تزاحم المسارين الأمريكي والأممي لحل الأزمة الليبية
بقلم توفيق المديني
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية منذ مدَّةٍ التحرك من أجل حلحلة الأزمة الليبية، وكسر الجمود السياسي المستمر منذ سنواتٍ. فالمفاوضات التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي وتوحيد المؤسسة العسكرية وتشكيل سلطة جديدة..
هذه المفاوضات أعادت خلط الأوراق بين مختلف القوى السياسية والعسكرية، وفتحت الباب أمام تساؤلاتٍ بشأن فرص نجاح هذا المسار، وما إذا كان سيقود إلى تسوية طال انتظارها أم إلى جولة جديدة من الصراع على النفوذ.
فلا تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام السياسي والمؤسساتي منذ سنوات، حيث تتقاسم السلطة حكومتان متنافستان؛ الأولى حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس، التي تدير مناطق الغرب الليبي وتحظى باعتراف دولي، والثانية حكومة عينها مجلس النواب مطلع عام 2022 وتتخذ من بنغازي مقرا لها، وتدير مناطق الشرق ومعظم الجنوب. كما ينقسم المشهد العسكري بين القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر في شرق البلاد، والقوات العسكرية والأمنية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب.
وفي هذا السياق، بدأت مواقف القوى السياسية والاجتماعية الليبية تتبلور بصورة أوضح تجاه هذه المبادرة الأمريكية التي يقوها مسعد بولس، بين أطراف ترى فيه فرصة لتحريك الجمود السياسي، وأخرى تربط دعمه بضمانات وشروط محددة، فيما ترفض قوى التعاطي معه قبل إعلان تفاصيله في وثيقة رسمية.
وتسارعت وتيرة هذا الحراك الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، مع جولة أجراها المستشار الأمريكي مسعد في بنغازي وطرابلس ومصراتة والزنتان، شملت لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين واقتصاديين، بالتزامن مع مشاورات في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ولقاء مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، في وقت لم تُنشر فيه حتى الآن أي وثيقة رسمية تتضمن تفاصيل المبادرة أو خارطة الطريق المقترحة.
كيف تنظر القوى السياسية المختلفة إلى المبادرة الأمريكية؟
لا شك أنَّ المبادرة الأمريكية خلقتْ زَخْماً سياسياً، لكنَّ خلف هذا الزخم السياسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. وبحسب ما تتداوله أوساط سياسية وإعلامية ليبية، فإنَّ المبادرة تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر دمج حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي برئاسة أسامة حماد، في حكومة موحدة يرأسها الدبيبة، مقابل تشكيل مجلس رئاسي جديد يتولى رئاسته صدام حفتر. ولم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي من واشنطن أو الأطراف الليبية يؤكد تبني هذه الصيغة أو تفاصيلها النهائية.
غير أنَّ التفاعلات التي أثارتها مبادرة بولس كشفت استمرار التباينات بين القوى الليبية، في وقتٍ لا يزال فيه الموقف الإقليمي والدولي من مخرجاتها النهائية غير محسومٍ. ويؤكد المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أنَّ المبادرة الأمريكية “أعادتْ هندسة التحالفات في ليبيا”، لكنَّه يلفت إلى أنَّ “هذه التحالفات لم تصبح ثابتةً أو متماسكةً حتى الآن”.
ويرى محمد محفوظ أنَّ الضغوط المرتبطة بالبقاء في السلطة هي العامل الأساسي الذي يحرّك معظم الأطراف الليبية، مشيراً إلى أنَّ “الحديث المتزايد عن صيغة سياسية تتمحور حول رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ونائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر يثير قلق قوى عديدة في الشرق والغرب”.
أولاً: القوى المعارضة للمبادرة
أثارت تصريحات مفتي عام ليبيا، الشيخ الدكتور الصادق الغرياني، بشأن مبادرة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية مسعد بولس لحل الأزمة السياسية في البلاد، جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، بعد أن قدّم قراءة شديدة اللهجة للمبادرة وربطها بسياقات إقليمية ودولية، معتبراً أنها لا تنفصل ـ بحسب تعبيره ـ عن ترتيبات تهدف إلى إعادة إنتاج المشهد الليبي ضمن حالة من الانقسام المستمر.
وقال الغرياني، في برنامج “الإسلام والحياة” الذي بُث مطلع يوليو/تموز 2026، إنَّ ما وصفها بـ “صفقة بولس” تمثل “تسليماً لليبيا إلى عميل جديد لمدة أربعين عاماً أخرى”، على حد قوله، مضيفاً أنَّ هذه الصيغة تأتي بعد مرحلة سابقة ارتبطت بحكم معمر القذافي، الذي اعتبره جزءاً من منظومة وظيفية ضمن توازنات دولية، ساهمت ـ وفق رؤيته ـ في إبقاء ليبيا دولة ضعيفة ومؤسساتها هشة.
وفي تصعيد لافت في خطابه، أضاف المفتي أن هذه المبادرة “جزء من أمن “إسرائيل” لضمان استمرار الفوضى لمدة 40 سنة أخرى”، معتبراً أنَّ “صفقة بولس هي ارتهان لمصير ليبيا لعقودٍ جديدةٍ”، في إشارة إلى ما يراه امتداداً لتدخلات خارجية تهدف إلى منع استقرار الدولة الليبية وإبقائها في حالة هشاشة سياسية وأمنية.
في المقابل، تبدي مدينة مصراتة تحفظاً على المبادرة بصيغتها الحالية، مع التأكيد على الترحيب بأي جهد يقود إلى توافق وطني. وقال رئيس مجلس حكماء وأعيان المدينة محمد الرجوبي في تصريح للجزيرة نت إنَّ المجلس لم يتلق حتى الآن أي وثيقة مكتوبة تتضمن تفاصيلها، مشيراً إلى أنَّ ما يجري تداوله لا يزال في إطار مشاورات واتصالات تهدف إلى بلورة تصور للحل السياسي، وليس مبادرة متكاملة يمكن الحكم عليها. وأكد أنَّ أي مبادرة لا تنص بوضوح على الاستفتاء على مشروع الدستور ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، لا يمكن اعتبارها مدخلا لإنهاء الانقسام السياسي، مضيفا أن غياب رؤية مكتوبة يجعل من الصعب مناقشتها أو التوافق بشأنها، متسائلا: “إذا لم تكن هناك وثيقة واضحة، فما الذي سنناقشه، وعلى أي أساس سنتوافق؟”.
ويعزز هذا الموقف ما كشفه المحلل السياسي فيصل الشريف في حديث للجزيرة نت إذ قال إن زيارة بولس إلى مصراتة “لم تكن إيجابية”، بعدما أبلغ من التقاهم بأنه لا يملك مبادرة أمريكية مكتوبة، في حين طالبه الحاضرون بعرض وثيقة تتضمن تفاصيل التصور المطروح. وأضاف الشريف أن المجتمعين أبلغوا بولس رفضهم أي ترتيبات انتقالية تمنح مواقع سياسية أو عسكرية لشخصيات وردت أسماؤها في تقارير دولية تتعلق بانتهاكات أو بجرائم تهريب النفط، معتبراً أنَّ هذه المواقف تعكس حجم التعقيدات التي تواجه المسار الأمريكي.
ورجح أن يواجه هذا المسار صعوبات متزايدة قد تدفع نحو تشكيل لجنة حوار جديدة بدلا من المضي في الصيغة المتداولة، مشيرا إلى أن واشنطن تركز حاليا على الملفات الاقتصادية، وفي مقدمتها توحيد الموازنة العامة، إلى جانب تهيئة بيئة مستقرة تسمح بتوسيع الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط.
ثانياً: القوى الداعمة للمبادرة
يتصدر معسكر شرق ليبيا قائمة المؤيدين للمبادرة الأمريكية، بعدما أعلنت القيادة العامة دعمها له، وأيّد مجلس النواب المبادرة باعتبارها “فرصة لتحريك العملية السياسية”، كما انضم رئيس حزب الوطن عبد الحكيم بلحاج إليهم، داعيا إلى التعاطي الإيجابي معها، ومطالبا حكومة الوحدة الوطنية بإعلان موقف واضح وتحديد الضمانات اللازمة لإنجاحها.
وبينما تتسارع الاتصالات المحلية والدولية لدعم المبادرة، تبدو الخريطة السياسية الليبية في حالة إعادة تشكل مستمرة، مع ظهور تحالفات جديدة وتراجع أخرى، في مشهد لا تزال تحكمه توازنات معقدة ومصالح متشابكة.
فقد أعلنت القيادة العامة للجيش الوطني ترحيبها بالمبادرة الأمريكية “المميزة والفريدة” و”انخراطها في مفاوضات بشأن تفاصيلها”، بعدما حصلت، وفق بيانها، على ضمانات تتعلق بـ “دورها والحفاظ على مكتسباتها”. وبعد ساعات، صدر بيان آخر ممهور بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، يعلن اعتماد “وثيقة مبادئ تشكل خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية”، وتتضمن تعهدات بالتوافق على القوانين الانتخابية والبدء في إجراء الاستحقاقات خلال شباط/فبراير المقبل.
يتفق الخبراء والمحللون الليبيون أنَّ المبادرة الأمريكية لا بد أنْ تفرز أطرافاً رابحة وأخرى خاسرة ترفع تلقائياً احتمالات الصدام المسلح، لذلك حرصت المبادرة على تجنب فرض حلول حادة أو إقصائية، والسعي إلى مقاربات تستوعب أكبر عدد ممكن من القوى الفاعلة. ويعتقد هؤلاء الخبراء أنَّ عودة الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي تمثل فرصة لإحداث تغيير في المشهد، لأن استمرار الوضع القائم ينذر بمزيد من التعقيدات وقد يهدد وحدة البلاد.
ويبقى السؤال المطروح: هل تقود إعادة هندسة التحالفات الجارية إلى تسوية سياسية تنهي سنوات الانقسام، أم أن إعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة ستفتح الباب أمام مواجهة جديدة في بلد لم يغادر بعد دوامة الأزمات المتلاحقة؟.
وبرأي المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني، إن واشنطن انتقلت من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة “هندسة توازن سياسي جديد”، يقوم على إنتاج سلطة تنفيذية أكثر استقرارا، وبناء تفاهمات أمنية واقتصادية تسبق الاتفاق السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن الاتفاقات السياسية وحدها لم تنجح في تحقيق الاستقرار. وأضاف أن المبادرة لا تزال تفتقر إلى عنصرين أساسيين: توافق ليبي واسع، وضمانات حقيقية لتنفيذ أي اتفاق.
ماهي التحدِّيات التي تواجه المبادرة الأمريكية؟
تواجه المبادرة الأمريكية تحدِّياتٍ حقيقيةٍ من أجل إنجاحها، وأولها عدم تجاوز القبائل الليبية المتمركزة في الجنوب: إِذْ إِنَّ مصراتة لم تعدْ تتحرك باعتبارها مدينة أو كتلة عسكرية فقط، بل أصبحت فاعلاً وطنياً يسعى إلى حماية مصالحه داخل أي ترتيبات جديدة، فيما تحول إقليم فزان إلى مركز رئيسي في معادلة الأمن الإقليمي، بما يحمله من أهمية في ملفات الحدود والهجرة والموارد الطبيعية. ويعْكِسُ تركيز بولس على لقاء المؤسسات الاقتصادية والأمنية أكثر من الأجسام السياسية التقليدية إدراكاً أمريكياً بأنَّ مراكز القوة الفعلية أصبحت خارج المؤسسات التي تراجعت شرعيتها خلال السنوات الماضية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الاتفاق، وإنما في بناء توافق ليبي يمنحه شرعية التنفيذ، لأنَّ نجاح أي مبادرة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو حجم الدعم الدولي، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة تتعلق بضمان تنفيذ الاتفاق، وتوحيد المؤسسات، وتوزيع السلطة والثروة، ومعالجة مخاوف الأقاليم والقوى المحلية.
وثانيها: توحيد المؤسسة العسكرية الليبية: في سياق الأزمة الليبية المستمرة منذ عقد ونيف بسبب الانقسام الحاد في المشهد السياسي الليبي بين حكومة طرابلس وحكومة الشرق المستقرة في بنغازي، والتي تتزاحم فيها مسارات الحل، وعلى رأسها المساران الأمريكي والأممي عقد رئيس الأركان العامة التابع للمجلس الرئاسي الليبي، الفريق صلاح النمروش، ورئيس الأركان التابع لـ “القيادة العامة” في شرق البلاد، الفريق خالد حفتر، يوم الأحد 12 تموز/يوايو2026، اجتماعاً في مدينة سرت، وسط البلاد، لمناقشة سبل توحيد المؤسسة العسكرية. وجرى الاجتماع، الذي يعد اللقاء الرسمي الأول بينهما، برعاية البعثة الأممية وبحضور اللجنة العسكرية الليبية المشتركة(5+5).
وعقب الاجتماع، نشرت رئاسة الأركان العامة التابعة للمجلس الرئاسي بياناً، أكدت فيه أن النمروش وحفتر اتفقا على “تنظيم تمرين تعبوي موحد بمشاركة منتسبي الجيش الليبي في إحدى مناطق الجنوب”، في إطار تعزيز الجاهزية وترسيخ التعاون بين مختلف الوحدات العسكرية. من جانبه، أصدر المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، بياناً رحب فيه بانعقاد الاجتماع، معتبراً أنه “خطوة مهمة” في استمرار “الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الحوار العسكري، والبناء على ما تحقق من تفاهمات وثقة متبادلة بما يدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية”.
وأكد المجلس أنّ توحيد المؤسسة العسكرية “يشكل أولوية وطنية وركيزة أساسية لاستكمال توحيد مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف لإنجاز الاستحقاقات الوطنية، بما يخدم وحدة ليبيا وسيادتها” .ومن جانبه، نشر صدام حفتر، نائب “القيادة العامة” في شرق البلاد، تدوينة على حسابه بمنصة فيسبوك، رحب فيها بالاجتماع، مشيداً بـ”الأجواء الإيجابية التي سادت هذا اللقاء، وما عكسته من روح المسؤولية الوطنية والحرص الصادق على تغليب المصلحة العليا للوطن”، وأشار حفتر إلى أن “هذا اللقاء يأتي في سياق المساعي الوطنية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام، بدعم من الشركاء الدوليين”، مثمناً الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بما في ذلك القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “في مساندة المساعي الهادفة إلى بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة ومهنية، بما يعزز أمن ليبيا واستقرارها ويحفظ سيادتها ووحدة أراضيها”.
خاتمة: تحتاج القوى السياسية الليبية الفاعلة إلى انتهاج العقلانية السياسية، وتقديم التنازلات المتبادلة، في سبيل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية الليبية الجديدة، لتحقيق انتظارات الشعب في الانتقال الديمقراطي السليم، بعيداً عن نهج الوصاية الدولية.
