اتفاق 26 حزيران.. إخراج لبنان من معادلة إيران وتكريس البقاء الإسرائيلي
بقلم زينب عدنان زراقط
إنجاز رئيسا الجمهورية والحكومة اللبنانية اللذين جِيء بهما بأمر أمريكي لتنفيذ مخطط خارجي مُصاغ مسبقاً، اتفاق – إسرائيلي – صيغ تحت النار والدماء، لا مكاسب لبنانية فيه بل تنازلات وتخلٍّ عن بيئة كاملة بشعبها وأرضها وتضحياتها.
هو اتفاق يمنح إسرائيل فقط ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو مكسباً عسكرياً وسياسياً في آنٍ واحد، عبر تثبيت البقاء في مناطق جنوبية من دون ضمانات حقيقية لإعادة الإعمار أو عودة الأهالي، بما يحوّل الواقع الميداني إلى “إنجاز” قابل للتوظيف انتخابياً.
وفي الوقت نفسه، يُقدَّم هذا الترتيب بوصفه اتفاقاً لبنانياً – إسرائيلياً مستقلاً، بما يتيح للولايات المتحدة تسويق ما جرى كتنفيذ للبند الأول من تفاهمها مع إيران، وبالتالي تفادي أي اعتراض محتمل على مسار ذلك التفاهم.
إنَّه اتفاق 26 حزيران الذي لا يمكن فصله عن التجربة اللبنانية السابقة مع اتفاق 17 أيار، ليس من حيث الشكل فحسب، بل من حيث البنية السياسية والوظيفة الأمنية. مع اختلاف بالمصطلحات المستخدمة فقط، حيث يجري استبدال تعبير “إنهاء حالة العداء” بتعبير “إنهاء حالة الحرب”، إلا أن هذا التعديل اللغوي لا يغيّر في جوهر المقاربة التي يقوم عليها الاتفاق، والتي تُفهم باعتبارها إعادة تنظيم للعلاقة الأمنية والسياسية مع إسرائيل وفق صيغة جديدة، تُخفّف من الطابع العلني للتطبيع دون أن تلغي مضمونه الوظيفي.
وبهذا المعنى، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره إعادة إنتاج لتجربة سابقة بصياغة أكثر مرونة، تسمح بتمريره سياسياً، مع الحفاظ على النتائج الأمنية ذاتها التي سعت إليها الاتفاقات السابقة. كما يُفهم الاتفاق ضمن هذا السياق باعتباره يمنح إسرائيل مكسباً سياسياً إضافياً، يتمثل في تخفيف الضغوط الدولية المرتبطة بمسار الحرب، وفتح المجال أمام الحكومة الإسرائيلية لتقديمه للرأي العام الداخلي بوصفه إنجازاً أمنياً وسياسياً يمكن توظيفه في الاستحقاقات الانتخابية.
فإلى أي مدى يمكن فهم اتفاق 26 حزيران كإعادة إنتاج لاتفاق 17 أيار بصيغة جديدة تقوم على تغيير المصطلحات دون تغيير جوهر البنية السياسية – الأمنية، وفي الوقت نفسه كجزء من مقاربة أمريكية – إسرائيلية لإعادة هندسة نتائج التفاهم مع إيران وتفكيك مخرجاته إقليمياً، بما يتيح لإسرائيل تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية داخلية قابلة للتوظيف الانتخابي، وعلى حساب انعكاسات قد تمتد إلى الداخل اللبناني وإعادة تشكيل التوازنات فيه؟.
1- إسرائيل المستفيد المركزي من اتفاق 26 حزيران
تُظهر القراءة السياسية للاتفاق أن المكاسب الإسرائيلية لا تقتصر على البعد العسكري أو الأمني المباشر، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بإعادة إنتاج المكسب السياسي داخلياً، وبشكل خاص إدارة الأزمة التي واجهتها القيادة الإسرائيلية خلال الحرب وما بعدها. ويمكن ترتيب هذه المكاسب ضمن ثلاث دوائر مترابطة:
أولاً، على المستوى الأمني – الميداني، يتيح الاتفاق لإسرائيل تثبيت وقائع على الأرض في المناطق الحدودية، من خلال تكريس مناطق عازلة أو شبه عازلة تقلل من احتمالات الاحتكاك المباشر، وتمنح الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على التحكم بإيقاع التصعيد أو التهدئة. هذا النوع من التثبيت لا يُفهم كإنهاء للوجود العسكري فقط، بل كإعادة تنظيم له بما يخفض الكلفة البشرية والعسكرية ويضمن استمرار السيطرة غير المباشرة على نقاط تعتبرها إسرائيل حساسة استراتيجياً.
ثانياً، على المستوى الاستراتيجي، يوفّر الاتفاق لإسرائيل هامشاً سياسياً للخروج من ضغوط التفاهمات الدولية والإقليمية التي كانت تربط مسار الحرب في لبنان بترتيبات أشمل، خصوصاً تلك المرتبطة بالمسار الأمريكي – الإيراني. فبدل أن تظهر إسرائيل كطرف مُجبر على الانسحاب أو وقف العمليات تحت ضغط خارجي، يجري تقديم الاتفاق كنتاج تفاوض مباشر، ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم بسردية الحرب ونتائجها، ويخفف من أي التزامات إلزامية طويلة الأمد قد تُفرض عليها.
ثالثاً، وهو الأهم، يتمثل المكسب السياسي الداخلي في إعادة توظيف الاتفاق داخل المشهد الإسرائيلي نفسه، ولا سيما فيما يتعلق بوضع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. فالاتفاق يُسهم في تحويل مسار الحرب من ملف مثقل بالانتقادات الداخلية والانقسامات السياسية إلى “إنجاز” يمكن تقديمه للرأي العام بوصفه نتيجة لإدارة ناجحة للمعركة. وبهذا المعنى، يتيح الاتفاق لنتنياهو الخروج جزئياً من حالة الضغط السياسي التي رافقته خلال الحرب، سواء من حيث الاتهامات المتعلقة بإدارة الصراع أو من حيث المخاوف من انعكاساته على الاستقرار السياسي الداخلي.
كما أن هذا التحول يمنح القيادة الإسرائيلية فرصة لإعادة بناء خطاب انتخابي قائم على فكرة تحقيق “أمن مستعاد” و”ردع معزز”، بدل الدخول في مواجهة مباشرة مع نتائج سياسية سلبية قد تضعف موقعها في أي استحقاق انتخابي قادم. وبالتالي، فإن الاتفاق لا يعمل فقط كأداة لضبط الحدود، بل كوسيلة لإعادة صياغة موقع القيادة الإسرائيلية داخلياً، عبر تحويل كلفة الحرب إلى رصيد سياسي قابل للتوظيف في المنافسة الداخلية.
وبهذا التداخل بين الأمني والسياسي، يصبح الاتفاق أداة متعددة الوظائف: فهو يثبت وقائع ميدانية، ويعيد تنظيم العلاقة مع البيئة الإقليمية، وفي الوقت نفسه يُستخدم لإعادة إنتاج الشرعية السياسية للقيادة الإسرائيلية في الداخل، وهو ما يشكل في النهاية أحد أهم أبعاده غير المعلنة.
2- المكاسب الأمريكية – الإسرائيلية من اتفاق 26 حزيران
يُنظر إلى اتفاق 26 حزيران بوصفه جزءاً من مقاربة أمريكية – إسرائيلية مشتركة تهدف إلى إدارة نتائج التفاهم مع إيران وإعادة توجيهها، ضمن عملية أوسع من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
أولاً: ضبط مخرجات التفاهم مع إيران ومنع تحويلها إلى مكاسب استراتيجية تلتقي واشنطن وتل أبيب عند هدف مركزي يتمثل في منع تحويل نتائج التفاهم مع إيران إلى مكاسب دائمة لصالح محور المقاومة، عبر إعادة تعريف مخرجات المواجهة بحيث لا تتراكم في اتجاه واحد يُخلّ بالتوازن الإقليمي.
ثانياً: إدارة كلفة الحرب واستبدال المواجهة المفتوحة بالمسارات الموازية في ظل الكلفة المرتفعة لأي تصعيد شامل، خصوصاً مع حساسية ملف مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي، برزت مقاربة تقوم على استبدال الحرب المفتوحة بمسارات تفاوضية وأمنية موازية، تُدار عبر اتفاقات إقليمية محددة بدل المواجهة المباشرة.
ثالثاً: تفكيك النتائج عبر الاتفاقات الإقليمية وإعادة تعريف الحرب في لبنان يُستخدم الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي كأداة لتجزئة نتائج التفاهم مع إيران، من خلال نقل إنهاء الحرب في لبنان من كونه امتداداً للتفاهم الأمريكي – الإيراني إلى كونه تسوية محلية مستقلة، بما يحد من القدرة الإيرانية على توظيفه سياسياً.
رابعاً: إعادة هندسة موازين القوى ضمن بنية تفاوضية مفتوحة يهدف هذا المسار إلى منع تثبيت نتائج الحرب لصالح طرف واحد، عبر تحويلها إلى ترتيبات أمنية وسياسية قابلة لإعادة التعديل، ضمن بنية تفاوضية متعددة المستويات تتداخل فيها الأدوار المحلية والإقليمية والدولية.
3- الانعكاسات الداخلية في لُبنان
أولاً: السلطة اللبنانية والخيارات الصعبة
على المستوى السياسي الداخلي، يُنظر إلى توقيع السلطة اللبنانية على الاتفاق باعتباره انتقالاً إلى خيار استراتيجي يصعب التراجع عنه، نظراً لما يرتبه من التزامات أمنية وسياسية متداخلة. حيثُ لم تحصل الدولة اللبنانية على ضمانات واضحة وملزمة تتعلق بانسحاب إسرائيلي شامل، أو بعودة السكان بشكل فوري، أو ببدء عملية إعادة إعمار غير مشروطة، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى ترتيبات مفتوحة تُترك تفاصيلها للتطورات اللاحقة. ومن المتوقع أن يفتح ذلك الباب أمام انقسام سياسي داخلي أعمق، ليس بالضرورة على شكل مواجهة فورية، بل عبر تراكم التباينات حول تفسير الاتفاق وتطبيقه وحدود الالتزام به.
ثانياً: الانعكاسات الداخلية واحتمالات التصعيد
لا يُستبعد أن يؤدي الاتفاق إلى إعادة إنتاج توترات داخلية في لبنان، خاصة إذا ارتبط تطبيقه بملفات حساسة مثل سلاح المقاومة ودور الجيش في الجنوب. غير أن تطور هذه التوترات نحو مواجهة داخلية مفتوحة يبقى غير محسوم، إذ ترتبط الاحتمالات بمدى قدرة الأطراف السياسية على إدارة المرحلة، وتجنب نقل الصراع من حدوده الخارجية إلى الداخل اللبناني. وفي هذا السياق، يُعد عامل الوقت عنصراً حاسماً، حيث يُرجح اعتماد مقاربة تقوم على التريث ومراقبة تنفيذ الاتفاق قبل اتخاذ قرارات سياسية أو ميدانية كبرى.
ثالثاً: إيران والمقاومة واحتمالات الرد
وفق هذا التحليل، لا يمكن فصل مستقبل الاتفاق عن الموقف الإيراني ودور القوى المرتبطة بالمقاومة، إذ يُحتمل أن تُقرأ هذه الترتيبات بوصفها محاولة لتقليص المكاسب التي تحققت خلال المواجهات السابقة. وفي حال استمرار الانتهاكات أو تعثر تنفيذ البنود، قد يُفتح المجال أمام ردود فعل إقليمية أو ميدانية، لا تقتصر على لبنان، بل تمتد إلى ساحات أخرى، من بينها ملف مضيق هرمز، باعتباره إحدى أبرز أوراق الضغط الاستراتيجية. كما أن أي تصعيد محتمل قد يأخذ طابعاً متداخلاً بين الساحات، بحيث تتقاطع التطورات في لبنان مع تطورات إقليمية أوسع، في إطار مواجهة غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
في الخلاصةِ، في ضوء التجربة التاريخية لاتفاق 17 أيار، وما رافقه من انقسام داخلي وتعثر في التطبيق، يبرز اتفاق 26 حزيران في سياق لا يبدو أكثر استقراراً، بل أقرب إلى ترتيبات قابلة للاهتزاز تحت ضغط الواقع السياسي والميداني. فمع غياب توافق داخلي واسع حوله، واستمرار التباين في تفسير بنوده وتطبيقها، يبقى احتمال تآكل فعاليته أو تعثر تنفيذه قائماً، بما يجعله عرضة للتحول إلى اتفاق غير مكتمل الأثر أو محدود النفاذ.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة المقاومة كعامل مركزي في تحديد مسار الاتفاق، إذ إن أي خلل في تنفيذ البنود أو استمرار الانتهاكات أو تثبيت وقائع ميدانية أحادية الجانب، قد يعيد فتح احتمالات الرد أو إعادة التموضع الميداني.
فهل يصمد اتفاق 26 حزيران أمام الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واحتمال عودة المقاومة إلى خط المواجهة، أم أنه لن يتجاوز عمر وقف إطلاق النار المرتبط بالتفاهم الأمريكي – الإيراني، ليجد نفسه، مع انتهاء مهلة الستين يوماً من المفاوضات، أمام المصير ذاته الذي انتهى إليه اتفاق 17 أيار؟.
