“هرمز” يفضحَ أكاذِيبَ ترامب… واشنطن بين شروط إيران وضغوط إسرائيل: تهدئة أم عودة إلى المواجهة؟
بقلم زينب عدنان زراقط
“انتصرنا! دمرنا وقتلنا وأبدنا! احتجزنا وعاقبنا وحاصرنا!”… هكذا يتكرر خطاب الإدارة الأمريكية ورئيسها، في سلسلة لا تنتهي من عبارات الإنجاز التي تبدو، في ظاهرها، إعلاناً لنصرٍ حاسم. غير أن هذا الضجيج سرعان ما يتراجع أمام واقعٍ مختلف، حين تعود التصريحات ذاتها لتؤكد أن وقف إطلاق النار ما يزال سارياً، مع مطالبة إيران بأن تكون “حكيمة” في تصرفاتها.
هنا يتشكل التناقض الصارخ: كيف يمكن الجمع بين خطاب الإبادة والانتصار الكامل، وبين الدعوة إلى التهدئة والاستمرار في المفاوضات؟ وكيف يتحول مشهد حشد الأساطيل والطيران الحربي وطائرات التزويد بالوقود، بكل ما يحمله من استعراض قوة وتهديد ووعيد، إلى خاتمة باردة تختصر كل شيء بعبارة “المفاوضات سارية”؟ هذا التناقض لا يفتح باب الشك فقط، بل يفرض سؤالًا أعمق حول طبيعة هذه القوة: هل هي واقع فعلي، أم صورة تُصنع بالكلام وتُسوّق عبر الإعلام؟.
هذا التناقض لا يثير الشك فحسب، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة ما يجري، وحول القوى الحقيقية التي تتحكم بمسار هذا الصراع ومن يملك القرار الحقيقي في الميدان وفي السياسة.
هل ما تعلنه الولايات المتحدة هو انعكاس لواقع ميداني فعلي، أم محاولة مكشوفة لتضخيم إنجازات لم تتحقق وفرض صورة نصر وهمي؟ هل مضيق هرمز يخضع فعلًا لهيمنة القوة العسكرية الأمريكية، أم أن الجغرافيا والإرادة السياسية الإيرانية هي التي تفرض قواعد اللعبة؟ وإلى أي مدى لعبت الإمارات دورًا مباشرًا في تأجيج التوتر، سواء عبر حادثة الفجيرة أو عبر التنسيق السياسي والإعلامي؟.
ومن يتحكم فعلياً بقرار الحرب والسلم في واشنطن: هل هو دونالد ترامب، أم أن ضغوط بنيامين نتنياهو – الذي يطالب بنزع اليورانيوم الإيراني وتدمير قدراتها الصاروخية – هي التي تعيد إشعال التصعيد كلما اقتربت لحظة التهدئة وكادت فرص الاتفاق أن تنضج؟
أولاً: خطاب القوة الأمريكية بين الاستعراض والتناقض
في محاولة تكريس صورة الهيمنة، تسعى الولايات المتحدة إلى رسم ملامح قوةٍ مطلقة، تُبنى على خطاب إعلامي مكثف يضخم الإنجازات ويعيد إنتاجها في الوعي العام، حتى لو تناقضت مع الوقائع. هذا السلوك ينسجم مع المثل اللبناني الشعبي “من برا هالله هالله ومن جوا يعلم الله”، في إشارةٍ إلى التناقض التام بين ما يُحكى في العلن والواقع خلف الكواليس. وما الذي عسى أن يُقال بإدارةٍ مُكنّاة بـ “عصابة إبستين” في دلالةٍ لما اقترفوه من أفعال شنيعة من شرب دماء الأطفال إلى اغتصاب القاصرات؟!.
لكن في مقابل هذه الصورة المصنوعة، تُطرح إيران بوصفها الطرف الذي يُراد تحجيمه إعلامياً ووضعه في موقع الضعف، على الرغم من أن المعطيات تشير إلى أن الواقع يسير في اتجاه مغاير. وهنا تستعيد الذاكرة قول الإمام موسى الكاظم (ع): “لو كان في يدك جوزة وقال الناس لؤلؤة ما نفعك، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس جوزة ما ضرك”، لتصبح هذه الحكمة مفتاح فهم المشهد كله؛ فالحقيقة لا تتغير بتكرار الخطاب، ولا تُصنع بالقوة الإعلامية، بل تثبتها الوقائع. ومن هذا المنطلق، يبدو أن العالم بدأ يدرك تدريجياً حجم القوة الإيرانية، ما يجعل كل ما يقوله “الجاهلون” بلا تأثير فعلي، لأن السؤال الحاسم لا يزال قائماً: من هو الأقوى فعلاً؟ ومن يملك القدرة على فرض شروطه وكتابة نهاية الصراع؟.
ثانياً: مضيق هرمز… حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة
إذا كان الخطاب يعكس التناقض، فإن الميدان يكشفه بوضوح أكبر، خصوصاً في مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى مركز التوتر العالمي. فإعلان دونالد ترامب عن إطلاق عملية “مشروع الحرية” لإنقاذ السفن العالقة، بدعم إماراتي، جاء كترجمة عملية لسياسة استعراض القوة، مدعوماً بآلاف الجنود وأكثر من مئة طائرة ومدمرات بحرية. غير أن هذا الاستعراض اصطدم مباشرة بموقف إيراني حازم يؤكد أن أمن المضيق يقع ضمن مسؤوليتها، وأن أي عبور يجب أن يتم بالتنسيق معها، مع تحذير واضح من استهداف أي قوة أجنبية تقترب، بل ودعوة صريحة للناقلات إلى الامتناع عن العبور دون تنسيق مسبق.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت حادثة ميناء الفجيرة بوصفها مثالاً صارخاً على معركة الروايات، حيث تعرّض الميناء لاعتداء، وسارع الإعلام إلى اتهام إيران بانتهاك وقف إطلاق النار، في محاولة لتثبيت رواية تحميلها مسؤولية التصعيد. غير أن إيران، ممثلة بالحرس الثوري، نفت بشكل قاطع أي علاقة لها بالهجوم، معتبرة أن ما جرى يدخل في إطار “مغامرة أمريكية” أو عمل مدبّر لإشعال الفتنة وتبرير التصعيد. هذا التناقض بين الاتهام والنفي لم يبقَ معزولاً، بل تزامن مع حديث عن تواطؤ إماراتي إسرائيلي للضغط على واشنطن باتجاه الحرب، ما جعل الحادثة تتجاوز كونها واقعة أمنية إلى كونها جزءاً من صراع أوسع على تشكيل الرواية.
وتزامن ذلك مع مؤشرات ميدانية لافتة، إذ بدا ميناء الفجيرة شبه خالٍ من ناقلات النفط، مع توقعات بانخفاض صادرات الإمارات، في انعكاس مباشر لحالة التوتر. كما صدرت تصريحات إيرانية شديدة اللهجة وصفت سلوك الإمارات بالخيانة، مع تأكيد رسمي من “مقر خاتم الأنبياء” أن القوات الإيرانية لم تنفذ أي عمليات ضدها، وأنها لو فعلت لأعلنت ذلك بوضوح، ووصفت التقارير الإماراتية بالكاذبة جملةً وتفصيلاً.
وعلى مستوى آخر، كشفت حادثة جنوح سفينتين أمريكيتين في المياه الصخرية قرب السواحل العمانية عن بعد إضافي للصراع، حيث لم يعد الخلاف مقتصراً على التصريحات، بل امتد إلى الوقائع الجغرافية نفسها. فبينما أعلنت القيادة الأمريكية عبور السفينتين، نفى الحرس الثوري ذلك، مشيراً إلى أن طبيعة المنطقة القريبة من مسندم والخيل تجعل المناورة مستحيلة، لتصبح الجغرافيا ذاتها شاهداً في معركة الروايات. وزاد المشهد تعقيداً اندلاع حريق في منشآت الفجيرة النفطية، رُبط بمحاولة أمريكية لفتح ممر بحري غير قانوني، وُصفت بالمغامرة المتهورة.
ثالثاً: فشل “مشروع الحرية” وصراع الإرادات
تبلغ هذه التناقضات ذروتها مع الإعلان عن إيقاف “مشروع الحرية” بعد أقل من 48 ساعة فقط من إطلاقه، في خطوة بدت وكأنها تراجع سريع وفشل في تحقيق أي إنجاز عسكري، على الرغم من محاولات تبرير القرار بأنه جاء بطلب من باكستان وبسبب “نجاح عسكري باهر” وتقدم في المفاوضات مع إيران. غير أن هذا التبرير يعيد إنتاج التناقض ذاته بين الخطاب والواقع.
القراءة المطروحة تشير إلى أن العملية كانت في أساسها محاولة لجس نبض إيران وكسر إرادتها وفرض شروط تفاوضية، لكن النتيجة جاءت معاكسة، إذ أدى الإعلان عنها إلى تصعيد غير مسبوق في مضيق هرمز. وفي المقابل، تُقدَّم إيران على أنها تعاملت باحترافية، حيث رفعت مستوى التصعيد ميدانياً مع كل تهديد، ولم تكتفِ بالرد الإعلامي، ما أثبت – وفق هذا الطرح – أنها لا تخشى الحرب ومستعدة لها ولن تتراجع.
وفي هذا السياق، أعلن الحرس الثوري شكره لقادة السفن الذين التزموا باللوائح الإيرانية، مؤكداً أن الأمن البحري أصبح ممكناً، في حين أشارت تقارير إلى أن نحو 1500 سفينة تنتظر الإذن للعبور، ما يعكس حجم السيطرة الميدانية. وفي الخلفية، يثار جدل قانوني حول تحايل الإدارة الأمريكية على الدستور عبر إنهاء عملية وبدء أخرى باسم جديد لتجاوز قيود الكونغرس.
أما على صعيد الإعلام، فقد تضاربت التقارير حول وجود تفاهم بين طهران وواشنطن، حيث تحدثت بعض المصادر عن مفاوضات لمدة 30 يوماً تشمل مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات، بينما نفت مصادر مطلعة ذلك، مؤكدة عدم وجود أي مراسلات رسمية، واعتبرت أن هذه التسريبات تهدف إلى التأثير على الأسواق العالمية، خصوصاً خفض أسعار النفط.
وفي موازاة ذلك، تتواصل التحركات الدولية، مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين قبل قمة أمريكية صينية، ودعوات باكستان لضبط النفس، وإدانات للهجمات على البنية التحتية. كما تظهر قراءات إيرانية تعتبر أن “دومينو الهزائم” أنهى الهيمنة الأمريكية، وأن ترامب سيتجه إلى بكين بصفة الخاسر، فيما تشير تقارير صحفية إلى أنه “قد يعلن النصر ثم ينسحب”.
في الختام، من يكتب النهاية؟ في ظل هذا المشهد المتشابك، يؤكد محمد باقر قاليباف رئيس مجلس البرلمان الإيراني أن إيران تخوض واحدة من أكبر حروبها المعاصرة، وأن النصر فيها سيجعلها لاعباً أساسياً في النظام الدولي، ويفتح الباب أمام تقدم واسع على الرغم من التحديات. لكن، وعلى الرغم من كل الخطابات والتحليلات، تبقى الحقيقة النهائية معلقة على مسار الأحداث.
فهل كان “مشروع الحرية” مجرد مناورة فاشلة أم اختباراً محسوباً؟ وهل نشهد فعلاً بداية أفول الهيمنة الأمريكية، أم إعادة ترتيب لأدواتها؟ هل القرار في واشنطن مستقل فعلًا بيد دونالد ترامب، أم أنه يخضع لضغوط خارجية تدفع نحو استمرار الصراع؟ والأهم: هل يمكن للخطاب أن يصنع واقعاً، أم أن الواقع وحده – كما تقول الحكمة – هو من يكشف من يحمل اللؤلؤة ومن يحمل الجوزة؟ بين الضجيج والصمت، بين التهديد والتراجع، تبقى الكلمة الأخيرة لمن يفرضها في الميدان، لا لمن يعلنها في التصريحات.
