تعاظم الانخراط الأوكراني في الشرق الأوسط.. كيف تعزز أربع سنوات من الخبرة الأوكرانية في ساحة المعركة انخراط كييف في الشرق الأوسط – وما هي الاستنتاجات المطلوبة في إسرائيل؟
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
في الآونة الأخيرة، أصبحت أوكرانيا لاعباً أكثر بروزاً وحزماً في الشرق الأوسط. ولا يعني هذا التوجه أن كييف باتت قوة مهيمنة أو مُشكِّلة للنظام الإقليمي، لكنه يدل على أن دورها لم يعد يقتصر على البحث عن المساعدة والتضامن السياسي.
وعلى خلفية الحرب مع إيران، تعرض أوكرانيا على دول المنطقة خبرة عملياتية عملية وفريدة في مواجهة التهديدات الجوية الروسية – الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تزيد كييف من ضغوطها على المصالح الروسية في مجال اللوجستيات البحرية، بما في ذلك في منطقة البحر المتوسط وبالقرب من إسرائيل. لذلك، أصبحت القضية الأوكرانية جزءاً من أجندة الشرق الأوسط أيضاً على المستوى العملياتي، ويتعين على إسرائيل أخذ ذلك في الاعتبار: تقليل الاحتكاكات غير الضرورية والاستفادة القصوى من الخبرة الأوكرانية في المجالات ذات الصلة بها.
الارتباط الروسي – الإيراني:
لماذا أصبحت الخبرة الأوكرانية مورداً إقليمياً؟
ليست أوكرانيا لاعباً جديداً تماماً في الشرق الأوسط. فقد كانت حاضرة في المنطقة خلال حربها مع روسيا، على الأقل باعتبارها طرفاً في مفاوضات استضافتها دول المنطقة. لكن التغير في موازين القوى خلال الحرب، ولا سيما اندلاع المواجهة مع إيران التي أضرّت بالتوازن الأمني في الخليج العربي، وسّع نطاق الأدوات المتاحة لأوكرانيا وحوّلها إلى لاعب أكثر مبادرة وتأثيراً في الشرق الأوسط.
خلال سنوات العدوان الروسي، اكتسبت أوكرانيا خبرة قتالية تحت النيران، استندت جزئياً إلى التعامل مع تقنيات إيرانية، مثل طائرات “شاهد” المسيّرة التي زودت بها طهران روسيا. وعلى مر السنين، طوّر الروس هذه التقنيات، وحسّنوا الحلول العملياتية المرتبطة بها، ثم أعادوا هذه التحسينات إلى إيران. ووفقاً للنتائج الميدانية، فإن الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج خلال شهري مارس وأبريل، والتي استندت بدرجة كبيرة إلى هذه التحسينات، كشفت عن فجوات تتعلق بالكلفة والوتيرة والاستنزاف في منظومات الدفاع لدى تلك الدول.
ويبدو أن الدعم الروسي لإيران شمل تطوير أنظمة الاتصالات والملاحة والدقة في طائرات “شاهد” المسيّرة، وتقديم استشارات تكتيكية بشأن تشغيل أسراب الطائرات المسيّرة، وارتفاعات التحليق، وتوقيت موجات الهجوم، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية لتوجيه الضربات، وربما أيضاً طائرات FPV المسيّرة الموجهة بالألياف البصرية. ورغم أن هذه الأخيرة لم تُرصد في إيران، فإن حزب الله بدأ باستخدام تقنية مماثلة ضد إسرائيل. كما يبدو أن أسلوب الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة استلهم، جزئياً، من التكتيكات الروسية المستخدمة ضد أوكرانيا.
وبالنسبة إلى كييف، تمثل هذه التطورات نقطة الدخول إلى الشرق الأوسط. فأوكرانيا تعرف هذه التهديدات عن قرب، وواجهت هجمات تضم مئات الطائرات المسيّرة يومياً، وطورت ليس فقط وسائل تكنولوجية، بل أيضاً منهجية تكيف عملياتية شاملة تجمع بين الوسائل والتكتيكات المختلفة. وهذه الحزمة من الخبرات تستطيع أوكرانيا الآن عرضها على دول الخليج وغيرها من الأطراف المناهضة لإيران. كما أن موقف الولايات المتحدة في هذا السياق يثير الاهتمام؛ ففي حين استبعد الرئيس ترامب في مطلع مارس أي حاجة إلى المساعدة الأوكرانية في مواجهة التهديدات الجوية، تعمل وزارة الخارجية والبنتاغون على دفع اتفاق مع كييف يضمن الإنتاج المشترك وتصدير التقنيات الأوكرانية إلى الولايات المتحدة.
ومن الجوانب الأخرى لاهتمام أوكرانيا بالأزمة مع إيران بحر قزوين، الذي يشكل حلقة الوصل بين روسيا وإيران ويُستخدم للنقل والالتفاف على العقوبات وتوريد الأسلحة. وقد عملت أوكرانيا سابقاً ضد هذا الممر، وحتى إن لم تُربط الضربات الإسرائيلية في منطقة بندر أنزلي على ساحل بحر قزوين في مارس 2026 بأوكرانيا، فإنها ساهمت بلا شك في تحقيق المصلحة الأوكرانية المتمثلة في تعطيل المحور الروسي-الإيراني العامل في الاتجاهين.
كما تفضل أوكرانيا عودة الاستقرار إلى الخليج في أسرع وقت ممكن. فتبعات الحرب – من ارتفاع أسعار النفط الذي تستفيد منه روسيا، وتعليق العقوبات الأمريكية عليه للمرة الثالثة على التوالي، والاستنزاف المتسارع لصواريخ الاعتراض الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية (وهو مورد تتنافس عليه كييف مع دول الخليج) – تضر بأوكرانيا وتدفعها إلى العمل في اتجاهين: الأول يستهدف قدرات روسيا على تصدير النفط، والثاني يركز على التعاون مع دول الخليج لتحسين أداء منظوماتها الدفاعية الجوية (كما سيُذكر لاحقاً).
دول الخليج والأردن: من الوساطة إلى استهلاك الأمن الأوكراني
قبل المواجهة الحالية مع إيران، كان الدور الرئيسي لدول الخليج بالنسبة إلى أوكرانيا يقتصر على الوساطة الدبلوماسية التي وفرتها لها. فقد شاركت السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في الاتصالات الإنسانية، وعمليات تبادل الأسرى، وقنوات التواصل بين كييف وموسكو، وكانت من أكثر الأطراف فاعلية في هذا المجال. لكن منذ بدء الهجمات الإيرانية ضدها، تغيّر الوضع. ففي غضون أسابيع قليلة فقط، تحولت هذه الدول إلى مستهلكين مهمين للخدمات والخبرات الأمنية التي تقدمها أوكرانيا.
تم إرسال المساعدة الأوكرانية الأولية إلى تلك الدول خلال أقل من أسبوعين من اندلاع الحرب. فقد أوفدت كييف إلى قطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية أكثر من 200 خبير في مجال الدفاع الجوي، كما نشرت خبراء في قاعدة أمريكية بالأردن. ووفقاً للتقارير، تركزت مهمتهم على نقل الخبرة العملياتية، بما في ذلك أساليب الاعتراض منخفضة الكلفة (باستخدام المدفعية الخفيفة والطائرات المسيّرة الاعتراضية)، والحرب الإلكترونية، والمجموعات المتنقلة، والدفاع متعدد الطبقات.
ويجدر التأكيد على أن أوكرانيا لا تمثل الحل الوحيد. فدول الخليج لا تزال تعتمد أيضاً على الولايات المتحدة وباكستان وتركيا والصين وعلى صناعاتها المحلية. غير أن ميزة كييف تكمن في مجال متخصص لكنه مهم، وهو امتلاك خبرة حديثة ومتاحة في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة واسعة النطاق.
وفي نهاية مارس 2026، وعلى خلفية الهجمات الإيرانية المتواصلة، زار الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والأردن. وفي أعقاب هذه اللقاءات، أُعلن عن تفاهمات للتعاون لمدة عشر سنوات بين أوكرانيا وكل من السعودية وقطر والإمارات في مجالات الأمن والدفاع. ويبدو أن هناك دولاً أخرى مهتمة بالانضمام إلى هذا المسار. ويعود ذلك إلى أن أوكرانيا تعرض مجموعة ملموسة من القدرات تشمل الطائرات المسيّرة الاعتراضية، والحرب الإلكترونية، وأجهزة الاستشعار، والرادارات، وأنظمة البرمجيات الخاصة بإدارة الدفاع الجوي، إضافة إلى الخبرة العملياتية التي يمتلكها الخبراء المنتشرون ميدانياً، والذين يشاركون بالفعل، وفقاً لتصريحات زيلينسكي، في اعتراض التهديدات الجوية. وباستثناء عدد محدود من المشاريع الأوروبية المتخصصة، يُعد هذا التعاون مع دول الخليج أول مثال بارز على كيفية توظيف أوكرانيا لإمكاناتها العسكرية والتكنولوجية الجديدة كمورّد لحلول الدفاع.
كما أن مصالح أوكرانيا واضحة. فمقابل شراء الطائرات المسيّرة الاعتراضية الأوكرانية، والحصول على التدريب وتحسين أداء منظومات الدفاع الجوي، تُدرس إمكانيات نقل مكونات دفاع جوي قديمة أو فائضة إلى أوكرانيا، إضافة إلى الاستثمارات والإنتاج الدفاعي المشترك والشراكات التكنولوجية. وهناك مساهمة أخرى تتمثل في التفاهمات المتعلقة بتزويد أوكرانيا بوقود الديزل من دول الخليج لمدة عام، بما يصل إلى 700 ألف لتر شهرياً، وهو ما يبدو أنه بدأ بالفعل بالتنفيذ.
تركيا وسوريا: قناة للوصول إلى التشكيلة السورية الجديدة
تُظهر زيارة زيلينسكي في أبريل إلى تركيا وسوريا، ضمن سلسلة لقاءاته في المنطقة، أن سياسة أوكرانيا الشرق أوسطية لا تُبنى فقط عبر الملكيات العربية. فقد شكلت تركيا منذ فترة طويلة قناة إقليمية مستقلة بالنسبة إلى كييف؛ إذ زودتها بالأسلحة، وشاركت في لوجستيات التصدير البحري خلال فترة الهيمنة الروسية على البحر الأسود في السنوات الأولى من الحرب، كما استضافت مفاوضات مباشرة بين أوكرانيا وروسيا. وبعد سقوط نظام الأسد، ساعدت الورقة التركية أوكرانيا أيضاً على إرساء اتصالات رسمية مع النظام الجديد في دمشق. وبهذا المعنى، لا تمثل تركيا مجرد شريك إقليمي لأوكرانيا، بل أيضاً آلية للوصول إلى ساحات لا يزال نفوذ كييف المستقل فيها محدوداً.
وفي الساحة السورية، حافظت أوكرانيا على اتصالات مع جهات معارضة للأسد حتى قبل تغيير السلطة في البلاد. فقد قدمت الاستخبارات الأوكرانية دعماً بالطائرات المسيّرة لهيئة تحرير الشام في إدلب منذ عام 2024، كما أفادت مصادر أوكرانية بوجود تعاون بين وحدات أوكرانية وقوات معارضة ضد أهداف روسية في سوريا خلال الأشهر التي سبقت سقوط النظام. وبعد سقوط الأسد، بدأت أوكرانيا بإضفاء طابع رسمي على هذه القناة؛ إذ زار وزير الخارجية الأوكراني دمشق بالفعل في أواخر ديسمبر 2024. وفي أبريل 2026، كما ذُكر، ارتقت الاتصالات إلى مستوى القادة، حيث وصل زيلينسكي إلى دمشق بعد لقائه الرئيس التركي أردوغان في إسطنبول، والتقى نظيره أحمد الشرع.
وبالنسبة إلى كييف، تمثل سوريا ساحة مهمة لأن النفوذ الروسي السابق فيها أصبح أقل استقراراً، ولأن القيادة الجديدة تحتاج إلى شركاء وإلى الغذاء وإعادة الإعمار والمنظومات الأمنية. ومع ذلك، لا يزال التأثير الأوكراني محدوداً، إذ إن الإدارة السورية الجديدة تحتفظ أيضاً بعلاقات مع موسكو، بينما تواصل روسيا البحث عن وسائل للحفاظ على دور متبقٍ لها في البلاد، بما في ذلك ما يتعلق بالمنشآت العسكرية. لذلك، لا يزال المسار الأوكراني في سوريا غير راسخ بما يكفي، وسيتطلب مزيداً من الاستثمار والجهد.
تعزيز قدرات استهداف اللوجستيات البحرية الروسية
بالتوازي مع الدبلوماسية وتقديم المشورة الأمنية في الشرق الأوسط، تزيد أوكرانيا من ضغوطها على المصالح التجارية والطاقة الروسية في مناطق بعيدة، بما في ذلك منطقة البحر المتوسط. ويتمثل ذلك في محاولة منهجية لاستهداف المسارات التي تحصل موسكو من خلالها على الإيرادات، وتلتف عبرها على العقوبات، وتحافظ بواسطتها على نفوذها، سواء من خلال السفن أو إخفاء مصادر الشحنات أو البنية التحتية لـ “أسطول الظل”. ويُنفذ هذا الجهد عبر مسارين متكاملين: استهداف مباشر للأصول الروسية (السفن)، وضغوط دبلوماسية وقانونية على الدول الثالثة والموانئ والمستوردين المشاركين في هذه الشبكات التجارية.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت منطقة البحر المتوسط عدة أحداث تشير إلى اتساع نطاق العمل الحركي الأوكراني. ففي ديسمبر 2025، تعرضت ناقلة النفط Qendil لأضرار جنوب جزيرة كريت، وفي مارس 2026 تعرضت ناقلة الغاز Arctic Metagaz لأضرار بالقرب من ليبيا (وكلاهما مرتبط بما يُعرف بـ “أسطول الظل” الروسي). وفي مايو 2026، أعلنت السلطات اليونانية العثور على مركبة بحرية غير مأهولة من صنع أوكراني كانت تحمل مواد متفجرة. ولا تكمن أهمية هذه الأحداث في عددها فحسب، بل في تغير نمطها أيضاً؛ فإلى جانب عمليات التخريب التي كانت تبدو سابقاً وكأنها نُفذت بواسطة عبوات لاصقة تم تثبيتها مسبقاً على هياكل السفن، يظهر الآن احتمال استخدام مركبات بحرية غير مأهولة. ويتطلب هذا النمط وجود نقطة إطلاق واتصالات وصيانة ومرافقة عملياتية أقرب إلى مسرح العمليات.
ولا تشير هذه الأحداث بالضرورة إلى وجود أمني أوكراني رسمي في دولة معينة بالمنطقة. ومع ذلك، فإن تكرار النشاط ضمن مساحة جغرافية واسعة كهذه قد يدل، مع مراعاة الحذر اللازم، على وجود بنية دعم دنيا، وعلى احتمال أن تكون كييف بصدد إنشاء قنوات عمل مع جهات محلية في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.
ولا تستند هذه الفرضية إلى المنطق العملياتي فقط. فمنذ عام 2022، أظهرت أوكرانيا استعداداً لاستهداف المصالح الروسية حتى خارج ساحة الحرب المباشرة، وغالباً في بيئات نزاع تضم أطرافاً محلية تقاتل جهات موالية لروسيا. ففي السودان، على سبيل المثال، عمل الأوكرانيون إلى جانب القوات المسلحة الرسمية ضد جهات مرتبطة بمجموعة فاغنر الداعمة لقوات الدعم السريع؛ وفي سوريا، كما ذُكر، قدمت كييف الدعم لهيئة تحرير الشام في إدلب؛ أما في ليبيا، وهي الساحة الأهم لفهم النشاط في البحر المتوسط، فقد أفادت مصادر محلية بأن قوات أوكرانية عملت في غرب البلاد، وأن الهجوم على ناقلة Arctic Metagaz في 3 مارس انطلق من منشأة عسكرية في طرابلس. ولا تثبت هذه الادعاءات وجود قاعدة أوكرانية رسمية أو تعاوناً حكومياً معلناً من جانب دولة محلية، لكنها تعزز التقدير القائل إن كييف تعمل على بناء أو اختبار قنوات تعاون مع أطراف محلية في المنطقة لاستهداف الأصول الروسية.
الصلة الأوكرانية بإسرائيل: الطائرات المسيّرة والحبوب والعامل الروسي
حتى الآن، لم تُبدِ إسرائيل اهتماماً يُذكر بتزايد الانخراط الأوكراني في المنطقة، على الرغم من أن الفرص المحتملة (في مجال التعلم العملياتي والاستفادة السياسية) والمخاطر المحتملة (الناجمة عن استمرار الاستيراد الإشكالي من روسيا) تستدعي تخصيص اهتمام أكبر لهذه القضية.
إن عدم إدراج إسرائيل ضمن الجولة الإقليمية للرئيس الأوكراني يبرز في الواقع الفجوة بين تزايد أهمية أوكرانيا وبين ضعف القناة السياسية المباشرة معها. فقد أشار زيلينسكي نفسه، في مقابلة مع وسيلة إعلام إسرائيلية، إلى مشكلة غياب التواصل الفعّال مع القيادة السياسية في القدس، وذكر أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم تتم دعوته إليها. وفي شهر مارس نُشر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أبدى اهتماماً بإجراء محادثة مع الرئيس الأوكراني، إلا أن هذه المحادثة لم تتم في نهاية المطاف.
من الناحية العسكرية، تواجه إسرائيل تهديد طائرات “شاهد” المسيّرة بصورة أفضل من دول الخليج، وتمتلك منظومة دفاع جوي أكثر تطوراً. لكن أهمية التعاون مع أوكرانيا لا تقتصر على مواجهة هذا النوع من الطائرات المسيّرة فقط.
فلدى إسرائيل ما يمكن أن تتعلمه في المجالات التي تتغير فيها البيئة التكتيكية بسرعة. ويُعد لبنان المثال الأبرز على ذلك. فالارتفاع الحاد في استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة التي تُوجَّه بواسطة الألياف البصرية يخلق نوعاً جديداً من التهديد، يتمثل في وسائل لا تعتمد على الاتصالات اللاسلكية، وبالتالي تكون محصنة ضد الحرب الإلكترونية. وقد تطورت هذه التكنولوجيا في الجبهة الروسية الأوكرانية. وفي هذا السياق، يُشار مجدداً إلى التقارير التي تحدثت عن أن روسيا درست، على ما يبدو خلال عملية “زئير الأسد”، نقل آلاف الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف البصرية إلى إيران وتدريب مشغليها. وعلى الرغم من عدم وجود دليل على تنفيذ هذه الخطة أو وصول هذه الطائرات إلى حزب الله، فإن مجرد وجود مثل هذه التقارير يبرز الترابط بين ساحات الصراع المختلفة. ولذلك، فإن خبرة أوكرانيا، التي تطور هذه الأنظمة وتتعامل معها يومياً، قد تكون ذات فائدة كبيرة لإسرائيل في مجالات الكشف والحماية المادية والتعامل مع الألياف البصرية والتدريب السريع للوحدات.
ومع ذلك، ظلت الاتصالات الأمنية بين إسرائيل وأوكرانيا منذ عام 2022 محدودة. فهناك أمثلة معروفة على تزويد كييف ببعض الأنظمة، على الأقل في مجالي الكشف والحرب الإلكترونية، لكن توجد أدلة قليلة جداً على وجود تعاون مؤسسي بين الشركات الأمنية في البلدين. وحتى الآن، لم يُرصد أي جهد إسرائيلي نشط للاستفادة من الخبرة الأوكرانية لأغراض التعلم، على غرار ما قامت به دول الخليج.
في الوقت نفسه، كثفت أوكرانيا جهودها لتطبيق العقوبات على الشحنات الروسية، ليس فقط من خلال العمليات الميدانية، بل أيضاً عبر ضغوط دبلوماسية تهدف إلى منع دخول السفن الروسية إلى الموانئ الأجنبية. وخلال الأشهر الأخيرة وقعت حادثتان علنيتان تتعلقان بإسرائيل حول دخول سفن إلى ميناء حيفا محملة بشحنات من الحبوب المستخرجة، بحسب ادعاءات كييف، من الأراضي الواقعة في شرق أوكرانيا والخاضعة للسيطرة الروسية.
وقعت الحادثة الأولى عندما قامت سفينة تدعى “أبينسك” بتفريغ شحنتها في 15 أبريل على الرغم من طلب أوكرانيا منع ذلك. أما الحادثة الثانية فتعلقت بسفينة تدعى “بانورميتيس”، حيث طلبت أوكرانيا احتجاز السفينة والشحنة لأخذ عينات من الحبوب وفحص الوثائق، إلا أن إسرائيل اعتبرت أن الأدلة المقدمة غير كافية. وفي نهاية المطاف، تبيّن في 30 أبريل أن الشحنة لم تُفرغ في إسرائيل بسبب قرار المستورد، وليس نتيجة قرار سياسي. وفي الوقت نفسه، واصلت وزارة الخارجية الإسرائيلية انتقاد الجانب الأوكراني بسبب ما وصفته بإخفاقات إجرائية في تقديم الطلب.
وقد أثارت هذه الأحداث أيضاً اهتمام الاتحاد الأوروبي، الذي أعرب عن قلقه من احتمال انتهاك إسرائيل للعقوبات المفروضة على روسيا. ومن النتائج الأخرى التي ظهرت في وقت مبكر نشر تحقيق صحفي أشار إلى أن هذه السفن لم تكن على الأرجح الوحيدة التي قامت بتفريغ شحنات روسية مثيرة للجدل في إسرائيل خلال سنوات الحرب في أوكرانيا.
ويجدر التنويه إلى أن أوكرانيا لا تتبع هذا النهج تجاه إسرائيل فقط، بل تجاه دول أخرى في الشرق الأوسط أيضاً. ويعكس هذا الأسلوب تزايد الحزم في الدبلوماسية الأوكرانية؛ فكييف لم تعد تكتفي بطلب الدعم، بل أصبحت تتوقع من شركائها تشديد إجراءات التجارة والتدقيق في الواردات عندما يتعلق الأمر بروسيا. وبالنسبة إلى إسرائيل، تُعد هذه مسألة حساسة؛ فحتى لو لم ترغب القدس في جعل القضية الأوكرانية محوراً رئيسياً، فإن الضغوط تدفعها إلى الرد واتخاذ قرارات. ويحدث ذلك في وقت يتعين عليها فيه مراعاة ثلاثة عوامل: المطالب الأوكرانية، والانتقادات الأوروبية، والعلاقات مع روسيا.
تقييم السياسة الأوكرانية والتوقعات المستقبلية
تمر السياسة الأوكرانية في الشرق الأوسط بمرحلة انتقالية بين تحقيق اختراق دبلوماسي وبين ترسيخ وجود مؤسسي دائم. فالجهد السياسي واضح من خلال الزيارات إلى دول الخليج، والتفاهمات مع الإمارات والسعودية وقطر، والعلاقة مع الأردن، والحفاظ على قناة اتصال مع سوريا عبر تركيا، وممارسة الضغوط الدبلوماسية على اللوجستيات الروسية. كما أن الجانب العملي حاضر أيضاً، حيث ينتشر خبراء أوكرانيون في دول الخليج لتقديم التدريب في مجال الدفاع الجوي، وتُجرى مباحثات حول التعاون في الإنتاج المشترك وتوريد الوقود والاستثمار في تقنيات الاعتراض. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار الأنشطة المناهضة لروسيا، بما في ذلك العمليات البحرية ضد سفن “أسطول الظل”، على ما يبدو مع توسع متزايد في البنية العملياتية داخل المنطقة.
ويتمثل الإنجاز الرئيسي لأوكرانيا في تغيير موقعها؛ إذ لم تعد مجرد متلقية للمساعدة، بل أصبحت طرفاً فاعلاً يقدم المساعدة ويمارس الضغوط في آن واحد. أما نقطة الضعف الرئيسية في المرحلة الحالية فتتمثل في غياب البنية المؤسسية العميقة واعتمادها على ديناميكيات دولية أوسع. فالاتفاقيات الإطارية لا تزال بعيدة عن أن تكون عقود دفاع كبيرة، وبعثات الخبراء لم تتحول بعد إلى مراكز تدريب دائمة، كما أن النقاشات حول الإنتاج المشترك لم تفضِ بعد إلى خطوط إنتاج متسلسلة. كذلك، ما زالت الأنشطة المناهضة لروسيا وضغوط العقوبات ذات طابع موضعي؛ فهي تفرض تكاليف على موسكو وتسبب حرجاً سياسياً لبعض الدول، لكنها لم تتحول بعد إلى آلية منهجية لتعطيل القدرات التجارية الروسية. وإذا تغيرت الأولويات الإقليمية، أو تم التوصل إلى تسوية أمنية ودبلوماسية مع إيران، أو تدهور الوضع الاقتصادي بما يدفع الدول إلى الاعتماد بصورة أكبر على العرض الروسي، فقد تتآكل بعض أدوات النفوذ الأوكرانية.
وفي المرحلة الحالية، تحتاج أوكرانيا إلى تحقيق إنجاز سريع، خصوصاً مع دول الخليج، من خلال تقديم بيانات واضحة حول نجاح أنظمتها الدفاعية وتوقيع اتفاقيات تعاون ملموسة. وإذا تمكنت من إظهار نتائج عملية خلال بضعة أشهر، فمن المتوقع أن يترسخ موقعها الإقليمي وأن تزداد فعالية ضغوطها على المصالح الروسية. ومع ذلك، لا ينبغي توقع تحول جذري في علاقات دول الخليج أو تركيا مع روسيا؛ إذ من المرجح أن تستمر هذه الدول في سياسة تنويع المخاطر، ومن غير المتوقع أن تتجه إلى تقليص طويل الأمد لعلاقاتها مع موسكو في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الجيو/سياسي.
الاستنتاجات والتوصيات لإسرائيل
ينبغي لإسرائيل أن تتأقلم مع حقيقة أن أوكرانيا أصبحت لاعباً أكثر حضوراً في المجالين السياسي والعملياتي في الشرق الأوسط. فهي ليست بديلاً للشركاء الإقليميين، لكنها مصدر لخبرة فريدة مطلوبة بالفعل في دول الخليج، وقد تكون مفيدة لإسرائيل أيضاً. ولذلك، يتعين على القدس النظر إلى أوكرانيا كشريك في التعلم والتطوير في المجالات التقنية والعملياتية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف البصرية، ووسائل الاعتراض منخفضة الكلفة، وحرب الطائرات المسيّرة، والاستفادة من القدرات البحرية غير المأهولة.
وينبغي بناء هذه العلاقة بحذر، لكن الاستمرار في تجاهل العامل الأوكراني أصبح أقل عقلانية مع مرور الوقت. فسياسة “عدم الرؤية وعدم الانخراط” قد تؤدي إلى ضياع فرص مهمة، مثل تسريع تكيف الوحدات العسكرية مع تهديدات الطائرات المسيّرة، كما قد تفضي إلى أضرار مباشرة إذا نُظر إلى إسرائيل من قبل الدول المؤيدة لأوكرانيا والعقوبات على أنها حلقة ضعيفة في تجارة الشحنات الروسية.
ولا حاجة لتحويل العلاقة مع أوكرانيا إلى شراكة علنية واسعة النطاق؛ إذ يمكن تأطيرها من خلال آليات مغلقة لتبادل المعلومات المهنية، سواء فيما يتعلق بالتعلم من التهديدات غير المأهولة أو بالحوار الفعّال بين المؤسسات الحكومية حول الشحنات ذات المنشأ الروسي التي تثير الإشكالات. وقد أظهرت حالتا “أبينسك” و”بانورميتيس” أن غياب إجراءات واضحة يمكن أن يحول بسرعة حادثة تجارية إلى أزمة سياسية مع أوكرانيا، وربما مع شركاء أوروبيين أيضاً.
إضافة إلى ذلك، ينبغي لإسرائيل متابعة توسع النشاط الأوكراني ضد السفن والأصول الروسية في البحر المتوسط، نظراً لما قد يترتب عليه من آثار جانبية محتملة على طرق الملاحة والتأمين البحري والمصالح التجارية الإسرائيلية، وكذلك لما يوفره من دروس عملياتية ذات صلة بالقوات البحرية.
أما الخلاصة بالنسبة إلى إسرائيل، فينبغي أن تكون براغماتية: الاستفادة من الدروس العملية، وتقليص بؤر الاحتكاك غير الضرورية، والحفاظ على حوار دقيق ومهني وأقل اندفاعاً مع كييف.
معهد أبحاث الأمن القومي – غيورغي بوروسكون (باحث في الشؤون الروسية في معهد دراسات الأمن القومي).
