هل تقود الانتخابات التشريعية الجزائرية إلى تشكيل برلمان قوي؟
بقلم توفيق المديني
توجه الجزائريون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان الجزائري)، يوم الخميس 2تموز/يوليو 2026. ويضم المجلس الشعبي الوطني 407 مقاعد، توزّع على 77 دائرة انتخابية: 69 داخل الجزائر، و8 مخصصة للجالية الجزائرية في الخارج، بحسب عدد السكان في كل دائرة.
ولا ينصّ قانون الانتخابات على إلزام المواطنين بالمشاركة في الاقتراع التشريعي، ولذلك تبقى المشاركة حقاً وليست واجباً قانونياً يعاقب على تركه. وتستمر الولاية البرلمانية خمس سنوات، ما لم يُحلّ المجلس قبل انتهاء مدته وفق أحكام الدستور.
وبدأ التصويت المبكر للناخبين من البدو الرحل في الانتخابات التشريعية الجزائرية، قبل يومين من التصويت العام المقرر الخميس، وذلك عبر مكاتب متنقلة وفرتها السلطات في عدد من المناطق بعمق الصحراء الجزائرية، وعلى أطراف البلدات المتاخمة للحدود مع دول موريتانيا ومالي والنيجر ومالي. وكانت الحكومة الجزائرية خصصت للانتخابات 134 مكتبا متنقلا لصالح الناخبين من البدو، مؤكدةً أنَّ هذا التوجه مرتبط بحرص سياسي على الاهتمام بهذه الفئة من السكان، والعمل على أن تشملها حقوقها السياسية والمدنية على الرغم من قلة عددهم.
ما أهمية انتخابات 2026؟
تأتي الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الخميس الثاني من تموز/يوليو 2026، في ظل استمرار الجدل بشأن مسار الإصلاحات الدستورية التي أطلقتها السلطات الجزائرية منذ سنة 2011، وعقب الحراك الشعبي عام 2019 ولغاية التعديل الدستوري الذي أقر في مارس 2026 وما تلاه من تعديل لقانون الانتخابات وإقرار قانون عضوي جديد للأحزاب السياسة، ومدى انعكاسها على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز التعددية الحزبية واستقلالية المؤسسات المنتخبة.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة باعتبارها أول استحقاق تشريعي بعد سنوات شهدت تعديلات دستورية وتشريعية مست المنظومة الانتخابية، إلى جانب إعادة تشكيل المشهد الحزبي، في وقت تؤكد فيه السلطات أن الإصلاحات القانونية هدفت إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وتكريس الشفافية، بينما ترى أطراف سياسية ومنظمات حقوقية أن عدداً من الإشكالات المرتبطة بضمان تكافؤ الفرص، وحرية العمل السياسي، واستقلالية المؤسسات، لا تزال مطروحة للنقاش.
وقد أُدخل التصويت التفضيلي ضمن القائمة لأول مرَّة بموجب الأمر 21-01 لعام 2021، ولا يزال معمولاً به في اقتراع 2026، إذ يبقى بإمكان الناخب منح أصواته لمرشحين بعينهم داخل القائمة. ويختار الناخب قائمة واحدة، ثم يمنح أصواتاً تفضيلية لمرشح أو أكثر داخل القائمة نفسها، في حدود عدد المقاعد المخصصة للدائرة. ولا يسمح القانون بالجمع بين مرشحين من قوائم مختلفة، وهو ما يُعرف بعدم جواز “المزج”. غير أن تعديلات 2026 أعادت إلى الأحزاب صلاحية ترتيب مرشحيها داخل القائمة، بعد أن كان هذا الترتيب غير مؤثر في نسخة 2021، وهو ما اعتبره مراقبون تراجعاً جزئياً عن نموذج القائمة المفتوحة.
يشارك في هذه الانتخابات التشريعية، 33 حزباً سياسياً، غير أن المنافسة تتركز بين ستة أحزاب رئيسية قدمت قوائمها في غالبية الدوائر الانتخابية البالغ عددها 69 دائرة في الداخل وثماني دوائر في الخارج، وهي جبهة التحرير الوطني، وحركة مجتمع السلم، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة البناء الوطني، وجبهة المستقبل، وصوت الشعب. كما يشارك حزبان تقدميان معارضان هما جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال، ويتنافسان في أكثر من ثلث الدوائر الانتخابية.
وبلغ مجموع اللوائح الانتخابية 739 لائحة، بينها 613 لائحة حزبية و125 لائحة مستقلة، إضافة إلى لائحة واحدة مشتركة بين الأحزاب السياسية. كما تتنافس 54 لائحة في الخارج على المقاعد الـ 12 المخصصة للجالية الجزائرية. وكشفت بيانات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن عدد المترشحين بلغ 9854 مترشحاً، يتنافسون على 407 مقاعد في البرلمان، بينهم 2032 مترشحة، بما يمثل 21٪ من إجمالي المترشحين، وأكثر من خمسة آلاف مترشح تقل أعمارهم عن 40 عاماً، بنسبة 54٪، فيما يبلغ عدد المترشحين من حملة الشهادات الجامعية 4673 مترشحاً، بما يمثل 47٪ من إجمالي المترشحين.
ماهي أبرز الأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات؟
تتنافس عشرات الأحزاب والقوائم المستقلة، لكن أبرز القوى السياسية تتوزّع على معسكرين:
أولاً: أحزاب الموالاة (المعسكر الرئاسي)، وهي الكتلة التي سيطرت على البرلمان المنقضي:
1- جبهة التحرير الوطني (FLN)، صاحبة أكبر كتلة في المجلس الحالي(100 مقعداً).
2- التجمع الوطني الديمقراطي (RND)(60 مقعداً).
3- الأحرار (84 مقعداً).
ثانياً: الإسلاميون والمشاركة في الانتخابات
حصلت القوى الإسلامية في الانتخابات التي جرت في سنة 2021 على 106 مقاعد في البرلمان من مجموع 407 مقاعد، (27٪)، وعلى الرغم من مجموع التحولات السياسية والاجتماعية في الجزائر، وسلسلة الانقسامات الداخلية والهيكلية التي شهدتها أحزاب التيار الإسلامي، فإن الأخير ما زال حاضراً في المشهد السياسي المحلي، بفعل عوامل عدة.
ما يميز قوى التيار الإسلامي في الجزائر، على الرغم من مرجعيتها الأساسية، توزعها في المواقف والخيارات بالنسبة للسلطة، إذ يمكن ملاحظة وجود أحزاب إسلامية موالية تضع نفسها ضمن الحزام الحكومي، وداعمة للسياسات الحكومية وللرئيس عبد المجيد تبون، على غرار حركة “البناء الوطني” التي تعتبر موقفها هذا خياراً استراتيجياً ثابتاً، إضافة إلى حركة “الإصلاح”. في المقابل، تتبنّى أحزاب إسلامية أخرى مثل حركة “مجتمع السلم”، وهي أكبر أحزاب التيار، وحركة النهضة موقف المعارضة، وتبدي في الكثير من المسائل اعتراضها السياسي على الخيارات الاقتصادية والقوانين والتشريعات.
1- حركة مجتمع السلم (MSP)، أبرز صوت معارض في البرلمان المنقضي (66 مقعداً). قدّمت حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي) 68 لائحة من مجموع 77 دائرة انتخابية، بينها خمس لوائح في دوائر الجالية في الاغتراب. توجد حركة مجتمع السلم في موقع يؤهلها لإحداث مفاجأة في الانتخابات المقبلة، خاصة أنها حصلت على أكبر كتلة برلمانية بين أحزاب المعارضة في الانتخابات التي نظمت في 2017.فالحركة تتميز بانتشارها في معظم ولايات البلاد، وبقواعدها المنضبطة نسبيا، لكنها عانت من عدة انقسامات وخرج من رحمها عدة أحزاب على غرار حركة التغيير، التي عادت واندمجت فيها، وحركة البناء الوطني، وتجمع أمل الجزائر. وهذا الانقسام هو أحد الأسباب الرئيسية لتراجع حصتها من المقاعد في البرلمان، وقد يؤثر على حظوظها في الانتخابات المقبلة أيضاً. ويقول رئيس الحركة عبد الرزاق مقري، إنه مستعد لقيادة الحكومة القادمة في حال فاز حزبه بالانتخابات ووافقت مؤسسات الحركة على ترشيحه للمنصب.
2- حركة البناء الوطني (40 مقعداً) في البرلمان المتقضي
ولدت حركة البناء الوطني من رحم حركة مجتمع السلم، وأسسها مصطفى بلمهدي، رفيق محفوظ نحناح، ومحمد بوسليماني، وثلاثتهم يشكلون النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين في الجزائر. لكن بلمهدي ترك القيادة لعبد القادر بن قرينة، وزير السياحة السابق، الذي ترشح لرئاسيات 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019، وحقق مفاجأة عندما حلّ ثانيا خلف المرشح تبون، بعد أن حصل على مليون ونصف المليون صوت. وقبله تم اختيار القيادي في حركة البناء سليمان شنين، لرئاسة البرلمان، في 2019 إلى غاية آذار/ مارس 2021، على الرغم من أن الحزب لا يملك سوى 15 نائبا ضمن تحالف لحركات إسلامية. وتتحدث عدة مصادر أن حركة البناء الوطني، هي من يمثل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين منذ 2014، وليس حركة مجتمع السلم.
ثالثاً: أحزاب المعارضة والتيار الديمقراطي، ويشهد هذا الاقتراع عودة عدد منها بعد مقاطعة انتخابات 2021: تسجل كتلة الأحزاب الديمقراطية في الجزائر (ذات الطابع اليساري) حضوراً في الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في الثاني من يوليو/تموز 2026، بعدما كانت غالبية أحزاب هذه الكتلة السياسية قد قاطعت انتخابات يونيو/حزيران 2021.
وتضم المعارضة الديمقراطية في الجزائر الأحزاب التالية:
1- جبهة القوى الاشتراكية (FFS)، أقدم أحزاب المعارضة.
2- التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD).
3- حزب العمال بقيادة لويزة حنون.
4- الاتحاد من أجل التغيير والرقي
5- الحركة الديمقراطية الاجتماعية (الحزب الشيوعي سابقاً)، إضافة إلى حزب جيل جديد،
6- جبهة العدالة والتنمية بقيادة عبد الله جاب الله، العائدة بعد غياب طويل، (مقعدان)
غير أن جاب الله، الذي يتمتع بشخصية كاريزمية، تعرض لحركة تصحيحية أطاحت به من رئاسة الإصلاح، لكن لم ييأس بعد أن خسر ثاني حزب يؤسسه، وأسس حزباً ثالثاً تحت اسم “جبهة العدالة والتنمية” في 2011. كان جاب الله، يأمل أن يحقق مفاجأته الثالثة مع حزبه الجديد في انتخابات 2012، لكنه لم يحصل سوى على 7 مقاعد فقط.
أي برلمان يريده الشعب الجزائري؟
بعد الحراك الشعبي القوي الذي شهدته الجزائر في سنة 2019، يريد الشعب الجزائري وقواه السياسية الوطنية والديمقراطية والإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني أن يضطلع البرلمان بوظائفه الدستورية باعتباره سلطة دستورية مستقلة وُجدت للتشريع والرقابة والمساءلة، وحماية الحقوق والحريات، والدفاع عن الإرادة الشعبية.
ويرى الخبراء والمحللون في الجزائر أنَّ البرلمان الجزائري تراجع دوره لصالح السلطة التنفيذية، واستمرار الإشكالات المرتبطة بالحقوق السياسية والانتخابات، إضافة إلى انعدام المبادرات التشريعية الصادرة عن البرلمان والتي تكاد تكون منعدمة، مقابل استمرار السلطة التنفيذية في احتكار صناعة القوانين، الأمر الذي يحول البرلمان، بحسب راي الخبراء ومنظمات المجتمع المدني، إلى فضاء للمصادقة على مشاريع القوانين أكثر من كونه مؤسسة للنقاش والتعديل والرقابة، حتى في القضايا التي تمس الحقوق والحريات الأساسية.
ويرى الخبراء ومنظمات المجتمع المدني أن البرلمان الذي ستفرزه هذه الانتخابات التشريعية الجزائرية سيواجه تحديات تتجاوز الجانب التشريعي، إذ سيكون مطالباً باستعادة دوره الدستوري في الرقابة على السلطة التنفيذية، وتعزيز المبادرة التشريعية، ومناقشة القوانين ذات الصلة بالإصلاحات الاقتصادية والحقوق والحريات، بما يعزز الثقة في المؤسسة البرلمانية ويكرس مبدأ الفصل بين السلطات.
خاتمة
إنَّ الحراك الشعبي يدعو إلى ثورة ثانية بعد الثوة الوطنية التحررية التي عرفتها الجزائر(1954-1962)، لإسقاط المنظومة الحاكمة، ولا تفيد الثورة في شيء، إذ كان هذا الحراك لا يمتلك أي مشروع مجتمعي وسياسي للتغيير الديمقراطي، فالتجربة التونسية خير مثال لاستخلاص الدروس التاريخية منها. وهذه من أشنع ما ورث العرب عن ما يسمى “الربيع العربي”. فتاريخ الديموقراطية كما تبرزه خبرة أعرق الدول الغربية الديمقراطية الغربية، ألا وهي بريطانيا، مليء بالصراعات. فتحقيق المكاسب الديمقراطية للجماهير لا يمكن أن يتم بقرار فوقي بين عشية وعضاها.
إن الانتخابات الجزائرية تدخل في سياق عملية “الانتقال الديمقراطي ” للجزائر لا يمكن أن نقول عنها أنها مكتملة إلا إذا توافرت فيها شرط عديدة، أبرزها: أن يعمل الفاعلون السياسيون الرئيسيون على إعادة بناء المؤسسات الدستورية والسياسية للدولة التي تشكل الأرضية الحقيقية لبناء النظام الديمقراطي الجديد، لا سيما تشكيل حكومة جديدة منبثقة من هذه الانتخابات البرلمانية الحرة والنزيهة، على أن تمتلك هذه الحكومة القدرة والصلاحية على ممارسة السلطة وإقرار سياسات جديدة تعكس حالة الانتقال إلى الديمقراطية التعددية ، فضلا عن عدم وجود قوى أخرى تنازع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية صلاحياتها واختصاصاتها.
