دوليات

حلفاء واشنطن قلقون: الحرب على إيران كشفت محدودية القوة الأمريكية

بقلم ابتسام الشامي

الحرب على إيران فشل استراتيجي لأمريكا

عشية دخول وقف إطلاق النار المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية شهره الثاني من دون تحقيق خرق دبلوماسي على طاولة التفاوض في إسلام أباد، تحصي واشنطن المزيد من الخسائر المترتبة على هزيمتها العسكرية أمام طهران، وفشلها في إخضاعها سياسياً عبر بوابة المفاوضات. وإذا كانت الإدارة الأمريكية بشخص رئيسها وأعضاء حكومته يحاولون التعمية على الحقيقة بمواقف وتصريحات منفصلة عن واقع الميدان العسكري وكذلك السياسي، فإن ما ينشر في الإعلام الأمريكي كفيل بدحض تلك الادعاءات التي يترتب عليها تأثيرات مباشرة في نظرة حلفاء الولايات المتحدة إلى العلاقة معها. في هذا السياق، تؤكد مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، أن “الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران ستكون ذات طابع مختلف تماما عن سابقاتها – في إشارة إلى حربي أفغانستان والعراق -، ولن يمكن إصلاحها أو تجاهلها” مشيرة إلى أنه “لن تكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائماً من قَبل، ولن يكون هناك انتصار أمريكي نهائي من شأنه أن يلغي الضرر الذي حدث”. وفي تبيانها حجم الضرر، توضح المجلة أن مضيق هرمز لن يعود “مفتوحاً كما كان في السابق. لا بل بفضل سيطرتها على المضيق، تبرز إيران باعتبارها اللاعب الرئيس في المنطقة وأحد اللاعبين الأساسيين في العالم، فيما تعزّزت أدوار الصين وروسيا، باعتبارهما حليفتَين لها، في مقابل تراجع دور الولايات المتحدة بشكل كبير”.

والمسألة الخطيرة في تقدير المجلة الأمريكية بالنسبة لإمساك الجمهورية الإسلامية بزمام مضيق هرمز لا تنحصر بالبعد الاقتصادي على أهميته، وإنما في البعد السياسي، مشيرة إلى أن نتائج الحرب كشفت أن “أمريكا غير موثوقة وغير قادرة على إنهاء ما بدأته” وهو ما يدفع حلفاءها إلى التكيف مع هذا المعطى الجديد. والتكيف المقصود هنا لا يعني سوى إعادة تقييم العلاقة معها، وهذا ما هو مطروح على طاولة البحث في دول الخليج، وكذلك في الدول الآسيوية.

العلاقات الأمريكية الخليجية

على مدار عقود العلاقة التي ربطت دول الخليج بالولايات المتحدة الأمريكية، تجلى البعد الأمني في صلبها، من خلال معادلة تقوم على توفير واشنطن حماية للممالك والعروش الحاكمة مقابل “ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتأمين تدفق إمدادات النفط والغاز، إلى جانب تحقيق مصالحها الاقتصادية المتمثلة في الصفقات الضخمة لشراء الأسلحة، إضافة إلى دعم استراتيجيتها الجيوسياسية لاحتواء القوى الإقليمية في المنطقة” وفق الباحث السياسي السعودي المعارض الدكتور حمزة الحسن. وتلزم هذه المعادلة بمعناها العملي دول الخليج بدفع “خوة” للولايات المتحدة مقابل حمايتها، وهو ما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجاً في التعبير عنه في جولاته في دول الخليج. لكن البنية العسكرية الضخمة التي أنشأتها واشنطن في دول الخليج ضمن المعادلة المذكورة بما في ذلك القواعد العسكرية المزودة بأحدث الأسلحة الهجومية والدفاعية والأنظمة التكنولوجية العسكرية إضافة إلى آلاف الجنود الأمريكيين المنتشرين فيها، تحولت في الحرب على إيران إلى منصة هجومية بما وضعها في دائرة الرد الإيراني القوي. وبهذا المعنى فإن الحرب التي ادعت عواصم الخليج “براءتها” من التخطيط أو المشاركة فيها، هزت استقراراها الأمني وأدخلت منظومتها الاقتصادية المتمحورة حول استخراج النفط وتصديره، في دائرة الخطر. وبمعنى آخر فإن الأنظمة الخليجية التي نامت على حرير الحماية الأمريكية ردحاً من الزمن صحت على فقدان المظلة الأمنية، ومن الطبيعي في مثل هذه الحال أن تستدرك وضعها، وتعيد بشكل طارئ دراسة خياراتها.

إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن

في هذا الإطار، تفيد مجلة “فورين بوليسي”، بتداول المسؤولين الخليجيين في السر “استنتاجاً غير مريح، يتجنبونه في تصريحاتهم العلنية”، مفاده أن إيران، على الرغم من كل ما لحق بها جراء الحرب، لم تخسرها بالمعنى الاستراتيجي، بل كشفت، بأقسى الطرق الممكنة عن حدود الردع الأمريكي في منطقة الخليج. يأتي ذلك وسط الكثير من الأسئلة المطروحة عن الإنفاق الكبير على التسلح من أجل الحماية من دون أن يكون فعالاً مقارنة بالاستراتيجية الإيرانية القائمة على الصناعة الذاتية لوسائل الدفاع، التي وفرت للجمهورية الإسلامية الرد على العدوان بقوة أفشلت أهدافه.

بناءً على تقدير نتيجة الحرب في العواصم الخليجية، فإنها بحسب فورين بوليسي، قد تتخذ مسافة أكبر من السياسات الخارجية الأمريكية مستقبلاً، مع احتمال فرضها شروطاً أكثر صرامة بكثير من ذي قبل على الطلبات المستقبلية من جانب واشنطن للحصول على حقوق التحليق، أو الوصول إلى القواعد، أو التغطية الدبلوماسية للعمليات العسكرية من على أراضيها.

ولن يقتصر الأمر على ذلك بالنسبة للمجلة الأمريكية التي ترجح توجه الدول الخليجية نحو بناء علاقات تجارية قوية مع الصين، والحفاظ على قنوات اتصال خلفية مع روسيا.

وهو ما توقعه أيضاً موقع “آسيا تايمز” الصيني، الذي أوضح بأن “الحرب الإيرانية أحدثت صدمة عميقة ومنهجية للخليج”، مشيراً إلى أنه “على مدى عقود من الزمن، ازدهر النموذج الاقتصادي في الخليج على أساس تصور الاستقرار، الذي عززته عوامل من مثل الإعفاءات الضريبية، والأنظمة التنظيمية المرنة، والنظام البيئي الديناميكي والمتنوع للشركات الناشئة”.

ويعتبر الموقع ذاته أن الدول الخليجية دخلت “مرحلة مؤلمة من إعادة التقييم الاستراتيجي لموثوقية الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني، في وقت لم يعُد التطلع فيه إلى الشرق خيارا معقولا، وإنما ضرورياً من أجل البقاء”.

خاتمة

ليست دول الخليج استثناء في إعادة تقييم علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية، فعلى ضوء نتائج الحرب على إيران تبحث الدول الآسيوية هي الأخرى مستقبل شراكاتها مع واشنطن، يظللها القلق والخوف من تركها تواجه الصين منفردة، إذا ما اقتضت حاجة أمريكا إلى الأخيرة للمساعدة في طي صفحة الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *