استئناف الحرب على إيران: أمريكا والمزيد من الغرق في المأزق الإيراني
بقلم ابتسام الشامي
في إعلانه نهاية العمل باتفاق الإطار ومن ثم العودة إلى الحرب، يأمل الرئيس الأمريكي مجدداً إخضاع إيران أو بالحد الأدنى التأثير في موقفها القوي على طاولة التفاوض، لكن استئناف العدوان مع سقف عال من التهديد بالتصعيد لم يغير في أيامه الأولى المعادلات الميدانية كما السياسية، وسط تقديرات بتعمق المأزق الأمريكي في مواجهة إيران.
استئناف الحرب
العودة إلى خيار التصعيد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ إعلان وقف اطلاق النار في الثامن من نيسان، لم يكن من خارج الحسابات والتوقعات، لاسيما في ضوء الخروقات الأمريكية المتعمدة لبنود اتفاق الإطار مع طهران ومحاولات إفراغها من مضمونها، وهو ما تجلى في الاتفاق الاسرائيلي مع السلطة اللبنانية، والاتفاق الأمريكي مع سلطنة عمان لفتح مسار جنوبي لمضيق هرمز بما يفقد طهران أحد أهم أوراق الضغط لديها، من دون أن ننسى تأليب عواصم الخليج ضدها ودفعها إلى الانخراط المباشر في الحرب تحت لافتة خطر سلاحها الباليستي وبرنامجها النووي. لكن الخيار الذي تراهن عليه الولايات المتحدة عليه لتعديل ميزان القوى على طاولة التفاوض بما يجبر إيران على تقديم تنازلات، يتفق معظم الخبراء والمحللين السياسيين على عدم جدواه بما أن القراءات السياسية التي زخرت بها الصحافة الغربية بشأن مستقبل الحرب بدت متشائمة حيال قدرة واشنطن على تحقيق إنجاز معتدٍّ به يتناسب والكلفة المتوقعة للحرب وتداعياتها السياسية على موازين القوى الإقليمية والعالمية وما خص مكانة الولايات المتحدة في غرب آسيا، ولاسيما وأنها تعود إلى الحرب مجدداً وهي في حالة من الارتباك وعدم وضوح الرؤية لكيفية انهائها.
الارتباك الأمريكي
في هذا الإطار، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالاً للمعلق ديفيد إغناطيوس، قال فيه إن وابـل الكلام الصادر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتضمن تبجحاً وغطرسة، أشبه بمفاوضات مع نفسه، فهو يعلن النصر يوماً، ثم يعلن الحرب في اليوم التالي. ويشيد بقادة إيران، ثم يصفهم بـالحثالة، ويعلن بحماقة فرض رسوم بنسبة 20٪ لحماية مضيق هرمز، ثم يتراجع عن هذا الاقتراح المتهور في اليوم التالي. ويضيف الكاتب المتحمس لاستخدام المزيد من القوة العسكرية ضد إيران، أن ترامب، واهم في أن كلامه هذا يمنحه النفوذ، وهو في الحقيقة مخطئ، لأنه يكشف عن ضعفه في نظر إيران والعالم.
وفي سياق متصل تعتبر صحيفة الغارديان في مقالة للباحث في “مركز السياسة الدولية”، سينا طوسي، إن تقديرات ترامب منفصلة عن الواقع، “فالرئيس يتصرف وكأن ساحة المعركة لم تتغير، لكن الواقع مختلف، فإيران تمتلك أوراق ضغط وتدرك ذلك جيداً”.
ويضيف الكاتب موضحاً أن “الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية من النفط مستنزفة بشكل كبير، بينما تظل مخزونات النفط العالمية شحيحة، في ظل بقاء حركة الشحن عبر مضيق هرمز عند مستويات أدنى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. والنتيجة هي تضاؤل هامش الأمان اللازم لامتصاص أي تعطل طويل الأمد لحركة الملاحة في المضيق، ما يزيد من مخاطر حدوث صدمة عالمية كبرى في قطاع الطاقة.” وعلى النقيض من التخلي عن برنامجها النووي أو غيره من أوراق الضغط مقابل تخفيف للعقوبات، يرى الكاتب أن مضيق هرمز “يمنح طهران ميزة مختلفة جوهرياً: ضمانة تقع بالكامل تحت سيطرتها المباشرة. فمن خلال توجيه الحركة التجارية عبر الممر المخصص لها، وربما إنشاء إدارة مشتركة مع جارتها البحرية عُمان لتحصيل رسوم العبور، ستتمكن إيران من ربط ازدهارها الاقتصادي – وكذلك تكلفة ممارسة الضغوط القسرية عليها – بسير الاقتصاد العالمي. صحيح أن الرؤساء الأمريكيين في المستقبل قد يتخلون عن الدبلوماسية، أو قد يعمد الكونغرس إلى تشديد العقوبات، لكن الإقدام على خطوات كهذه لن يكون بلا تكلفة اقتصادية”. ويعكس هذا الأمر بحسب الباحث نفسه “تطوراً أوسع في الفكر الاستراتيجي لطهران، إذ تمتلك إيران اليوم ثلاثة أشكال رئيسية من أوراق الضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. يتمثل الشكل الأول في قدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك ترسانة الصواريخ والمسيرات، والقدرات البحرية غير التقليدية، وشركاء مثل حزب الله والحوثيين وجماعات مسلحة في العراق.. ويتمثل العنصر الثاني في برنامج إيران النووي، الذي طالما كان ورقة المساومة الرئيسية لطهران مع واشنطن وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآتها المعلنة، لا يزال البرنامج يمنح إيران خيارات مهمة في حال قررت السعي الحثيث لامتلاك القنبلة، أما مصدر النفوذ الثالث – أي السيطرة على الممرات الاستراتيجية الحيوية للطاقة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز – فيعد عنصراً لا غنى عنه بشكل متزايد”.
ويحذّر الكاتب في مقالته أنه ما لم “تدرك الولايات المتحدة عمق التغيير الذي أحدثته الحرب في الحسابات الاستراتيجية لطهران، فإنها ستواصل التفاوض بناء على افتراضات لم تعد قائمة، وستستمر في إبرام اتفاقيات لا يؤمن أي من الطرفين حقاً بأن الطرف الآخر سيلتزم بها”.
انفصال عن الواقع
صحيفة فايننشال تايمز البريطانية استطلعت بدورها رأي مجموعة من المتخصصين والباحثين لتقديم رؤية استراتيجية لمسار الحرب بعد قرار الرئيس الأمريكي استئنافها، وتقول إن ترامب “يواجه تحديات متزايدة مع عودة التصعيد العسكري ضد إيران، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن قدرة إدارته على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، وسط مخاوف من إطالة أمد الصراع وارتفاع تكلفته الاقتصادية وانعكاساته على الانتخابات النصفية المقررة في الخريف”. مشيرة إلى أن استئناف الضربات الأمريكية المكثفة ضد أهداف إيرانية أعاد الصراع إلى الواجهة، وأثار شكوكاً بشأن وجود استراتيجية واضحة لإنهائه”.
وتنقل الصحيفة عن الخبير الاستراتيجي الجمهوري رون بونجيان قوله، إن “الواقع يشير إلى أن النزاع قد يستمر أشهراً أو حتى سنوات”، مضيفاً أن “ترامب بات يدرك أن إنهاء الأزمة لن يكون سريعاً كما كان يأمل”.
أما المتخصصة في استراتيجيات الدفاع بيكا واسر، فقد اعتبرت في حديثها مع الصحيفة أن “الاعتماد المستمر على الضربات الجوية لا يوفر حلاً دائماً”، مشيرة إلى أن سياسة “التصعيد من أجل خفض التصعيد” لم تثبت نجاحها، بينما لم تحقق الضغوط الاقتصادية النتائج المرجوة حتى الآن.
وإذ يوافق الباحث الاستراتيجي الأمريكي روبرت بيب على عدم جدوى الحرب في تحقيق إنجاز للرئيس الأمريكي يتناسب والسقوف العالية التي وضعها لأهدافها، فإنه يعتقد أن الحرب تقوّي موقع إيران وتمنحها المزيد من القدرة على التحكم في الاقتصاد العالمي. ويشرح قائلاً أنه “بحلول شهر آب، يُرجح أن تمتلك إيران ثلاثة عناصر قوة في الوقت نفسه: تنامي الثقة القومية في الداخل..استمرار قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ومواجهة خصم تتقلص تدريجيا قدرته الاقتصادية على تحمل مزيد من الاضطرابات”.
وإذا خلصت طهران إلى أن هذا المزيج يمنحها أفضل فرصة لإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، فسيكون لديها أقوى الدوافع لطرح أكثر مطالبها السياسية طموحا حتى الآن، والمتمثل في تقليص الوجود العسكري الأمريكي الدائم في الخليج. وهذا برأي الباحث الأمريكي يضع الرئيس دونالد ترامب أمام معضلة تزداد تعقيداً. “فإذا استجاب للمطالب الإيرانية وسحب القواعد الأمريكية، فسيُنظر إلى ذلك بوصفه تراجعاً استراتيجياً كبيراً جديداً، وذلك قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفية”، أما إذا رفض تلك المطالب، فإنه “يخاطر بإشعال المواجهة البحرية ذاتها في مضيق هرمز، في وقت أصبح فيه الاحتياطي النفطي الاستراتيجي أقل قدرة على امتصاص تداعياتها”. ويعتبر “بيب” أن كلا الخيارين يعزز دوافع واشنطن إلى تقويض النفوذ الإيراني قبل أن يبلغ ذروته”. ولهذا يعتقد أن شهر آب يتجه ليكون الشهر الحاسم في هذه الحرب. وأخطر ما في الأمر، وفق تقديره، “ليس مجرد احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، بل احتمال أن تقتنع كل من واشنطن وطهران بأنهما لا تستطيعان السماح للطرف الآخر بدخول شهر أيلول وهو يتمتع بنفوذ يفوق ما يمتلكه اليوم..” وعندما يعتقد الطرفان معاً أن عامل الزمن بات يصب في مصلحة التحرك الفوري لا مواصلة الانتظار، فإن احتمال المواجهة يرتفع بصورة حادة. وهذا هو المنطق الاستراتيجي الذي يحكم مسار الحرب مع إيران في المرحلة الراهنة.
خاتمة
أَنْ تمتلك دولة ما القدرة على شن الحروب بفعل تفوقها العسكري والتكنولوجي لا يعني حكماً قدرتها على تحقيق الأهداف أو التحكم بمسارتها، الحرب على إيران مثال حي حول قدرة القوى الأضعف على مواجهة عدو متغطرس يقوده غروره إلى الانفصال عن الواقع وبناء خطط عسكرية تقوم على الأمنيات لا الحقائق.
