لُبنَان عِقدَةُ الفَصلِ … في الاتفَاق الإيراني الأمريكي
بقلم زينب عدنان زراقط
لم يكن المشهد في لبنان خلال المرحلة الأخيرة مجرد تصعيد عسكري أو أزمة حدودية عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لمعادلات القوة في المنطقة كلها. فبينما اندفع مسار المفاوضات اللبنانية باتجاه البحث عن وقفٍ لإطلاق النار عبر القنوات الدبلوماسية والوساطات الدولية، كان الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت يتعرضان لتهديدات متكررة واعتداءات مفتوحة، تُدار في ظل توازنات مختلة تضع الدم اللبناني على طاولة التفاوض.
وفي ذروة هذا التصعيد، برز موقف إقليمي شديد الوضوح ربط أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة بوقف العدوان على لبنان، وصولاً إلى تجميد قنوات التواصل السياسي ورفع مستوى التحذير من أن استمرار استباحة الجنوب قد يفتح أبواب مواجهة تتجاوز حدود لبنان إلى الإقليم بأسره، بما في ذلك الممرات البحرية والاقتصادية الأكثر حساسية في العالم. عندها فقط، بدأت التهديدات الإسرائيلية بالانكفاء، وكأن ميزان الردع قد أعيد ضبطه فجأة على إيقاع مختلف.
هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز السياسة اليومية إلى جوهر المعادلة: من الذي منع سقوط لبنان في لحظة الخطر؟ هل هي الدولة التي حاولت إطفاء النار عبر التفاوض تحت القصف، أم أنها معادلة الردع التي أجبرت العدو على التراجع عندما أدرك أن كلفة العدوان لن تُقاس بما يوقعه من أذى بلبنان، بل بما سيرتد عليه من خسائر تفوق قدرته على الاحتمال؟. وهل يمكن فعلاً حماية بلدٍ محاصر بالنار عبر بيانات دبلوماسية ووعود دولية، أم أن الذي فرض التراجع على العدو هو إدراكه أن أي اعتداء واسع على لبنان لن يبقى محصوراً في جغرافيته، بل قد يشعل اشتباكاً إقليمياً مفتوحاً يعيد رسم خرائط القوة من جديد؟.
في هذا السياق، لم يعد لبنان مجرد ساحة مواجهة، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز تتقاطع عندها خطوط الحرب والتفاوض، وإلى العنوان الذي تُختبر عنده حدود الردع وحدود المساومة، حيث لا مجال للحياد بين نارٍ تُدار بالسياسة، ونارٍ تُفرض بالقوة.
أولاً: كيف فرضت المقاومة ملف الجنوب على مسار المفاوضات؟
لم يعد لبنان مجرد ملف جانبي في بازار التفاوض الإقليمي، ولم تعد جبهة الجنوب اللبناني ساحة ضغط عابرة يمكن تجاوزها على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران. فمع الجنون الإسرائيلي المتصاعد، والتهديدات المتكررة للضاحية الجنوبية لبيروت، وما رافقها من اعتداءات ومجازر واستهداف ممنهج للمدنيين، تحول لبنان إلى عقدة الفصل الحقيقية في أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
لقد أرادت إسرائيل، بدعم أمريكي واضح، أن تفرض معادلة جديدة عنوانها إخضاع لبنان بالنار، وانتزاع ما عجزت عن تحقيقه بالحروب السابقة عبر التهديد والتجويع والقتل والتهجير. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الحسابات كانت مختلفة تماماً. فلبنان لم يعد في الوعي الاستراتيجي لمحور المقاومة ساحة منفصلة عن إيران أو فلسطين أو العراق أو اليمن، بل أصبح جزءاً من جبهة واحدة تتشارك المصير والمواجهة والهدف.
من هنا جاءت الرسائل الإيرانية الواضحة بأن وقف العدوان على لبنان لم يعد بنداً ثانوياً أو تفصيلاً يمكن تأجيله، بل أصبح شرطاً أساسياً وأولوية متقدمة في أي تفاهم إقليمي أو دولي. فحين تُهدَّد الضاحية الجنوبية، ويُستهدف الجنوب اللبناني، وتُسفك دماء الأطفال والنساء والشيوخ، فإن القضية لا تتعلق بحدود جغرافية ضيقة، بل بمواجهة مفتوحة مع مشروع يسعى إلى كسر إرادة المقاومة في المنطقة بأسرها.
إن التهديدات التي صدرت من قادة إيرانيين ومن شخصيات بارزة في مؤسسات الدولة الإيرانية لم تكن مجرد مواقف إعلامية، بل تعبيراً عن قناعة راسخة بأن أمن لبنان جزء من أمن إيران، وأن المساس بالمقاومة في لبنان يستهدف مباشرة محوراً كاملاً بامتداداته الإقليمية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن ترتفع الأصوات المحذرة من أن استمرار العدوان قد ينسف مسار التفاوض برمته، وأن العودة إلى منطق المواجهة ستصبح خياراً مطروحاً إذا أصر الاحتلال على سياسة النار والدمار.
وما يؤكد هذه الحقيقة هو المشهد الشعبي الإيراني نفسه. فمنذ اندلاع المواجهات لم تخلُ الساحات الإيرانية من مظاهر الدعم للبنان والمقاومة. ارتفعت الأعلام اللبنانية إلى جانب الأعلام الفلسطينية والإيرانية، وتعالت الهتافات التي تؤكد وحدة الساحات ووحدة المصير. في ميادين الصمود كان المشهد واضحاً: شعب يعتبر أن بيروت ليست بعيدة عنه، وأن الجنوب اللبناني ليس قضية تخص اللبنانيين وحدهم، بل جبهة متقدمة في مواجهة المشروع الصهيوني.
سياسياً، لم ينقطع التواصل بين طهران وقيادة المجلس النيابي اللبناني برئاسة نبيه بري، في وقت تتسارع فيه التطورات الميدانية والسياسية. وهذا التواصل يعكس إدراكاً مشتركاً لحجم التحديات التي يواجهها لبنان ولخطورة المرحلة الراهنة. في المقابل، تبدو السلطة الرسمية اللبنانية غارقة في رهانات أثبتت الوقائع عجزها، من خلال التمسك بمقاربات تفاوضية تجري تحت القصف والتهديد والقتل اليومي، وكأن المطلوب من اللبنانيين تقديم التنازلات المجانية فيما يستمر الاحتلال في فرض الوقائع بالقوة.
فأي مفاوضات يمكن أن تكون متوازنة بينما تُستهدف القرى الجنوبية ويُهجَّر أهلها وتُراق دماء الأبرياء؟ وأي سلام يمكن أن يولد من تحت أنقاض البيوت المدمرة وأشلاء الأطفال؟ إن التفاوض تحت النار ليس طريقاً إلى العدالة، بل محاولة لفرض شروط المنتصر على شعب يرفض الاستسلام.
لقد أثبتت الأحداث أن المقاومة لم تكن يوماً عبئاً على لبنان، بل كانت السّد الذي منع سقوطه الكامل أمام مشاريع الهيمنة. واليوم، فيما يحاول الاحتلال ومعه الإدارة الأمريكية طمس أثر شريحة كاملة من أبناء الجنوب وكسر بيئة المقاومة وإخضاعها، يتأكد مرة أخرى أن خيار الصمود هو الخيار الوحيد القادر على حماية الكرامة الوطنية والحقوق المشروعة.
إن لبنان اليوم ليس مجرد بند على جدول أعمال المفاوضين. إنه معيار نجاح أو فشل أي تسوية مقبلة. فمن الجنوب اللبناني تمر خطوط التماس بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة والإخضاع من جهة، ومشروع المقاومة والتحرر من جهة أخرى. ولهذا أصبح وقف العدوان على لبنان المدخل الطبيعي لأي استقرار حقيقي، وأصبح الجنوب اللبناني عقدة الفصل التي تحدد مستقبل المنطقة بأسرها.
فشتان بين من يفاوض تحت ضغط المجازر أملاً برضا واشنطن، وبين من يتمسك بحقوق شعبه مهما بلغت التضحيات. وشتان بين من يرى في المقاومة عبئاً يجب التخلص منه، ومن يدرك أنها كانت وما زالت خط الدفاع الأول عن لبنان وسيادته وكرامة أبنائه.
ثانياً: لبنان… عقدة الحرب الإقليمية
وتشير المعطيات المتداولة في أوساط محور المقاومة إلى أن التهديد الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن حدثاً عابراً، بل شكل نقطة تحول إقليمية دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة. فبحسب هذه التقديرات، فإن أي عدوان واسع على بيروت كان سيؤدي إلى تحرك متزامن لأكثر من جبهة في المنطقة، من اليمن إلى العراق وصولاً إلى إيران، بما يهدد بتوسيع دائرة الاشتباك من حدود لبنان إلى الممرات البحرية الاستراتيجية وفي مقدمتها باب المندب ومضيق هرمز، مع ما يرافق ذلك من تداعيات خطيرة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي.
وتؤكد هذه القراءة أن التراجع الإسرائيلي عن تنفيذ ضربة واسعة ضد الضاحية لم يكن نتاج اعتبارات إنسانية أو ضغوط دبلوماسية فحسب، بل جاء نتيجة إدراك حجم الردود المحتملة وما قد يترتب عليها من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة. كما أن الرسائل الإيرانية التي نُقلت عبر قنوات متعددة حملت تحذيرات واضحة من أن استمرار التصعيد ضد لبنان قد يدفع إلى تجميد مسارات التفاوض القائمة والعودة إلى منطق المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي هذا السياق، برز لبنان بوصفه أحد الملفات الأساسية المرتبطة بمستقبل المفاوضات الإيرانية الأمريكية، بعدما ربطت طهران بين أي تقدم سياسي وبين وقف العدوان على لبنان، معتبرة أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يقوض أي إمكانية لبناء تفاهمات مستقرة في المنطقة. وتشير المعطيات إلى أن الانقطاع أو التباطؤ في قنوات التواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران تزامن مع تصاعد التهديدات ضد لبنان، ما عزز الانطباع بأن الملف اللبناني بات حاضراً بقوة على طاولة التفاوض الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، تتحدث أوساط المقاومة عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين مكونات محور المقاومة، انطلاقاً من اعتبار أن ما يجري في الجنوب اللبناني لا يستهدف لبنان وحده، بل يشكل حلقة في مشروع أوسع يرمي إلى تفكيك قوى المقاومة الواحدة تلو الأخرى. ومن هنا تتكرر التأكيدات بأن المعركة واحدة والجبهات مترابطة، وأن أي محاولة لإخراج لبنان من معادلة الردع أو فرض الاستسلام عليه ستقابل بردود تتجاوز الحدود اللبنانية.
كما تؤكد هذه الأوساط أن الدعم الإيراني للبنان لا يقتصر على المستوى السياسي أو الدبلوماسي، بل يستند إلى قناعة راسخة داخل المؤسسات الإيرانية وشرائح واسعة من الرأي العام بأن لبنان يمثل خطاً متقدماً في مواجهة المشروع الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك في الحشود الشعبية والتظاهرات والفعاليات التي شهدتها المدن الإيرانية دعماً للبنان، حيث ارتفعت الهتافات المؤيدة للمقاومة والداعية إلى عدم التخلي عن الشعب اللبناني في مواجهة العدوان.
وفي المقابل، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى النهج الرسمي اللبناني القائم على الرهان على الضغوط الأمريكية والضمانات الغربية، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية واعتداءاتها على الجنوب اللبناني. ويرى أصحاب هذا التوجه أن التفاوض تحت القصف والتهديد لا يؤدي إلى تسويات عادلة، بل يمنح الاحتلال فرصة لفرض شروطه السياسية والأمنية على لبنان.
أما فيما يتعلق بسلاح المقاومة، فتؤكد المعطيات أن الضغوط العسكرية الإسرائيلية لم تؤدِ إلى إضعاف القناعة بضرورة التمسك بعناصر القوة والردع، بل عزّزت الاعتقاد بأن أي تخلٍّ عن هذه القدرة الدفاعية سيجعل لبنان مكشوفاً أمام الاعتداءات والاحتلال. كما تتقاطع معظم التقديرات مع أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى معالجة ملفات أمنية آنية، بل تعمل على إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بما يخدم مشاريعها التوسعية طويلة المدى.
وعليه، لم يعد لبنان مجرد ساحة مواجهة حدودية، بل تحول إلى محور ارتكاز في الصراع الإقليمي، وإلى عقدة مركزية تتقاطع عندها حسابات الحرب والتفاوض. فبينما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تتمسك قوى المقاومة بمعادلة مفادها أن أمن لبنان وسيادته ليسا موضع مساومة، وأن أي تسوية لا تبدأ بوقف العدوان وإنهاء سياسة الإملاءات ستبقى عاجزة عن إنتاج استقرار حقيقي في المنطقة.
في خاتمة المشهد، يظل السؤال مفتوحاً على احتمالات أكثر خطورة واتساعاً: هل تمضي هذه المواجهة إلى حدودها القصوى لتتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة، تمتد من لبنان إلى اليمن، وقد تصل إلى إغلاق باب المندب بما يحمله ذلك من تداعيات على شرايين الاقتصاد العالمي واستقرار التجارة الدولية؟ أم أن واشنطن ستختار في لحظة ما كبح مسار التصعيد، والخروج من تحت ضغط الحسابات الإسرائيلية، نحو تهدئة مدروسة وإبرام تفاهم يعيد ضبط الإيقاع الإقليمي، حتى لو جاء ذلك على حساب ترك تل أبيب في مواجهة تداعيات خياراتها وحدها؟
بين هذين المسارين، يتحدد مستقبل المرحلة المقبلة، إما نحو توسع غير مسبوق في رقعة الاشتباك، أو نحو تسوية قسرية تُعيد توزيع الأدوار وتبدل خرائط التحالف والخصومة في المنطقة بأسرها.
