بين مذكرة التفاهم مع إيران واتفاق لبنان… كيف يدير ترامب تناقضات السياسة الأمريكية؟
بقلم د. محمد الايوبي
في مشهد سياسي أمريكي يشبه إلى حد كبير لعبة الشطرنج، يتحرك الرئيس دونالد ترامب بقطعته على رقعة الشرق الأوسط محاولاً تحقيق توازن دقيق بين مصالح متضاربة وأجنحة متباينة داخل حزبه الجمهوري.
ففي غضون أيام معدودة، وقّعت إدارة ترامب على اتفاقين يبدوان وكأنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين تماماً: مذكرة التفاهم مع إيران التي رعاها نائب الرئيس جي دي فانس، والاتفاق الإطاري بين “إسرائيل” ولبنان الذي أشرف عليه وزير الخارجية ماركو روبيو. ورغم أن كلا الاتفاقين يحمل توقيع الإدارة الأمريكية نفسها، فإن مضامينهما تتجه في اتجاهين متعارضين تماماً، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل هذه فوضى سياسية أم استراتيجية ذكية لتوظيف التناقضات لخدمة أهداف أكبر؟
اتفاقان يتعارضان.. ومصالح تتشابك
وقّع الاتفاق الإطاري بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أمريكية يوم 26 يونيو/حزيران 2026 في واشنطن، بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وينص الاتفاق على أنه يهدف إلى انسحاب “إسرائيلي متدرج” أو مناطق تجريبي من الأراضي اللبنانية، مقابل التزام لبنان بنزع سلاح حزب الله، مع بقاء مناطق لبنانية تحت السيطرة “الإسرائيلية” كضمانة لتنفيذ البنود.
في المقابل، وقّعت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران التي رعاها نائب الرئيس جي دي فانس، وتضمنت وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وفتح مضيق هرمز، وتخفيف القيود المالية على إيران.
والمفارقة أن مذكرة التفاهم مع إيران لا تتضمن نزع سلاح حزب الله، بل إن إيران تعتبر هذا السلاح أحد ضمانات التزام الولايات المتحدة و”إسرائيل” ببنود الاتفاق. وهذا يتعارض بالكامل مع الاتفاق اللبناني-“الإسرائيلي” الذي يمنح “إسرائيل” البقاء في المناطق اللبنانية المحتلة كنزعة سلاح حزب الله.
صراع النفوذ داخل البيت الجمهوري
هذا التناقض في السياسات ليس مجرد صدفة، بل يعكس صراعاً عميقاً داخل الحزب الجمهوري بين جناحين رئيسيين، وهما جناح “إعادة العظمة الأمريكية مجدداً” (ماغا) الذي يمثله فانس، والجناح الجمهوري التقليدي الذي يمثله روبيو.
فانس، نائب الرئيس، يدافع عن وقف الحملات العسكرية الأمريكية في الخارج ويرى أن “إسرائيل” هي العقبة أمام دور أمريكا المستقبلي في المنطقة. وقد صرّح أكثر من مرة بأن الإجراءات “الإسرائيلية” تقوض جهود السلام وتجعل المفاوضات مع إيران أكثر صعوبة. بل إنه هاجم القيادات “الإسرائيلية” التي تنتقد الاتفاق مع إيران، وطلب منهم الكف عن انتقاد الحليف الوحيد الذي يهتم لأمرهم ويدافع عنهم.
أما روبيو، وزير الخارجية، فيمثل التيار الجمهوري التقليدي الذي يستمد تقاليده من سياسة “العصا الغليظة” التي اشتهر بها ثيودور روزفلت، ويدعم التدخلات الخارجية لفرض الإملاءات الأمريكية. يرى روبيو أن إيران هي العقبة أمام الدور الأمريكي المستقبلي في المنطقة، وقد دافع عن حملة “إسرائيل” العسكرية في لبنان ووصفها بأنها رد مبرر على هجمات حزب الله.
ترامب.. الموازن بين الجناحين
وظّف الرئيس ترامب كلا الرجلين في سياسته الخارجية والداخلية بمهارة. فقد كلّف فانس بالتفاوض مع إيران، وصرّح بأنه سينسب الفضل لنفسه إن نجح الاتفاق، وسيحمل فانس المسؤولية إن أخفق. وبالفعل، سافر فانس إلى سويسرا للمشاركة في المفاوضات الفنية مع المسؤولين الإيرانيين، ووصف المحادثات بأنها “مثمرة للغاية”.
في المقابل، ظل روبيو متوارياً في الاتفاق مع إيران، فلم يسوّق له، ولم ينتقد “إسرائيل”. بل أوفده ترامب في جولة خليجية شملت الإمارات والكويت والبحرين، وعقد اجتماعاً مع وزراء خارجية دول الخليج لتأكيد الالتزام الأمريكي بأمن الخليج، وحرص على استبعاد مساهمة دول الخليج في إعادة إعمار إيران في الوقت الحالي.
وهكذا استخدم ترامب الاتفاق مع إيران لاسترضاء قاعدة “ماغا” الناقمة على الحرب مع إيران وتبعاتها الداخلية مثل ارتفاع أسعار المحروقات، وفي الوقت نفسه وظّف روبيو للتوصل إلى الاتفاق بين “إسرائيل” ولبنان ليسترضي الجناح الجمهوري التقليدي ويمنحه مكافأة تعوّضه عن خسائر الاتفاق مع إيران.
التوازن الهش.. وانعكاساته على المنطقة
لكن هذا التوازن الذي يحاول ترامب الحفاظ عليه بين الجناحين يظل هشاً للغاية. فإيران تصرّ على أن جبهة لبنان جزء من اتفاقها مع أمريكا، وأن تنفيذ بقية بنود مذكرة التفاهم مرتبط بوقف الهجمات “الإسرائيلية” والانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة.
من جهة أخرى، يسوّق نتنياهو الاتفاق اللبناني – “الإسرائيلي” على أنه مكسب كبير لـ “إسرائيل”، لأنه يمثل بداية نزع سلاح حزب الله وقبول ببقاء مناطق لبنانية تحت السيطرة “الإسرائيلية”.
وهذا التعارض سيحدد مستقبل الرهانين. إذا أصرّت إيران على مطلبها في لبنان ورفضت مواصلة التفاوض، ثم وافق ترامب على ذلك، فإنه يقضي على الالتزامات الواردة في الاتفاق اللبناني – “الإسرائيلي”، فترتفع حظوظ فانس في الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2028. أما إذا تمكّن روبيو وداعموه من إقناع ترامب بدعم الاتفاق اللبناني – “الإسرائيلي” وإرغام إيران على التخلي عن المطالبة بجعل لبنان جزءاً من الصفقة، فإن ذلك يعزز حظوظ روبيو.
سيناريوهات المستقبل
على المدى القريب، قد يفضّل ترامب الموازنة بين الجناحين للحفاظ على تماسك الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، مما يحميه من الملاحقات القانونية ويمنحه حرية أكبر في إدارة شؤون البلاد.
وقد يساعد هذا الاحتمال في فهم سلوك ترامب في المنطقة خلال الفترة المتبقية: سعيه إلى تحصيل أكبر قدر من مكاسب الاتفاقين، وتأجيل دفع مستحقات الالتزامات أطول فترة ممكنة. قد يحرص على استمرار إيران في فتح مضيق هرمز لتبقى أسعار الطاقة منخفضة في الولايات المتحدة، وفي المقابل يحرص على إطالة أمد الهدوء في الجبهة اللبنانية التي تعدها إيران تنفيذاً جزئياً لمذكرة التفاهم، بينما يسوّقها نتنياهو مكسباً كبيراً لـ “إسرائيل”.
لكن هذا التوازن سيظل هشاً؛ لأن إيران قد تطالب الولايات المتحدة بإرغام “إسرائيل” على الانسحاب الكامل من المناطق اللبنانية المحتلة، وإلا فإنها ستغلق مضيق هرمز. وقد تحاول الولايات المتحدة إلزام “إسرائيل” بالانسحاب من بعض المناطق بشكل “دائم”، وقد تقبل إيران بذلك مرحلياً، لكنه سيكون مؤقتاً.
في النهاية، يبدو أن إدارة ترامب تمتنع عن تنفيذ أي من الاتفاقين تنفيذاً كاملاً، لأنه سيتعارض مع الاتفاق الآخر فيحدث تصدع داخل الحزب الجمهوري. وستظل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط رهينة لهذا التوازن الهش، بين رهان فانس ورهان روبيو، وكل منهما يراهن على رؤيته لمستقبل المنطقة ودور أمريكا فيها. والمؤكد أن نجاح أحدهما وإخفاق الآخر سيحدد ليس فقط هوية المرشح الجمهوري في انتخابات 2028، بل أيضاً مستقبل الشرق الأوسط ككل في العقد القادم.
