إقليميات

ترامب يريد احتلال “غزة”.. طمعاً بحقول النفط والغاز الكبيرة

بقلم زينب عدنان زراقط

فهل ما عجزت عنه إسرائيل ومن خلفها أمريكا عن تحقيقه عسكرياً على مدار سنة ونصف في “غزة”، بإمكان الرئيس الأمريكي اليوم تحقيقه على مبدأ الترهيب والترغيب للبلدان العربية المجاورة في المنطقة؟.

مخطط ترامب والخطر المساهم في نجاحه

ترامب الذي أصرّ على إيقاف حرب “غزة” وفرض على نتنياهو وقف الأعمال القتالية هناك والانصياع لشروط حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” والتفاوض معها والعمل على شروط الهدنة بمراحل وتسليم الأسرى والبدء بإعادة الإعمار في المرحلة اللاحقة، يقلب الموازين فوقاً على عقب؛ بتصريحاته الأخيرة التي قال فيها إنه يريد تملّك قطعة الأرض الجميلة هذه، في إشارةٍ على “غزة”.

وكأنه تمّ إجراء تعديل على صفقة القرن خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه بترامب، بحيث تمّت المقايضة على أن تكون “غزة” من حصة أمريكا مقابل أن تفرض إسرائيل كامل سلطتها على الضفة؟. وعندما سألت إحدى المذيعات الرئيس الأمريكي عن كيفية احتلال “غزة” هل بالجيش الإسرائيلي أم سوف يرسل القوات الأمريكية، فأجابها باستنكارٍ مؤكِّداً بأنه “نعم”.

في ظل استنكار أمريكي واسع على صعيد الصحافة والسياسة الأمريكية، أشار أحد المحللين والباحثين الأمريكيين إلى سقوط جنون العظمة لـ “نابليون” أمام “ترامب” ليصل الأمر بمجموعة من القضاة بأن يصفوا الرئيس الأمريكي بالجنون. على اعتبار أنّ قرارات الرئيس الأمريكي عشوائية ولا تمتُّ للمنطق بصلة، من احتلال أرض واضطهاد شعب، ومن الجانب الآخر اعتبروا أن شعاراته الكبيرة و”فوق المنال” وهي لسرق الأضواء وللتعظيم من نفسه والحقيقة تعكس أنه عاجز عن كُلِّ ذلك، أولاًّ لأن قرار أمريكا ليس بملك الرئيس وحده، فهو يحتاج لموافقة الكونغرس ولا أحد منهم تماشى مع غوغائيته؛ ثانياً، الجيش الإسرائيلي الذي قضى سنة ونصف بأعلى التجهيزات والمساعدات الأمريكية وكامل الدعم اللوجستي والفني، قتل فيها أعلى رتب ضباطه وقادة ألويته واحترقت نصف دباباته – على أرض غزة – حيث كنا ننظر للبوارج الأمريكية المصطفةِ في البحر المتوسط للضغط والترهيب لكنها ولّت الأدبار، في حربٍ أُبيد فيها أكثر من 50 ألف بشري والمعوقين والجرحى واليتامى يتخطون مئات الألوف، في مساحة قطاع تبلغ 56 كلم مربع، دُمّرت فيه كل المنشئات السكنية والصحية والمرافق الاجتماعية، ثم بقي من بقي راسخاً بتراب أرضه، وعاد مئات الآلاف – منذ لحظة سريان وقف إطلاق النار- ليقفوا على ركام منازلهم صامدين غير مزحزحين، ومنهم من نصب الخيام وغيرهم تفيّأ بما تبقى من حجارة أزقّة الدار.

قرار باحتلال أرض، – وان كانت رُكاماً وقُتل كلُّ أهلها – ما من مُسوّغ قانوني يُتيح بذلك، ومثل هكذا قرار للرئيس الأمريكي يحتاج لتشريع وموافقة الكونغرس الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية حتى يأذنوا للقوات الأمريكية بالتحرك، هذا من جهة؛ ومن جهةٍ يوجد التمويل لمثل هكذا مخطط والذي كان مطمئناً له الرئيس الأمريكي أنه – ليس من ضرائب المواطنين ولا خزينة الدولة – فهو تحصيل حاصل من دول الخليج، مُركزاً على أن حاكمِي السعودية والإمارات لطيفان وودودان وأنهم يطمحون للسلام مصوراً إياهم بهيئة كامل الطاعة والتسليم، وهم أساساً من فُرَضَ عليهم إعادة إعمار غزة التي يُقدّر أن تبلغ تكاليفها إلى 80 مليار دولار. محمد ابن سلمان، الأمير السعودي وولي العهد، وافق على صفقة مع ترامب مقابل 600 مليار دولار مقابل زيارته أرض المملكة العربية السعودية، ففاوضه على الترليون دولار، وهو على علم بكرم مملكة الخير مقابل سدرة الحُكم.

وعندها تبقى مشكلة القوة العسكرية لتفريغ سكان القطاع من سكانه، فلا جيش أمريكي موافق على أن يتدخل ولا جيش إسرائيلي يقوى بعد على معاودة الأعمال العسكرية؛ لذا تم أخْذُ الموافقة من البلدان العربية، – والكُل يخاف على عرش مُلكه لذا فإنه لن يرفض لترامب طلباً – وهذا ما أدلت به متحدثة البيت الأبيض بصريح العبارة، على أن ملك البحرين اتصل بـ “ترامب” ليمضي قُدماً بمخطّطه، ليطلع للعلن الرئيس الأمريكي ويُقرّ بأن سُكان غزة سوف يتم تهجيرهم قسراً إلى مصر والأردن، موكّداً للصحفيين بأن الملك حسين والرئيس السيسي سوف “يقبلون” بثقة، حتى وإن أبدوا الرفض في العلن.

حقيقةً إن الخطورة لا تكمن في مخطط ترامب نفسه لأنه يبقى عقيماً ومحض أوهام وشيئاً من جنون العظمة الذي يعاني منه، لحين رضوخ البلدان العربية عند إرادته طوع مطامعه حتى تنقلب أحلامه لوقائع بمتناول يده، وهذا التخاذل العربي لطالما عانت منه الأُمة، ومشروع التهجير هو نفسه الذي جرى عام 1948م بأهل فلسطين حيث كان الإعلام العربي الشريك الأساس في إتمام العملية، الذي روّج على فضائياته الدعوة لأهل فلسطين بالهجرة مقابل العودة بعد إخراج اليهود، ممهدين بذلك دخول اليهود، وانقضت الحيلة على أهل فلسطين وما من عودة كانت لهم. والمشهد اليوم يعيد نفسه، ولكن -بوقاحة صريحة – الأمريكي يريد اقصاء أهل “غزة” دون عودة لهم، وهذا يعني احتلال منطقة غزة.

حقول “غزة” وقناة “بن غوريون”

يطمح ترامب للاستيلاء على قطاع “غزة” وإعادة بنائه من قبل دول الخليج، ليصبح ريفيرا الشرق الأوسط حسب زعمه، ويريد توفير فرص عمل لعدد كبير من الأيدي العاملة، ويريد الاستمتاع بالمناخ الجميل والجغرافيا الجميلة للموقع. رجل الصفقات والتجارة وإدمان جني الأموال، بالطبع لا يبحث عن منطقة منكوبة في الشرق الأوسط ليفرض إعمارها ويستمتع بمناخها المعتدل هكذا عبثاً، بل إنّ كُلَّ ما يتطلّع عليه ترامب هي حقول النفط والغاز الكبيرة الممتدة في شواطئ غزة، حيث لو استخرجوا لأمست “غزة” من أغنى بقاع الأرض، وأوفت احتياجاتها وصدّرت منه للخارج واستثمرت عائداته. ويعود اكتشاف هذه الحقول لعهد الرئيس الراحل “ياسر عرفات”، الذي اعتبرها “هبة من الله” فقتله الموساد الإسرائيلي وظلّ الفلسطينيون محرومين من انتاجهم من الطاقة بفرضٍ من الحصار الإسرائيلي ويستجدون الطاقة من مصر وبتحكمٍ مباشر من قبل إسرائيل بتحديد ساعات إمداد الطاقة. إنها الخطة التي تأتي من ضمن المشروع الكبير “قناة بن غوريون” والهدف والمخطط الرئيسي ما وراء العدوان على قطاع “غزة”، إنها القناة البحرية المستحدثة والتي يُراد انشاؤها بديلاً عن “قناة السويس”، وتصل البحرين الأحمر والمتوسط من ميناء إيلات إلى ميناء عسقلان في “غزة” في حرية للملاحة الإسرائيلية من جانب وفرض الحصار والتشديد على كل أشكال الملاحة العبارة للعالم من خلالها وجني استثمارات الترانزيت من جانبٍ آخر، مع فرض التوقيف الكلّي لقناة السويس على مصر.  

في الختام، هذا الرئيس الأمريكي “ترامب” الذي لم يمضِ على حكمه شهر في الإدارة، غيّر خليج المكسيك إلى خليج أمريكا، وصرّح بأنه يريد ضم كندا ويأخذ قناة بنما. كما طرد كل المهاجرين الذين يبحثون عن لقمة العيش في أمريكا كذلك فرض رسوماً جمركية مضاعفة على كولومبيا، لأنها استنكرت إهانة مواطنيها المغتربين. وكل يوم يخرج بتصريحات عنصرية ضد المواطنين السود، ويحتقر المسلمين، ويهين بعض الأنظمة العربية.

إلى أن وقع قرار بتصنيف اليمنيين “إرهابيين” لأنهم ساندوا المظلومين في غزة، ويدعو الآن لتطهير عرقي وتهجير مليوني فلسطيني، ويضغط على مصر والأردن لاقتطاع أراضٍ من بلدانهم لاستقبال المهجرين من غزة. فاوض السعودية على 600 مليار دولار مقابل زيارته ويطالب بأن تصل إلى تريليون دولار.

فماذا كانت ردة فعل كندا وبنما والمكسيك وغرين لاند؟، لا شيء!!، بل هزئوا من ترامب وأحلامه الغوغاء. وإنما المفارقة في بلداننا العربية، هو “التآمر والغدر”، فما كان للقضية الفلسطينية أن تموت ولا كان للاحتلال الصهيوني أن يبقى ولا كانت لحرب أن تقوم في بلداننا العربية لو لم تتواطأ دول الجوار العربي مع الاستكبار الأمريكي وتفتح المجال البري والجوي والبحري أمامه. فهل ستكون البلدان العربية عثرةً في طريق ترامب أو بوصلة طريق فتدلّه الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *