أول الكلام

كذب الموتُ فالحسين مخلد

بقلم غسان عبد الله

وبمرورِ الأيامِ تتوهَّجُ الذكرى وتزدادُ إشعاعاً في مختلفِ الاتجاهات، وكأن مسافاتِ الزمن عاجزةٌ عن أن تفعلَ فِعلَها الطبيعي المُتعارَف.. فأيَّةُ قدرةٍ هذه التي تستَجمعُ لديها كلَّ عناصرِ النَّقاءِ والبقاء؟!! وأيَّةُ صحراءٍ هذه التي استطاعتْ أنْ تستَوعِبَ سويعاتِ نهارٍ قليلةً لم تتجاوزْ العصرَ لتُحيِيهِ ترانيمَ أبديةً مُتجدِّدةً تنسابُ في عمق الضمائرِ.. كبيرِها وصغيرِها، خاصِّها وعامِّها، مُجْمَلِها ومُفصَّلِها.

إنها الواحةُ التي أناختْ لديها نوقُ الشعراءِ منذُ سنةِ إحدى وستِّين هجرية حتى يومِنا هذا، فما انقَلَبَتْ عنها مكتفية، وكان لكلِّ شاعرٍ بحسَبِ ما أراد أنْ ينْهلَ.. فمنهم مَن اغترَفَ غَرْفَةً بيدِهِ، ومنهم مَنْ عبَّ الرَّواءَ عبَّاً، ومنهم مَنْ انكفأ على وجهِهِ من لُهاث، ومنهم مَنْ آثرَ سنَّةَ الشُّرْبِ من مياهِ البحرِ، وإنْ مع الينابيعِ الرقراقة.

ولم يكتفِ الشعراءُ بما لديهم من ألوانِ الأدبِ وفنونِهِ المعروفةِ مدحاً أو رثاءً أو هجاءً أو حَماسةً أو وصفاً، حتى تبلْورَ فنٌّ خاصٌّ يستجمِعُ المُختَلِفَ وربما أحياناً المُتنافرِ من الفنونِ (في غير كربلاء)، إلا أنه في كربلاء يُلهمُ ملائكةَ الشعرِ بحسَبِ ما تقْدِرُ عليهِ أوعيتُهم… فانبثَقَ أدبٌ حُسيني أو فلنقُلْ كربلائي، أو أدب الطفوف، أو أيةُ تسميةٍ تكون مناسبة.. بيد أنه لا يسعُنا إلا الإذعانُ بأن أدباً آخرَ تجلَّى مُستنْفراً كلَّ عناصرِ الإبداعِ التي تمتلكُ أن تأسُرَ في الأرواحِ شفافيتُها، وفي القلوبِ لوعتُها، وفي العيونِ درُّها، وفي النفوس اتِّقادُها.

وكان لكلِّ شاعرٍ أن يختارَ واحداً أو أكثرَ من مقاصدِ القصيدةِ الحُسينية، وكان أيضاً لكلِّ متلقٍّ أن يتلقَّفَ بمقدارِ ما يُريد، وتعدَّدَتْ أشكالُ المتلقِّين أفراداً وجماعاتٍ وشعوباً وأُمماً.. وشاء الله للقصيدةِ الحُسينيةِ أن تكونَ وسيلةَ الإعلامِ النَّاجعةِ التي تُورثُ قيَمَ عاشوراء وتنثرَ من ترابِ كربلاء على رؤوسِ بني البشر نفَحاتٍ من عاطفةٍ وفكرٍ لو قُدِّرَ للأرضِ أن تبقى أضعافَ ما بقِيَتْ لما أمكنَ استنفاذُ عطائهما.

لقد عبَّرَتْ القصيدةُ الحسينيةُ عن رمزٍ يختلِفُ إليه الباحثون عن قضايا الإنسانِ فهي شعارٌ وهدف.. وسيلةٌ وغاية.. محلُّ جَذْبٍ وانطلاق.. وهل يحلُمُ شعراءُ الإنسان بأكثرَ من هذا الدَّفْقِ الإلهاميِّ؟!.. إنها الرِّقةُ والعنف.. التواضُعُ والكبرياء.. العِبرةُ والعَبْرة.

فتزاحَمَ المُعبِّرون عن الوجدانِ الإنساني على هذه الواحةِ المتَّسعةُ لجميع الواردين.. والمعطيةُ لكلٍ منهم ما يرغبُ فيه، وما ينسجِمُ مع نفسهِ، فما استطاعوا أن يكونوا ساكبي قوافٍ مثلما كانوا راغبين في وصلٍ، ولا استطاعوا أن يكونوا معبِّرينَ عمَّا أخَذوا مثلما كانوا حالمينَ في ازدياد.. لقد أعْجَزَتْهُم كربلاء عن المساهمة التي يرومون، واكتشفوا أنْ لا مناصَ من الإقرارِ بأن المهمَّةَ في غاياتِها القصوى متعذِّرة، فاكتفى كثيرٌ منهم بالدموع يستدرُّونها للبكاء على حالِهِم.. وفازوا.

نعم..  فمجرَّدُ التَّبرُّكِ بالحسين(ع) أضحى الفوزُ عظيماً، فيا ليتنا كنا منهم، يا ليتنا جميعاً نحظى بنُتَفٍ من تلك البركةِ التي تنتزِعُ الأسماءَ من أصحابِها لتُسجَّلَ فيمن خلدوا بخلود الحسين.

في أول الكلام قراءَتُنا السريعةُ ما هي إلا من فؤادٍ يعشقُ الجمالَ، ولكنَّهُ لا يستطيعُ أن يقدِّمَهُ للآخرين.. إنما يحتفظُ بالسِّحرِ في داخِلِهِ.. يستأنِسُ بهِ.. يترنَّحُ من شدَّة الالتياعِ.. ثم يبخلُ من قصورٍ وإنْ اجتهد، تُغريهِ لغةُ الجمالِ الروحيِّ والأنسِ الربَّاني أن يحدِّثَ الآخرين.. ولكنه يجهلُ لغتها ويتعثَّرُ في سلالمها.. شأنه في هذا هو شأنُهُ في كلِّ فنون النَّبوءةِ البشريةِ المسمَّاةِ شعراً، وكان يحلمُ في يومٍ ما أن يكون المبتلَيْنَ بالعشقِ الحسيني، فما أسعَفَتْهُ مهجتُهُ المُستجيبةُ للانشدادِ إلى الأرض.. أرادَ النهوضَ فاثَّاقَلَتْ به كوامِنُ بشريتِهِ.. ولم يدر ماذا يفعل!.

إننا هنا لم نأتِ بشيءٍ جديد، وربما لسنا من أهلِ هذا.. سوى أنها بابٌ نرغبُ في فَتحِهِ، لعلَّ أحداً يلجُ بآهةٍ أو زفرةٍ أو دمعةٍ أو رقَّةِ قلبٍ، فيلحقُ اسمنا فيمن بكى وأبكى..

هل الحسينُ موضعُ رثاء؟.. سؤالٌ طالما يراودُنا كلما طالعنا شعراً يوصَفُ بأنه قيلَ في رثاءِ الحسين(ع)، فلا زالت الكُتُب تحدِّثُنا والخطباءُ يتحفونَ أسماعَنا والحقيقةُ تهزُّنا هزَّاً عنيفاً: أن الحسين لم يمت، بل الشعراءُ أنفسهم، أي أصحابُ الرثاء!.. “كذب الموتُ فالحسينُ مُخلَّدُ“..

نميلُ إلى القول بأن الموتَ كذَّابٌ أشِرٌ.. ولكن من سيعبأ والشعراءُ يقذفون أبياتَهم في وجوهنا كالسهام التي أمطرتْها جحافلُ أميَّة في تلك الظهيرة؟!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *