إقليميات

اليمن يعلن معادلة “الحصار بالحصار”.. إلى أين تتجه المواجهة مع السعودية؟

بقلم نوال النونو

ويأتي خطاب السيد القائد ليرسم مرحلة جديدة من المواجهة مع النظام السعودي، فهو خطاب ثوري أعاد الشعب اليمني إلى واجهة المشهد عام 2015، وخطابات السيد الحوثي ضد السعودية، لكن الوضع الآن قد تغير، والمعادلات أيضاً قد تغيرت.

ويحمل الخطاب رسائل متعددة، فهو خطاب تعبوي للداخل اليمني، وخطاب تحذيري للنظام السعودي، وخطاب مبيناً وفاضح وكاشف للمخططات الأمريكية الصهيونية في المنطقة، وهو اعلان صريح عن انتقال الصراع مع السعودية إلى مرحلة جديدة تتجاوز قواعد الاشتباك التي حكمت مرحلة ما بعد هدنة عام 2022.

ومن خلال إعلانه معادلة “الحصار بالحصار”، ووضع المنشآت النفطية والحيوية السعودية ضمن بنك الأهداف، يكون الخطاب قد رسم ملامح استراتيجية جديدة قوامها أن استمرار الحصار على اليمن سيقابله نقل الضغوط إلى الداخل السعودي، بما يجعل كلفة الإبقاء على الوضع القائم أعلى من كلفة إنهائه.

ويأتي هذا التحول بعد أكثر من أربع سنوات من حالة “اللا حرب واللا سلم” التي أعقبت الهدنة، وهي الفترة التي تؤكد صنعاء أنها منحت خلالها الرياض فرصة كافية لإنهاء الحرب ورفع الحصار ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، غير أن تلك الفرصة، بحسب الخطاب انتهت دون نتائج، في ظل استمرار إغلاق المطارات والموانئ، ونهب الثروات النفطية والغازية، واحتلال أجزاء من الأراضي اليمنية، وإخضاع حركة السفر والتجارة وحتى دخول الدواء لما تصفه صنعاء بالوصاية السعودية.

ويقدّم السيد الحوثي توصيفاً حاداً لطبيعة المرحلة، مؤكداً أن الشعب اليمني لم يعد يقبل باستمرار سياسة التجويع والخنق الاقتصادي، وأن الخيارات أصبحت محصورة بين استعادة الحرية والسيادة والحقوق، أو القبول باستمرار الاحتلال والحصار والهيمنة الخارجية.

ومن هذا المنطلق أعلن المعادلة الجديدة بقوله: “الحصار بالحصار، وإذا اتجه العدو السعودي للتصعيد الشامل اتجهنا للتصعيد الشامل”، في رسالة تعني أن صنعاء لم تعد تفصل بين المسار العسكري والمسار الاقتصادي، وأن أدوات الرد المقبلة لن تقتصر على الجانب العسكري التقليدي.

ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة لأنه يأتي بعد أيام فقط من القصف السعودية لمطار صنعاء الدولي، ومحاولة منع طائرة إيرانية من الهبوط في المطار، بحجة عدم أخذ تصريح من المملكة، رغم أن الطائرة كانت تحمل وفد رسمي يمني كان عائداً من المشاركة في مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الشهيد علي الخامنئي، وكادت المغامرة السعودية أن تسقط الطائرة وتقتل جميع ركابها، وهم مسؤولون يمنيون على أعلى مستوى.

لا قبول باستمرار الحصار أبداً

ويربط السيد عبد الملك الحوثي بين تلك الحادثة وبين الخطوات المقبلة، معتبراً أن السعودية لا تزال تتعامل مع المطارات والموانئ اليمنية باعتبارها ملفاً خاضعاً لإذنها المباشر، وهو ما وصفه بأنه اعتداء على أبسط الحقوق السيادية للشعب اليمني.

ويأتي التذكير باستهداف المنشآت النفطية السعودية بوقائع سابقة، فقد سبق للشعب اليمني أن أقدم على استهداف منشآت أرامكو في أعوام سابقة، لكنه يختلف عنها في أنه يربط هذه المرة بصورة مباشرة بين استمرار الحصار الاقتصادي على اليمن واستهداف البنية الاقتصادية السعودية، بما يعني أن قطاع الطاقة أصبح جزءاً من معادلة الردع الجديدة.

ويعيد السيد القائد تثبيت معادلات الرد التي سبق أن أعلنها في أكثر من مناسبة، مؤكداً أن “مطار صنعاء بمطار الرياض، والمطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”، في إشارة إلى أن صنعاء باتت تعتبر استمرار تعطيل مطار صنعاء والموانئ اليمنية مبرراً مشروعاً لاستهداف منشآت مماثلة داخل السعودية إذا استمر التصعيد.

وفي المقابل، حرص الخطاب على إظهار أن صنعاء لا تغلق باب الحلول السياسية، لكنها تشترط أن تقوم على إنهاء الحصار والاحتلال واحترام السيادة اليمنية، مؤكداً أنها لم تعد ترى أي مؤشرات على وجود إرادة سعودية حقيقية للتسوية، وأن كل ما جرى خلال السنوات الماضية لم يؤد إلا إلى إطالة أمد الأزمة، بينما استمرت معاناة ملايين اليمنيين نتيجة القيود المفروضة على السفر والعلاج والتجارة والرواتب والثروات الوطنية. ويربط السيد عبد الملك بين الحضور الجماهيري وبين مفهوم الحرية والسيادة، مؤكداً أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمطالب الاقتصادية، بقدر ما أصبحت معركة كرامة ورفض لأي شكل من أشكال الوصاية الخارجية.

وفي الوقت ذاته، وجّه الخطاب رسائل متعددة إلى الداخل والخارج، فعلى المستوى الداخلي، شدد على أن الشعب اليمني أثبت خلال سنوات الحرب أنه مستعد لتحمل التضحيات دفاعاً عن حريته واستقلاله، وأن خيار الاستسلام لم يكن مطروحاً منذ اليوم الأول للعدوان.

 أما خارجياً، فقد حمّل السعودية مسؤولية إدخال المنطقة في مرحلة أكثر خطورة إذا أصرت على استمرار الحصار، مؤكداً أن الرياض هي التي تضع نفسها في موقع المعتدي، وأن صنعاء ستتعامل مع ذلك وفق قاعدة المعاملة بالمثل.

وتكشف مضامين الخطاب أن صنعاء تعمل على الانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس إلى مرحلة فرض معادلات ردع اقتصادية وسيادية، مستندة إلى ما تعتبره تطوراً في قدراتها العسكرية، وإلى الخبرة التي اكتسبتها خلال سنوات المواجهة، فضلاً عن ثقتها بأن استهداف المنشآت الاقتصادية الحساسة يمثل أحد أكثر أدوات الضغط تأثيراً على صانع القرار السعودي.

وبذلك، يمكن القول إن الخطاب يؤسس لمرحلة جديدة في الصراع، عنوانها ربط الأمن الاقتصادي السعودي بإنهاء الحصار المفروض على اليمن، فإذا كانت مرحلة ما بعد هدنة 2022 اتسمت بإدارة الصراع عبر التهدئة والمفاوضات والضغوط السياسية، فإن الخطاب الأخير يشير إلى أن صنعاء تعلن انتهاء تلك المرحلة، وتلوّح بالعودة إلى استخدام القوة بصورة أوسع إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وعليه، فإن المسار المقبل يبدو مفتوحاً على احتمالين رئيسيين: الأول، أن تستجيب الرياض للرسائل اليمنية وتعود إلى مسار تفاوضي يفضي إلى رفع الحصار ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.

أما الثاني، وهو الاحتمال الذي توحي به نبرة الخطاب، فيتمثل في انتقال الصراع إلى مرحلة تصعيد متبادل، تكون فيها المنشآت النفطية والمطارات والموانئ والبنية الاقتصادية السعودية في صلب معادلة “الحصار بالحصار”، بما ينذر بجولة جديدة قد تكون الأكثر حساسية منذ توقف الغارات السعودية الواسعة على اليمن عام 2022.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *