمارات يقارب 6 مليارات دولار، ويتطلع البلدان إلى رفعها إلى 10 مليارات دولار بحلول نهاية 2030، بما يمهد إلى شراكة إستراتيجية تُتوج بالتوقيع على اتفاقيةِ منطقةٍ تبادلٍ حُرٍّ.

وما يؤكد تطور العلاقات الاقتصادية التركية – الجزائرية، الزيادة الملحوظة في الجالية التركية التي تجاوزت 25 ألف تركي وأكثر من 35 رحلة جوية أسبوعية للخطوط التركية. وعلى الرغم من أنَّ الشركات التركية واجهتْ عقباتٍ كبيرةٍ في الجزائر وموانعٍ من مسؤولين بالوزارات، وصلتْ إلى حدِّ إلغاء صفقاتٍ فازت بها في قطاع المنشآت والطرقات والجسور والسكك الحديدية والأدوية، عن طريق اللوبي الفرنسي المتجذر في مراكز الحكم،والاقتصاد، والإدارة في الجزائر، فإنَّ تركيا اليوم في ظل توجه السياسة الإقليمية و الدولية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شرقاً، تَحُوزُ اليوم فرصاً كثيرةً وقويةً لترقية علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر بفعل امتيازاتٍ غاية في الأهمية، برزتْ مع صادرات الجزائر من الحديد والتعاون في الطاقة، خاصة البتروكيمياويات.

وتبدو آفاق الشراكة التركية مع الجزائر واعدةً، لا سيما في ميدان الصناعات الصيدلانية ومواد التجميل والصناعات الغذائية والتحويلية والنسيجية ومقاولات الأشغال والميكانيك. كما دخلت الاستثمارات التركية قطاعات الطب والرقمنة والسياحة والتعليم والصحة والمياه والفلاحة والطرقات، وهي تتطلع إلى الاستفادة من إنجاز ميناء الحمدانيّة الكبير، ضمن مشروع طريق الحرير الصيني.

ويكشف الخبراء الجزائريون أنَّ تطور التعاون التركي – الجزائري يأتي من دون قيدٍ أو شرطٍ سياسيٍّ، ما يُضْفِي طابع الثقة والتقارب أكثر في مجالات أخرى ذات مستوى أعلى، ويخلصون إلى القول أنَّ الشريك التركي سيكون بديلاً اقتصادياً عن النفوذ الفرنسي وأكثر إنصافاً وإنسانية ًمع الجزائريين في غضون 5 سنوات القادمة. وتتنوع مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين؛ فقد باتت الجزائر تحتل مكانة هامة على صعيد ضمان أمن الطاقة لتركيا، كما تنشط المصانع التركية في مجالات متعددة أبرزها الحديد والصلب والنسيج والزراعة إلى جانب التجارة والخدمات مع دخول بنك تركي مؤخرا للجزائر.

البعد الإقليمي والخوف من تحول مالي

إلى أفغانستان جديدة في شمال إفريقيا

تمثل القضايا الإقليمية جانباً آخر أساسياً في علاقة الجزائر بتركيا، خاصة في ظل الحضور التركي في مناطق تمثل امتدادا طبيعيا للأمن القومي الجزائري. ويبرز في هذا السياق، ملف الأزمة المالية في منطقة الساحل كأولوية، لا سيما أنَّ مالي تُعَدُّ من الدول التي تمتلك فيها تركيا حضوراً واضحاً. وكان الدور التركي في المنطقة، محل تساؤلات لدى النخب الجزائرية مؤخراً، خصوصاً أنَّ تَمَدًّدَ أنقرة تجاوز الإطار السياسي والاقتصادي، وأخذ بُعْداً أمنياً واضحاً، تجلّى في قيام أنقرة بتزويد الجيش المالي بأسلحة متطورة، وفي مقدّمتها الطائرات المسيّرة من طراز “بيرقدار”.

وغير أنَّ الهجوم غير المسبوق الذي نفذه السبت الماضي، المتمردون الطوارق في جبهة تحرير أزواد، بالتحالف مع “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة (جنيم)، أعاد عقارب الساعة في البلاد قرابة عقد ونصف العقد إلى الوراء، وتحديداً إلى عام 2012 حين سيطر الطوارق على الشمال، قبل أن يطيحهم تحالف جماعات إسلامية متشددة، بقيادة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ما استدعى التدخل الفرنسي. اليوم، ومن على مشارف باماكو، حقّق تحالف الأزواد و “جنيم”، نصراً غير مسبوق، قد لا يهدّده سوى انفراط عقد تحالفهما، بعدما تمكّنا من بثّ الرعب في المجموعة العسكرية الحاكمة وإضعافها، وفضح عدم رغبة قوات “فيلق إفريقيا” الروسي في القتال، بانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من تحركات عسكرية من شأنها أن تكشف طبيعة الأهداف النهائية وراء هجوم مالي السبت، وما إذا كانت إطاحة النظام العسكري وإنشاء حكم إسلامي في البلاد.

ويرى المحللون والخبراء في منطقة الساحلٍّ، أنَّ الخطر الأكبر الذي تستشعره الدول المغاربية هو احتمال أن ينسج متطرفو “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين” على منوال حركة “طالبان” في أفغانستان، بأن يستغلوا أيَّ فراغٍ أمنيٍّ لفرض تشَدُّدِهم الديني على السكان في مالي وتحويل المناطق التي تحت إمرتهم إلى بؤرة للإرهاب وكافة أنواع التهريب والجريمة العابرة للحدود، مما يعني إنعاش خطر الإرهاب بعدما تم احتواؤه إلى حدٍّ بعيدٍ خلال الأعوام الأخيرة. يفاقم المخاوفُ التشَدُّدَ الإيديولوجي لـ “جبهة نصرة الإسلام والمسلمين” التي وإنْ دَعَتْ لتأسيس “جبهة مشتركة” ضد النظام في مالي فهي قد أكَّدَتْ عَزْمَها فرْضَ مفهومها للشريعةِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *