الشهيد الأسمى السيد علي الخامنئي.. حاضر في وجدان اليمنيين
بقلم نوال النونو
تتحضّر الأُمَّة الإسلامية بكافة أطيافها، وجموعُ أحرارها، للحظات التشييع المهيب والوداع الأخير والتاريخي لأعظم قائد إسلامي معاصر، وإمامٍ مجاهدٍ وثائرٍ وشهيد، قاد مسيرة الجهاد والمقاومة، آية الله المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، الشهيد الأسمى السيد علي الخامنئي “رضوان الله عليه”.
وتتجلى قوة شخصية الإمام القائد في متانتها وقدرتها على الثبات والصمود في مواجهة المؤامرات والتهديدات التي استهدفت الثورة الإسلامية منذ انطلاقتها عام 1979م، حيث كانت الجمهورية الإسلامية تخرج من كل مرحلة مواجهة أكثر صلابة وتمسكاً بأهدافها.
ومثلما أحب الشعب الإيراني وشعوب المنطقة هذا القائد العظيم، فإن اليمنيين لم يكونوا استثناءً، فالشهيد الراحل السيد علي الخامنئي يحتل مكانة عظيمة في قلوب اليمنيين، فقد كان صوته صادحاً بالحق ضد تحالف العدوان السعودي الأمريكي الذي شُن على اليمن في 26 مارس 2015م، واستمرت تداعياته حتى يومنا هذا، مؤكداً أن السعودية ارتكبت خطأً كبيراً بعدوانها على اليمن، وأنها أوجدت بدعةً سيئةً في المنطقة، منوهاً إلى أن السعودية أوكلت “شباناً عديمي الخبرة” لقيادة البلاد، حيث “طغى عليهم التوحش على العقلانية”.
وفي اللحظات الأولى من بدء العدوان السعودي على اليمن، أكد الشهيد الأسمى أن نيران هذا العدوان سترتد على أعين السعودية، وأن الشعب اليمني سيخرج منتصراً، وهو ما حدث بالضبط، فقد انتصر اليمنيون على التوحش السعودي، وانتصر السيد الخامنئي بقيمه وأخلاقه وسمو تقديره، وأصبح علماً محبوباً في قلوب الشعب اليمني.
ويصف زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الشهيد الأسمى السيد علي الخامنئي بالعالم الرباني الجليل، مؤكداً أن مرشد الثورة الإسلامية في إيران كان رافضاً للهيمنة والسيطرة الصهيونية، وكان داعماً للقضية الفلسطينية ومسانداً لشعوب المنطقة.
واعتبر السيد الحوثي أن استشهاد السيد الخامنئي يمثل خسارة حقيقية للعالم الإسلامي، مؤكداً أن إقدام أعداء الأمة الأمريكيين والإسرائيليين على ارتكاب هذه الجريمة النكراء، إنما يهدف إلى التخلص من الدور العظيم للسيد الخامنئي في التصدي لطغيانهم وإفشال مؤامراتهم.
ويرى عضو المكتب السياسي لأنصار الله، فاضل الشرقي، أن السيد الخامنئي كان قائداً سياسياً، ورمزاً دينياً، ومرجعاً روحياً، وقائداً استثنائياً، وقد حوّل إيران من دولة تابعة إلى قوة إقليمية كبرى، وأسّس لنموذج حضاري إسلامي فريد في العصر الحديث، كما كان خطيباً مفوهاً، وثورياً ناضجاً، وصوتاً جذاباً، وأنه قاد سفينة الدولة الإيرانية بثبات، وأشرف على “فتح خرمشهر” عام 1982م، ذلك النصر العظيم الذي طوى صفحة الانكسار وأظهر قدرة إيران على الصمود والهجوم.
ويضيف أن الإمام الخامنئي كان رمزاً للصمود في قلوب الإيرانيين وأحرار الأمة، وأنه قاد إيران إلى مصاف الدول المتقدمة والحضارية، وحقق إنجازات هائلة جعلت منها دولة كبرى لا يستهان بها في مجالات عديدة، وفي مقدمتها المجالان العسكري والأمني.
ويوضح الشرقي أن حزب الله تحول، تحت قيادة الشهيد العظيم، من مجرد مجموعة محلية إلى أقوى قوة عسكرية وسياسية في لبنان والمنطقة، وأصبح رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقاد الجهاد والمقاومة وصولاً إلى التحرير الكامل في يونيو 2000م، كما أن إيران فتحت في عهده ذراعيها لحركات المقاومة الفلسطينية، وقدمت السلاح والمال والتدريب، مما جعلها قادرة على خوض معارك التحرير ومواجهة كيان الاحتلال الإسرائيلي، لافتاً إلى أن معركة “طوفان الأقصى”، التي أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، كانت ثمرة هذا الدعم الذي استمر لعقود بقيادة الإمام العظيم الخامنئي.
قائد لا مثيل له
وارتبط اليمنيون، على مدى سنوات طويلة، بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وبحزب الله في لبنان، مستلهمين منهم الشجاعة والبطولة والإرادة في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، أمريكا وإسرائيل، ولهذا كانت مواقفهم موحدة، وحركتهم في إطار واحد، وهو مواجهة هؤلاء الأعداء.
ويرى رئيس تحرير موقع “المسيرة نت”، الكاتب والمحلل السياسي أحمد داوود، أن الشهيد السيد علي الخامنئي يعد رمزاً لأحرار هذه الأمة، وهو حسين العصر الذي واجه طغاة العصر الأمريكيين والصهاينة، مشيراً إلى أن الجمهورية الإسلامية والقائد العظيم الشهيد السيد علي الخامنئي، لو كانا في طريق الباطل، لجعلتهما واشنطن أبطالاً، ولكانت طهران قبلة لكل الخانعين والمنبطحين لأمريكا وإسرائيل.
ويبين أن الإمام الشهيد كان صوتاً للحق، ورمزاً للمستضعفين، وهو السيف البتار في مواجهة الأعداء، وهو الذي أعاد للإسلام حيويته، وللكرامة والشموخ معانيهما، لافتاً إلى أن الشعب اليمني لن ينسى وقفة الإمام الشهيد الشجاعة خلال العدوان الأمريكي السعودي، ولن ينسى الدعم الكبير الذي قدمته طهران لأحرار اليمن، والذي كان له الدور الكبير في كسر التوحش السعودي وإذلاله.
وبرحيل الشهيد الأسمى السيد علي الخامنئي، لا يتوقف الحديث عند غياب قائد سياسي أو مرجع ديني، وإنما يمتد إلى تجربة استثنائية تركت بصمتها في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة، فقد ارتبط اسمه، على مدى عقود، بمشروع سياسي وفكري قائم على رفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ودعم حركات المقاومة، والسعي إلى ترسيخ استقلال القرار الوطني للدول والشعوب، وهو ما جعل حضوره يتجاوز حدود إيران ليصبح جزءاً من معادلات الصراع في المنطقة.
وفي الوجدان اليمني على وجه الخصوص، فقد ارتبط اسم الشهيد الأسمى بمواقف معلنة ومستمرة في دعم الشعب اليمني، وإدانة العدوان عليه منذ أيامه الأولى، والتأكيد على حقه في الدفاع عن سيادته واستقلاله، ولهذا اكتسب مكانة خاصة لدى شريحة واسعة من اليمنيين الذين رأوا في مواقفه سنداً سياسياً ومعنوياً في مرحلة كانت فيها البلاد تواجه واحدة من أصعب محطاتها.
كما أن السنوات التي قاد فيها الجمهورية الإسلامية شهدت تحولات استراتيجية كبرى، عززت حضور إيران الإقليمي، ورسخت ما يعرف بمحور المقاومة لاعباً مؤثراً في معادلات المنطقة، الأمر الذي جعل الرجل حاضراً في أبرز الملفات السياسية والعسكرية، من فلسطين ولبنان إلى العراق وسوريا واليمن.
وعلى الرغم من أن القادة يرحلون، فإن التجارب التي تنجح في التحول إلى مدرسة فكرية ونهج سياسي تبقى أكثر قدرة على الاستمرار من أصحابها، ومن هنا، فإن استشهاد السيد علي الخامنئي، بالنسبة لمحبيه وأنصاره، لا يمثل نهاية مرحلة بقدر ما يضع إرثه أمام اختبار الاستمرار، ويعيد طرح الأسئلة حول مستقبل المشروع الذي تبناه، ومدى قدرة القوى التي حملت أفكاره على مواصلة الطريق الذي رسم معالمه على مدى عقود.
ولذلك، فإن تشييع السيد الخامنئي يُقرأ بوصفه محطة تستحضر مسيرة طويلة من المواقف والتحولات والصراعات، وتؤكد أن تأثير القادة لا يُقاس بطول أعمارهم، وإنما بحجم الأثر الذي يتركونه في وجدان الشعوب وفي مسار الأحداث، وهو أثر يبدو، وفق الكثير من المراقبين، مرشحاً لأن يبقى حاضراً في المشهد الإقليمي لسنوات قادمة.
