قراءةٌ استراتيجية في الأهداف الإسرائيلية من الحرب على إيران
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
المقدّمة: ما وراء التفسيرات الظاهرية للحرب العدوانية
منذ اندلاع الحرب العدوانية (الصهيو/أمريكية) على إيران في نهاية شباط 2026م، تعددت الشروحات والتحليلات والتفسيرات المطروحة الباحثة عن أسباب تفجرها ودوافعها وأهدافها..
فمِن قائل إن الهدف كان التدمير النهائي للبرنامج النووي الإيراني، إلى من رأى أن الهدف هو إسقاط النظام الإسلامي من خلال اغتيال قيادته الدينية والعسكرية وحتى المدنية، وبالتالي إدخال إيران في غياهب المجهول من خلال تقسيمها ودفعها إلى أتون صراعات داخلية تفتتها بما يجعلها تتحول إلى دولة فاشلة، إلى من اعتقد أنها مجرد رد فعل على تهديدات إيرانية سابقة.. غير أن هذه التفسيرات، وإن كانت تحمل جانباً مهماً من الصحة، تبقى غير قادرة على حقيقة المشهد، وبعيدة ربما عن التقاط طبيعة البعد الاستراتيجي البنيوي الأعمق للصراع الوجودي مع العدو الصهيوني.
تتبنى هذه الدراسة فرضية مفادها أن الهدف الإسرائيلي الأساسي من دفع الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران وتوريطها في صراع مكلف وخاسر، لم يكن سعيهم بكل قوتهم إلى تدمير إيران بالكامل كما يظن البعض فقط، ولا حتى إسقاط نظامها بالضرورة (وإن كانت إسرائيل تتمنى وتعمل على تحقيق هذا الهدف اليوم قبل الغد)؛ فقادة العدو الإسرائيلي يعون جيداً ويدركون تماماً أن دولة كبرى بحجم إيران، في تركيبتها السكانية وموقعها واتساعها الجغرافي وقوتها وقدراتها العسكرية، لا يمكن محوها بمجرد توجيه ضربات جوية أو بحرب قصيرة. إن الهدف الحقيقي لهم يكمن في استمرارية الحرب لتكون حرباً لأجل الحرب فقط، أو ما يُسمى في الأدبيات الاستراتيجية بـ “الحرب الأزلية”، أي حرب استنزافية متواصلة تُبقي إيران تحت الضغط والنار والتهديد الدائمين، مستنزفةً اقتصادها ومواردها وقدراتها العسكرية وطاقتها السياسية ببطء، بما يمنعها من الانتقال من موقع القوة الإقليمية المحاصَرة إلى موقع القوة الإقليمية الصاعدة. أي أن هذا الهدف، كما سنرى، يتجاوز المخاوف العسكرية التقليدية ليصل إلى الخوف الاستراتيجي الأعمق من نهضة إيران الاقتصادية والسياسية، وتحولها إلى قوة إقليمية لا يمكن تهميشها أو تجاوزها.
وسنحاول في هذه الورقة استعراض الأبعاد المتعددة والمتنوعة لهذه الفرضية، من خلال تحليل المخاوف الإسرائيلية العميقة، واستراتيجية الاستنزاف، ودور الحرب في منع التحول الإيراني، مع الإشارة إلى نقاط القوة والضعف في هذه الاستراتيجية، وتقديم قراءة نقدية للسياسة الإيرانية في مواجهة هذا التحدي، نناقشها ضمن المحاور التالية.
المحور الأوّل: الكيانُ الصّهيوني وحرب الاستنزاف، أسباب ودوافع عميقة للحرب التي لا تنتهي
أولاً- الخوفُ من إيران القوية، وليسَ من إيران المعادية فقط:
للوهلة الأولى، قد يبدو التفسير الأكثر بديهية للدوافع الإسرائيلية من الحرب هو الخوف من التهديد العسكري الإيراني: الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، والقدرات النووية المحتملة، ونفوذ إيران في الإقليم سواء في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن عبر وكلائها. وهذه المخاوف حقيقية ولا يمكن تجاهلها.
لكن التحليل الأعمق يكشف أن إسرائيل لا تخاف فقط من القدرات الصاروخية الإيرانية، ولا من النفوذ العسكري الإيراني المباشر.. هي تخاف أكثر من اليوم الذي تتحول فيه العلاقة بين واشنطن وطهران إلى علاقة مستقرة ولو نسبياً، أو حتى إلى علاقة تفاهم بارد (رغم العداء التاريخي الباقي). لأن هذا يعني أن إسرائيل تخاف من رفع العقوبات، ومن عودة الاستثمارات وتدفق الإنتاج، ومن انفتاح الأسواق على إيران؛ تخاف من أن تستثمر إيران ثرواتها البشرية والطبيعية وموقعها الجغرافي الهائل لتصبح خلال سنوات أحد أكبر اقتصادات المنطقة وأكثرها تأثيراً وقوة وحضوراً بما يعكس قدراتها وطاقاتها الضخمة، البشرية والطبيعية والجغرافية والجيو/سياسية.. فعدد سكان حوالي 90 مليون نسمة، والنسبة الغالبة فيهم هي نسبة الشباب المتعلم تعليماً عالياً، والجامعات الإيرانية تصدر سنوياً عشرات آلاف الأبحاث العلمية، ولإيران موقع جغرافي استراتيجي متفرد، جعلها تطل على الخليج وبحر عمان وبحر قزوين، وعندها ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز، مع توفر قاعدة صناعية متطورة نسبياً، والمجتمع الإيراني متنوع وفسيفسائي وحضاري يعود لآلاف السنين. إن هذه الإمكانات، لو تم تحريرها من قيود العقوبات والحصار المستمرين منذ العام 1980 وإلى يومنا هذا، سيجعل إيران دولة تمتلك اقتصاداً كبيراً وقوياً ويمكن أن يكون من أكبر الاقتصادات في المنطقة، بل ربما في العالم.
لهذا يمكن القول بأن وجود دولة كبرى ومتنوعة وغنية ومستقرة اقتصادياً ومتصالحة مع العالم، مثل إيران، سيشكل خطراً على المشروع الصهيوني، وهو يعني أيضاً أنها (أي إيران) ستكون أقدر على توسيع نفوذها السياسي والتجاري والعلمي والعسكري من الخليج إلى كثير من الدول في المنطقة وصولاً إلى آسيا الوسطى. وهو أيضاً يعني أن تتحول إيران من دولة مشغولة بالدفاع عن نفسها إلى دولة تملك مساحة للمبادرة والفعل وصناعة التوازنات والحضور الإقليمي الفاعل والمؤثر، وربما الإشراف الفعلي على كثير من ملفات الشرق الأوسط. لأن الدولة الكبيرة بإمكانياتها وقدراتها وموقعها، من المؤكد أن يكون لها دور وحضور كبير، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والمشروع الاستراتيجي المعبر عن ذاتها الحضارية.
فهذا هو الكابوس الحقيقي للكيان العبري.. إنه كابوس وجود دولة مثل إيران عندها قدرات، ولديها مشروع نهضة، قوية لا تُستنزف، ولا تُحاصر، ولا تبقى مشغولة بالرد على الضربات؛ بل إيران تنمو، وتبني، وتستثمر، وتتحالف، وتفرض نفسها كقوة طبيعية لا يمكن تجاوزها بسهولة أكثر مما هي اليوم.
من هذا المنطلق، تصبح الحرب أداة مثالية لتحقيق أهداف إسرائيل الاستراتيجية. فالحرب الدائرة على الأراضي الإيرانية، وإن لم تكن قادرة على تدمير الدولة الإيرانية، فهي قادرة على تحقيق أهداف متعددة على صعيد:
1- الاستنزافُ الاقتصادي: الحرب تفرض على إيران نفقات عسكرية وبنيوية هائلة، يما يحول دون استثمار مواردها الضخمة في التنمية والنهضة العلمية وتحقق الاستقرار الاجتماعي المستدام. وكل دولار يُنفق على الدفاع هو دولار لا يُنفق على التعليم أو الصحة أو البنية التحتية. ومع استمرار الحرب، فقد تتزايد النفقات وتتراكم الأعباء، وتهرب الاستثمارات، وتزداد البطالة، وبالتالي يعاني الناس.
2- الاستنزافُ السّياسي: فالحرب تبقي الدولة الإيرانية في حالة تأهب دائم، وهذا يجعلها تستنزف المزيد من طاقتها السياسية في الرد على التهديدات الخارجية فقط، بدلاً من التركيز على الإصلاحات الداخلية والتنمية الشاملة.. ومع استمرار الحرب، فقد ترتفع الأصوات وتزداد الانقسامات الداخلية، وهذا ما يضعف الدعم والالتفاف الشعبي، وتتراجع قدرة النظام على المناورة السياسية.. وهذا غرض صهيوني واضح ومكشوف..
3- منعُ التّحول الاستراتيجي: الحرب تمنع إيران من الانتقال من موقع القوة الإقليمية المحاصَرة إلى موقع القوة الإقليمية الصاعدة. فهي تبقى مشغولة بالدفاع عن نفسها، بدلاً من أن تكون فاعلاً إقليمياً يملك مساحة للمبادرة وصناعة التوازنات.
4- تعزيزُ التبعية الإقليمية: حيث أن الحرب تدفعُ دول المنطقة إلى الاعتماد بشكل أكبر على مظلة الحماية الأمريكية (على الرغم من فشلها في الحرب الأخيرة في حماية ذاتها قبل أن تحمي من جاءت لحمايتهم)، وتعزّز التحالفات الإقليمية المناهضة لإيران، مما يُبقيها في حالة عزلة استراتيجية، وانكفاء داخلي..
طبعاً، من المعروف أن مصطلح أو مفهوم “الحرب الأزلية (Forever War)” ليس جديداً في الأدبيات الفكرية والاستراتيجية.. فقد سبق أن حرى استخدامه لوصف الحروب التي لا تنتهي في كل من أفغانستان والعراق اللتين طالتا وأصبحتا كأنهما غاية في ذاتها.. أي أن الحرب الدائمة كانت وما زالت وسيلة لإبقاء الخصم تحت الضغط الدائم. لكن تطبيق هذا المفهوم السياسي العسكري على الحرب مع إيران ربما يكتسب خصوصية، لأن الأهداف هنا ليست احتلالاً أو تغيير نظام، بل استنزافاً مستمراً يمنع النهضة الإيرانية الشّاملة.. وهذا المفهوم يختلفُ عن مفاهيم الحرب التقليدية (كالحرب الخاطفة، أو الحرب الشاملة، أو الحرب المحدودة) في عدة جوانب:
– غيابُ الهدف النهائي: الحرب الأزلية ليس لها هدف عسكري واضح يمكن تحقيقه (كتدمير قدرات العدو أو احتلال أراضيه). فهدفها الوحيد هو استمرار الحرب نفسها.
– التّدرّجُ في استخدام القوة: لا تهدف الحرب الأزلية إلى توجيه ضربة قاصمة قاضية، بل إلى توجيه ضربات مستمرة ومتدرّجة تبقي الخصمَ (العدو) تحت الضغط المستمر والدائم دون أن تدفعه إلى الانهيار أو إلى الرد بشكل مدمر.
– الأبعادُ المتعددة: الحرب الأزلية لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والإعلامية والنفسية. وهي حرب شاملة تهدف إلى شل القدرات الشاملة للخصم.
– الاستدامة: الحرب الأزلية مصممة لتستمر لسنوات أو عقود، وهي لا تستنزف الخصم فقط، بل قد تستنزف أيضاً من يشنها ويبادر إليها أولاً، لكن الفارق هو أن من يشنها (في هذه الحالة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء لهما من تحت الطاولة ربما).. وهؤلاء يمتلكون قدرات أكبر على تحمّل كلفتها، سواء من حيث الموارد أو من حيث الدعم الداخلي (لاحظ هنا مثلاً أن الساسة والأحزاب الصهيونية كلها لا تختلف في مضمون عدائها الوجودي لإيران، ورغبتها الدائمة في الحرب والعدوان عليها، بل الاختلاف في الشكل والإطار الخارجي فقط).
ثانياً-الخوف الإسرائيلي من عودة العلاقات بين الأمريكي الإيراني:
1-عودة العلاقات المستقرة أمريكا، كتهديد وجودي لإسرائيل:
إن ما يثير قلق إسرائيل أكثر من الصواريخ الإيرانية هو احتمال عودة العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. فهذا العودة للدبلوماسية والعلاقات الندية، إذا تحققت طبعاً ولو في المدى المنظور بعد رحيل هذه الإدارة الصهيونية الراهنة (باعتبار أن الإدارات تتغير ولا تبقى)، لن يغير فقط المعادلة الإقليمية، بل سيهدد واحداً من أهم مبررات وجود إسرائيل كحليف استراتيجي للولايات المتحدة.. فقد أقامت دولة الكيان العبري لعقود جزءاً كبيراً ومهماً من قيمتها الاستراتيجية لدى واشنطن على فكرة وجود عدو إقليمي مشترك دائم (وهو إيران)، وعلى تصوير نفسها باعتبارها الحصن المتقدم للمصالح الأمريكية في مواجهة هذا العدو. وقد استثمرت في هذه الصورة استثماراً هائلاً، وشكلت هويتها الاستراتيجية حولها.. ولهذا إذا تراجع العداء الأمريكي الإيراني، أو تحوّل إلى منافسة ندية مضبوطة بحدود مصلحية، بدلاً من صراع مفتوح، عندها ستفقد إسرائيل واحداً من أهم مبرراتها أمام أمريكا.. وعندها ستُطرح أسئلة أخرى أكثر إلحاحاً (وهي بدأت تطرح منذ فترة أمام الرأي العام، وحتى في كواليس القرار السياسي الأمريكي ومختلف أروقته السياسية الحزبية والإدارية الرسمية) من قبيل: لماذا تستمرُ واشنطن في منح إسرائيل هذا الغطاء المفتوح والدعم المادي والتسليحي الكبير المكلف لدافع الضريبة الأمريكي؟ لماذا تستمر في تبرير احتلالها وقمعها للفلسطينيين؟! ولماذا تُقدَّم إسرائيل دائماً كدولة تواجه خطراً وجودياً، إذا كان العدو الذي استخدم لتبرير هذا الخطاب قد أصبح طرفاً يمكن التفاوض والتفاهم معه؟!..
2- الخوفُ من عزل إسرائيل في المنطقة:
إن عودة العلاقات الأمريكية الإيرانية ولو بشكل مستقر وندي، سيعزل إسرائيل في المنطقة. فالدول العربية التي كانت تنظرُ إلى إيران كعدو مشترك مع إسرائيل قد تعيد حساب مواقفها، خاصة إذا شعرت بأن الولايات المتحدة تتبنى موقفاً أكثر توازناً تجاه إيران. وقد تنفتح هذه الدول على علاقات أكثر استقراراً مع إيران، مما يقلص مساحة المناورة الإسرائيلية في المنطقة.
والأكثر خطورة من وجهة النظر الإسرائيلية، أن تطبيع العلاقات الأمريكية الإيرانية قد يشجع أطرافاً أخرى (كالاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا) على تعزيز علاقاتها مع إيران بشكل أقوى مما عليه اليوم، مما يدمجها بشكل أكبر في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، ويعزز موقعها الإقليمي والدولي، مع المحافظة على مصالحها وتوازناتها الخارجية.
ثالثاً- إيران كقوة إقليمية طبيعية.. الكابوس والقلق الأكبر:
ربما يكون الكابوس الأكبر لإسرائيل هو – كما تحدثنا سابقاً – تحول إيران (كدولة مستقرة) إلى قوة إقليمية طبيعية لا يمكن تجاوزها أو تهميشها. فإيران، كما أشرنا، دولة ذات إمكانات هائلة، وهذه الإمكانات، إذا تم تحريرها واستثمارها، قادرة على تغيير ميزان القوى في المنطقة بشكل جذري دائم، مما يشكل خطراً على الكيان العبري باعتباره كياناً حربياً عدوانياً.
فإيران القوية اقتصادياً ستكون قادرة على:
1- استثمار وتنمية نفوذها الجغرافي والجيو/سياسي: فإيران تطل على مضيق هرمز، (وهو من أهم ممرات الحيوية في العالم لنقل النفط والغاز وكثير من البضائع والصناعات النوعية الأخرى)، وتمتلك حدوداً برية مع دول متعددة (15 دولة من أهمها: العراق، تركيا، أفغانستان، باكستان)، مما يمنحها موقعاً استراتيجياً فريداً، كما أنها تطل على بحر قزوين.. بما يعني أنها نقطة التقاء محورية بين ثلاث قارات (آسيا، إفريقيا، وأوروبا)، وقلب منطقة الشرق الأوسط.. وهذا ما يمنحها ثقلاً جيو/سياسياً واقتصادياً كبيراً.
- تعزيز دورها العلمي والتكنولوجي:
تمتلك إيران قاعدة علمية متطورة، بما قد يمكنها أن تصبح مركزاً إقليمياً للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، خاصة في مجالات مثل الطب، والهندسة، وتكنولوجيا المعلومات.
- توسيع نفوذها التجاري:
تستطيع إيران أن تصبح جسراً تجارياً بين آسيا الوسطى والخليج، وأن تستفيد من موقعها لتصبح مركزاً للنقل واللوجستيات الإقليمية.. فإيران تقع في قلب طرق التجارة والطاقة، وفي قلب مركز شبكة الطاقة العالمية بين بحر قزوين والخليج العربي، مما يجعلها ممراً ومعبراً استراتيجياً للطاقة والتجارة البرية العابرة للقارات.
- تعزيز دورها السياسي:
إن إيران القوية ستكون قادرة على الإشراف الفعلي على كثير من ملفات الشرق الأوسط، وستصبح لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية.
كل هذه الاحتمالات تشكل كابوساً استراتيجياً لإسرائيل، التي ترى في إيران القوية تهديداً لأمنها الوجودي، ليس بالمعنى العسكري المباشر، بل بالمعنى الاستراتيجي الأوسع.
المحورُ الثاني: قراءةٌ نقديُة للسياسة الإيرانية في مواجهة الحرب الأزلية
أولاً- وهمُ التفاوض من موقع الشعور بالضعف:
تبنّت إيران منذ فترة طويلة مساراً تفاوضياً مع أمريكا، وقد ثبت بالدليل العملي أن المسار لم يؤد إلى نتائج إيجابية ملموسة، واليوم هذا المسار لم يُبنَ على ميزان القوة الذي فرضته إيران في الميدان، بل على وهم أن تقديم التهدئة والتفاهم سيقود بالضرورة إلى رفع الضغط وإنهاء العداء. وهذه النقطة تستحق التوسع والتحليل. فإيران، منذ بداية الأزمة، اعتمدت استراتيجية تقوم على عنصرين:
– الأول هو الصمود العسكري والسياسي في ميادين الحرب وغرف إدارة عمليات السياسة والتفكير السياسي.
– والثاني هو الانفتاح التفاوضي. لكن المفارقة أن الانفتاح التفاوضي لم يكن مقروناً بتعظيم مكاسب الميدان، بل جاء غالباً من موقع ضعف، أو من موقع الرغبة في تخفيف الضغط بأي ثمن..!!.
إننا نعتقد أن هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في ظل الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تعاني منها إيران، إلا أنه يعكس سوء تقدير استراتيجي لطبيعة الخصم. فإسرائيل والإدارة السياسية الترمبية الراهنة للولايات المتحدة، لا تبحثان عن تسوية حقيقية مستدامة، بل تبحثان عن إبقاء إيران تحت الضغط لأطول فترة ممكنة. ومن ثم، فإنَّ أي تقديم للتنازلات دون تحقيق مكاسب عملية ملموسة في الميدان الاقتصادي لن يؤدي إلا إلى تشجيع الخصم على المزيد من الضغط.
ثانياً- مأزقُ الرد بدلاً من المبادرة:
النتيجة الطبيعية لهذا الموقف كانت أن إيران عادت إلى زاوية رد الفعل بدلاً من أن تستثمر لحظة قوتها لتفرض شروطاً جديدة على المنطقة والعالم. فبدلاً من أن تكون صاحبة الفعل الأول في إدارة الأزمة، أصبحت مضطرة دائماً إلى الرد على التحركات الإسرائيلية والأمريكية، مما أتاح للخصم فرصة أكبر للتحكم في إيقاع الصراع وتوقيته.
وهذا المأزق يعكس مشكلة هيكلية في السياسة الإيرانية، وهي أن النظام الإيراني، على الرغم من تمتعه بقدرات كبيرة على الصمود والثبات والمناورة، يفتقر إلى المرونة الاستراتيجية والقدرة على المبادرة في الأوقات المناسبة.. فهو يستجيب للضغوط بدلاً من أن يستبقها، ويدافع عن مواقفه بدلاً من أن يفرضها، ويتفاعل مع تحركات الخصم بدلاً من أن يتحكم فيها.
ثالثاً- دروس الماضي وإمكانيات المستقبل:
طبعاً هذا الموقف لا يعني أن السياسة الإيرانية محكوم عليها بالفشل. بالعكس، فالتاريخ يحفل بأمثلة لدول تمكنت من تحويل الهزائم الظاهرية إلى انتصارات استراتيجية، ومن تحويل الضغوط إلى فرص، ومن تحويل عزلة السياسة إلى فعالية على المستوى الإقليمي والدولي.. فروسيا بعد الحرب الباردة، والصين بعد عزلة السبعينيات، وفيتنام بعد حربها مع أمريكا، كلها نماذج لدول استطاعت أن تعيد تعريف علاقتها بالعالم من خلال صبر استراتيجي، ومرونة في التفاوض، وبناء قدرات داخلية، واستغلال الفرص الدولية. ولا شك بأن إيران تملك اليوم، رغم كل الضغوطات والصعوبات، قاعدة صلبة ضخمة طبيعية وبشرية يمكن البناء عليها، (خاصة بعدما شاهدنا هذا التأييد العارم للدولة الإيرانية ولنهجها السياسي خلال التشييع المليوني للشهيد السيد علي الخامنئي).. وهذا القواعد الصلبة للبناء الاستراتيجي الراهن والمستقبلي إضافة إلى وجود شبكة من الحلفاء الإقليميين، وقدرات عسكرية متطورة، وموقع جغرافي استراتيجي، واقتصاد تعلّم الصمود في ظل الحصار، وشعب متعلم ومثقف وصبور وشاب. وهذه العناصر، إذا تم استثمارها بحكمة، قادرة على تحويل معادلة الصراع لصالح إيران.
إن المطلوب اليوم هو تحول استراتيجي في السياسة الإيرانية: من استراتيجية رد الفعل إلى استراتيجية المبادرة، ومن التفاوض من موقع الضعف إلى التفاوض من موقع القوة، ومن التركيز على تخفيف الضغط إلى التركيز على بناء القدرات، ومن العزلة إلى الانفتاح على العالم بشروط أكثر توازناً.
المحورُ الثالث: السّيناريوهات المُحتملة لمستقبل الصّراع
أولاً- سيناريو استمرار الحرب الأزلية:
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط، حيث تستمر الحرب على إيران بوتيرتها الحالية، مع تصعيدات محدودة هنا وهناك، لكن دون حسم عسكري أو سياسي. وفي هذا السيناريو، ستواصل إيران احتواء الصدمات وتحمُّل الضغوط، مع استمرار استنزاف اقتصادها وقدراتها، بينما ستواصلُ إسرائيل والولايات المتحدة استراتيجية الاستنزاف التدريجي.
ولهذا السيناريو نقاط قوة لصالح إسرائيل، وهي: استمرار الضغط على إيران دون حرب شاملة، وعدم منحها فرصة للنهوض.. ولكن أيضاً له نقاط ضعف، هي: استمرار التكلفة الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة، واحتمال التعب الداخلي من الحرب، وإمكانية حدوث تصعيد غير متوقع، قد تزداد كلفته بشكل غير متوقع..!!.
ثانياً- سيناريو التصعيد الشامل والكلّي:
هذا سيناريو أقل ترجيحاً، لكنه يبقى ممكناً إذا ما قررت إيران الرد بشكل قوي وغير مسبوق على الضربات، أو إذا قررت إسرائيل شنّ هجوم واسع على المنشآت النووية والمدنية الإيرانية. في هذا السيناريو، قد تتحول الحرب إلى مواجهة إقليمية واسعة وشاملة، قد تصل إلى حلفاء إيران في المنطقة (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية)، وقد تخرج عن نطاق السيطرة.
نقاط القوة في هذا السيناريو لإسرائيل: إمكانية توجيه ضربة حاسمة للقدرات النووية الإيرانية، وإضعاف النظام الإيراني بشكل كبير.
نقاط الضعف: مخاطر اندلاع حرب إقليمية واسعة، واحتمال الرد الإيراني على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وارتفاع الكلفة البشرية والمادية.
ثالثاً- سيناريو التسوية السياسية:
هذا هو السيناريو الأقل ترجيحاً في الوقت الحالي، لكنه يبقى ممكناً إذا طرأت تغيرات كبرى على المعادلة السياسية، كحدوث تغيير في الإدارة الأمريكية (خسارة الجمهوريين للانتخابات النصفية وتحوّل ترامب إلى بطة عرجاء مثلاً)، أو تحول في السياسة الإيرانية، أو ظهور وساطة دولية فاعلة.. في هذا السيناريو، قد يتم التوصل إلى اتفاق شامل يشمل البرنامج النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، مع تقديم ضمانات أمنية واقتصادية لإيران.
نقاط القوة في هذا السيناريو: إنهاء الحرب والضغوط الاقتصادية، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، وفتح آفاق التعاون بين القوى الإقليمية.
نقاط الضعف: صعوبة الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، خاصة مع وجود مقاومة إسرائيلية شديدة وشرية لأي اتفاق يمنح إيران شرعية إقليمية.
خاتمة: حربٌ أبدية أم مفترق طرق استراتيجي؟
ليست الحرب على إيران، في جوهرها، صراعاً عسكرياً محدود الأهداف والأغراض، بل هي جزءٌ من استراتيجية أوسع تهدفُ إلى إبقاء إيران في حالة ضغط استنزافي مستمر ومتواصل، بحيث تعجز عن التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة (سلباً أو إيجاباً) على طبيعة موازين القوى في المنطقة. وأما إسرائيل، فهي تسعى – من خلال دفع الولايات المتحدة إلى هذه الحرب – إلى تحقيقِ أهدافٍ متعددة: استنزافٌ دائم للاقتصاد الإيراني، وإضعاف متواصل لقدراته السياسية والعسكرية، ومنع أي تطبيع في العلاقات الأمريكية الإيرانية، وضمان استمرار دورها كحليف استراتيجي لواشنطن. غير أن هذه الاستراتيجية تحملُ في طياتها عدة نقاط ضعف جوهري. فأولاً، الحرب الأزلية هي حرب لا تستنزف الخصم فحسب، بل تستنزف من يشنها أيضاً، وخاصة الولايات المتحدة التي تتحمل العبء الأكبر من التكلفة. ثانياً، هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية، فالحرب الطويلة قد توحد الإيرانيين خلف نظامهم، وتزيد من عدائهم للغرب، وتدفعهم إلى تطوير قدرات ردع جديدة. ثالثاً، الاستراتيجية قد تتعثر مع أي تحول في السياسة الأمريكية، خاصة في حال حدوث تغيير في الإدارة أو في الأولويات الاستراتيجية لواشنطن.
أما بالنسبة لإيران، فالتحدي الأكبر هو كسر منطق رد الفعل، والانتقال إلى استراتيجية مبادرة تستثمر نقاط قوتها الحالية، وتفرض شروطها على المنطقة والعالم. وهذا يتطلب تغييراً في الثقافة السياسية الإيرانية، والاعتراف بأن التفاوض من موقع ضعف لا يؤدي إلا إلى المزيد من الضعف.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد الإقليمي الراهن: هل تستمر هذه الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية، فتتحول إلى حالة دائمة من التّرقّب والاستنزاف، أم أنّ المنطقة على موعد مع مفترق طرق استراتيجي يعيد تشكيل قواعد اللعبة برمتها؟.
في الواقع، لا يمكن الجزم بجواب نهائي حاسم، فالمسألة تتشابك فيها معادلات عديدة: تطورات الميدان، والتحولات المحتملة في السياسات الأمريكية والإيرانية، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، ومدى قدرة كل طرف على تحمل كلفة الصبر في هذه المعركة الطويلة.. لكن ما لا شك فيه أن الشرق الأوسط يخضع اليوم لتحول جذري وعميق، لم يعد فيه الفصل بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا ممكناً، كما لم يعد هناك مجال لأوهام التهدئة السريعة، ولا للاستسلام لمنطق الاستنزاف المقنع.
