إقليميات

من الخليج الفارسي إلى جنوب لبنان… هل تبحث واشنطن عن انتصار أم عن مخرج يحفظ هيبتها؟

بقلم زينب عدنان زراقط

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التصعيد المتسارع في المنطقة، من الخليج الفارسي مروراً بالمواجهة مع إيران وصولاً إلى التحركات المتزايدة في لبنان، لا يمكن قراءته باعتباره سلسلة أحداث منفصلة، بل كجزء من مشهد إقليمي واسع تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتحول فيه الجبهات العسكرية إلى أدوات ضغط في معركة أكبر عنوانها: من يكتب شكل المرحلة المقبلة؟.

فبينما تحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة، تبدو أمام معادلة معقدة: مواجهة لا تريد أن تتحول إلى حرب مفتوحة، وانسحاب لا تريد أن يظهر كخضوع أو هزيمة، وخصوم يسعون إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على تقليص الدور الأمريكي وإعادة تعريف قواعد الاشتباك.

أولاً: ردود الفعل الأمريكية…

بين صدمة المشهد الإيراني ومحاولة استعادة زمام المبادرة إن سرعة ردود الفعل الأمريكية عقب تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، وما أعقبها من تنصل من معاهدة الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية، تكشف حجم القلق الأمريكي من المشهد الشعبي الإيراني الواسع، حيث ظهرت حشود مليونيه موالية لخط الإمام، رفعت شعارات الثأر من القتلة، في دليلٍ على عجز واشنطن عن زحزحة المجتمع الإيراني عن “خط الولاية وعقيدته”.

كما أن ظهور عدد من القادة الإيرانيين بشكل علني خلال مراسم التشييع، على الرغم من التهديدات والضغوط، اعتُبر مؤشراً على أن الضربات السياسية والعسكرية لم تحقق الهدف المعلن منها، وأن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة: إيران لم تنهَر، والقدرة على فرض شروط أحادية باتت أكثر صعوبة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدرك فعلاً أن الوصول إلى نهاية مستقرة يتطلب التعامل مع الشروط الإيرانية، وأن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات يواجه تحديات متزايدة. فهل يحاول استبدال مرارة الطرد بمشهد آخر، يدفع فيه القواعد الأمريكية في الخليج إلى واجهة المواجهة، فتُستهدف وتُدمَّر، ليقال إن الانسحاب كان نتيجة الحرب، لا نتيجة الإذعان لإيران؟ في مواجهة قد لا تكون مرتبطة فقط بتحقيق مكاسب ميدانية، بل بمحاولة إعادة صياغة صورة النهاية، بحيث لا تظهر الولايات المتحدة وكأنها خرجت مرغمة من المنطقة.

وفي الإطار نفسه، فإن محاولة الإدارة الأمريكية تحميل دول الخليج مسؤولية تعويض إيران عن خسائر الحرب، تحت ذريعة أن المواجهة جاءت لحمايتها من “الخطر الإيراني”، تُقرأ باعتبارها محاولة للالتفاف على نتائج الصراع، ونقل تكلفته السياسية والاقتصادية إلى الحلفاء الإقليميين. وفي السياق ذاته، يثير الموقف السعودي تساؤلات حول طبيعة الحسابات التي دفعت الرياض إلى الانخراط في مسارات تتقاطع مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، سواء في ملف اعتراض الطائرة الإيرانية التي كسرت الحصار الجوي المفروض على اليمن وهبطت في مطار الحديدة، أو في ملف التطبيع وشروطه.

إلا أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً مع حساسية التوقيت السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي قد تؤثر على قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير قراراتها أو الحفاظ على الدعم السياسي اللازم لأي تصعيد إضافي. كما أن أي خطوة تصعيدية واسعة قد تفتح الباب أمام تداعيات غير محسوبة على الحلفاء الأمريكيين في المنطقة، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والأمني، ووجود أوراق ضغط مقابلة مثل مضيق هرمز وباب المندب. فهذا المسار، على الرغم مما قد يحمله من مكاسب سياسية لبعض الأطراف، قد يفتح في المقابل أبواباً لتداعيات أمنية واقتصادية، خصوصاً مع التهديدات المرتبطة بإغلاق الممرات البحرية الحيوية، وما يمكن أن ينتج عنه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية مفادها أن واشنطن قد تلجأ إلى عملية عسكرية محدودة في الخليج الفارسي لتعويض تعثّرها السياسي وإعادة إنتاج صورة القوة، إلا أن أي محاولة من هذا النوع قد تتحول إلى مغامرة عالية الكلفة، في ظل الاستعدادات الدفاعية الإيرانية التي قد تجعل من أي إنزال أمريكي مصيدة عسكرية بدلاً من أن يكون نصراً إعلامياً.

ومن هنا تطرح الأسئلة نفسها: هل تبحث واشنطن عن تحقيق انتصار حقيقي، أم عن صيغة خروج تحفظ الهيبة السياسية؟ وهل تتحول دول الخليج إلى طرف يتحمل تكلفة تسويات ما بعد الحرب؟ وهل يصبح التطبيع ورقة تعويض سياسي عن تراجع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة؟.

ثانياً: التصعيد مع إيران.. ورقة ضغط أم مدخل لإعادة ترتيب المنطقة؟

بعيداً عن شكل المواجهة العسكرية، فإن جوهر الصراع لا يبدو محصوراً في الضربات المتبادلة، بل يرتبط بمحاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي وفرض قواعد جديدة قبل أي تسوية محتملة. فإن التصعيد لا يُفهم باعتباره استعداداً لحرب شاملة فقط، بل كأداة لإدارة التوازنات، بحيث تستخدم الأطراف القوة العسكرية من أجل تعديل شروط التفاوض وتحقيق مكاسب سياسية قبل العودة إلى طاولة الحوار. وفي هذا الإطار، يحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية.

فإغلاق المضيق أو فرض قيود على الملاحة فيه لا يُنظر إليه فقط كإجراء عسكري، بل كرسالة سياسية مرتبطة بضرورة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها قبل الانتقال إلى مراحل أخرى من أي تفاهمات. فإن الخلاف لم يكن حول حرية الملاحة فقط، بل حول ترتيب الخطوات: هل تُنفذ الالتزامات بالتوازي، أم أن هناك بنوداً يجب أن تسبق غيرها؟

وفي المقابل، تواجه إيران نقاشاً داخلياً متزايداً حول مستقبل سياستها الدفاعية، خاصة مع تصاعد أصوات ترى أن الضمانات الدولية لم تعد كافية لحماية الأمن القومي، وأن استمرار الضغوط قد يفرض مراجعة بعض الخيارات الاستراتيجية. وأهمّها مسألة العلاقة مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إذ يرى بعض التيارات داخل إيران أن استمرار التهديدات الخارجية قد يعيد طرح سؤال الردع النووي باعتباره خياراً دفاعياً، بينما يحذر آخرون من أن مثل هذه الخطوة قد تفتح مواجهة دولية أوسع. وبذلك تصبح المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد: واشنطن تريد منع تحول إيران إلى قوة إقليمية أكثر استقلالية، وطهران تريد تثبيت معادلة ردع تمنع تكرار الضغوط السابقة، وبين الطرفين تتحرك ملفات الخليج ولبنان وسوريا ضمن صراع أكبر على شكل النظام الإقليمي المقبل.

ثالثاً: لبنان.. هل يتحول الجنوب إلى مساحة إعادة توزيع النفوذ؟

إذا كان التصعيد مع إيران يمثل الواجهة العسكرية الأبرز للمشهد الإقليمي، فإن لبنان يبدو الساحة السياسية التي قد تشهد إعادة ترتيب أوسع لمعادلات النفوذ، خصوصاً في ظل الحديث عن مرحلة ما بعد المواجهة واحتمالات إعادة تشكيل الوضع في الجنوب اللبناني.

فثمة تصور يرى أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى مقاربة مختلفة في لبنان، لا تعتمد فقط على أدوات الضغط العسكري أو المواجهة المباشرة، بل على توسيع حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، بما يسمح لها بالانتقال من دور الطرف الداعم إلى دور الطرف المؤثر في تفاصيل المرحلة المقبلة. وبحسب هذا السيناريو، فإن الدخول الأمريكي إلى الجنوب قد لا يأتي تحت عنوان عسكري صريح، بل عبر عناوين متعددة مثل دعم الاستقرار، والمساهمة في إعادة الإعمار، وتأمين عودة السكان إلى المناطق المتضررة، والمشاركة في مشاريع اقتصادية وتنموية. ومن هنا، فإن ملف إعادة الإعمار قد يتحول إلى أداة سياسية بقدر ما هو ملف إنساني، إذ إن القدرة على إعادة الناس إلى منازلهم، وتأمين الخدمات الأساسية، وترميم المناطق المتضررة، قد تمنح الطرف الذي يقوم بذلك نفوذاً يتجاوز الحدود العسكرية التقليدية. علماً أنَّ الدافع الأمريكي في لبنان يتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، إذ يُنظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه بوابة لمشروع استثماري واسع يرتبط بملف النفط والغاز في البحر، وأن تثبيت الاستقرار في تلك المنطقة يشكل شرطاً أساسياً لتهيئة بيئة آمنة لاستثمار الثروات البحرية وإعادة رسم الخريطة الاقتصادية لشرق المتوسط. وبذلك، قد تسعى واشنطن إلى تقديم هذا المسار بوصفه مدخلاً لإنجاز تفاهم أوسع مع إيران، يتيح الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة تثبيت الترتيبات السياسية والاقتصادية الجديدة في المنطقة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الحديث عن وجود أمريكي في الجنوب باعتباره محاولة لإنشاء واقع جديد: وجود يواكب الجيش اللبناني، يراقب خطوط التماس، يساهم في تثبيت الهدوء، ويمنح واشنطن موطئ قدم مباشراً في منطقة كانت لفترة طويلة خارج نطاق استثماراتها الاقتصادية. لكن هذا السيناريو لا يخلو من تعقيدات كبيرة، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل. ففي حال توسع الدور الأمريكي في الجنوب، قد تظهر تناقضات بين الأولويات الأمريكية والإسرائيلية؛ إذ قد تنظر تل أبيب إلى أي حضور أمريكي واسع باعتباره عاملاً يحد من حرية حركتها العسكرية، خصوصاً إذا تحول الدور الأمريكي من مجرد تنسيق إلى طرف يفرض قواعد جديدة للاشتباك. فالولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تريد ضمان أمن إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تقديم صورة عن قدرتها على فرض الاستقرار وكسب ثقة الأطراف المحلية، للمباشرة بعقد صفقاتها الاقتصادية. وهنا قد يبدأ نوع جديد من الاحتكاك غير المباشر بين واشنطن وتل أبيب، عبر اختلاف الأولويات حول كيفية إدارة الجنوب اللبناني.

فإسرائيل قد ترى أن الحل يكمن في استمرار الضغط العسكري ومنع عودة أي قوة تعتبرها تهديداً لها، بينما قد ترى واشنطن أن تثبيت الاستقرار يحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على الاحتواء وإعادة بناء الواقع السياسي والاجتماعي، ومكاسبها الاستثمارية الاقتصادية. أما الولايات المتحدة، إذا دخلت بهذا الشكل، ستكون أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل وجودها إلى عامل استقرار، أم أن حضورها سيُقرأ باعتباره محاولة لإعادة فرض نفوذ خارجي جديد؟ ولهذا فإن نجاح أي مقاربة أمريكية في الجنوب لن يعتمد فقط على القوة العسكرية أو الانتشار الميداني، بل على القدرة على إنتاج صيغة مقبولة محلياً وإقليمياً.

وبذلك، قد تتحول المرحلة المقبلة من معركة السلاح إلى معركة النفوذ الاقتصادي، حيث يصبح تثبيت الحضور الأمريكي في ملف النفط والغاز اللبناني هدفاً بحد ذاته، بما يمنح واشنطن مكسباً اقتصادياً واستراتيجياً يمكن تسويقه بوصفه انتصاراً سياسياً يعوض تعثرها في ساحات المواجهة، ويهيئ في الوقت ذاته الظروف اللازمة لإتمام الاتفاق مع إيران دون أن تبدو في موقع المتراجع.

في الختام، إن إيران لن تخرج من المواجهة بمجرد الحفاظ على موقعها السياسي، بل نجحت في تثبيت معادلة جديدة تقوم على أن النفوذ الإقليمي لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، وإنما بالقدرة على التحكم بأوراق استراتيجية تمس العالم بأسره، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة الدولية.

أمام هذا الواقع، قد لا يكون الخيار الأمريكي المقبل استمرار المواجهة المفتوحة، بل البحث عن مخرج يعيد تقديم المشهد بصورة مختلفة. فبدلاً من انسحاب عسكري يظهر كإقرار بتراجع النفوذ، قد تتجه واشنطن إلى إعادة تعريف حضورها: خروج القواعد والانتشار المباشر، مقابل البقاء عبر الاقتصاد والاستثمار والتحكم بمسارات التنمية والطاقة.

ومن هنا، يصبح لبنان إحدى الساحات الأساسية في هذه المعادلة الجديدة. فبعد أن تعذر حسم الصراع بالوسائل العسكرية، قد تنتقل المعركة إلى مساحة أخرى: من يملك مفاتيح إعادة الإعمار، ومن يدير ملف الثروات البحرية، ومن يحدد شكل الاستثمار في النفط والغاز اللبناني. فلبنان، بما يمتلكه من موارد بحرية وموقع جغرافي حساس، قد يتحول إلى ساحة اختبار لمحاولة أمريكية لتحويل النفوذ العسكري المتراجع إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد.

وبهذا المعنى، قد تجد واشنطن نفسها أمام صيغة جديدة تسمح لها بالالتفاف على أحد أبرز شروط المرحلة المقبلة: إنهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة. فالجندي قد يغادر، والقواعد قد تُغلق، لكن النفوذ يمكن أن يعود عبر الشركات، والاستثمارات، والاتفاقيات الاقتصادية.

وهكذا تكون إيران قد فرضت معادلة الردع وأثبتت أن المنطقة لم تعد تُدار من طرف واحد، بينما تحاول الولايات المتحدة الانتقال من عصر القواعد العسكرية إلى عصر النفوذ الاقتصادي، في محاولة للحفاظ على موقعها داخل نظام إقليمي جديد لم تعد واشنطن وحدها من يحدد قواعده.

إلا أن عامل الوقت قد لا يكون في مصلحة واشنطن؛ فكل يوم يمر دون حسم سياسي أو عسكري يراكم كلفة المواجهة ويضيّق هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية، فيما تقترب نقطة الفصل الحقيقية المتمثلة في الانتخابات المقبلة، وما يسبقها من معركة سياسية وانتخابية سيكون على ترامب خوضها وإقناع الناخب الأمريكي بأنه لم يخرج من هذه المواجهة بصورة المتراجع، بل بصورة القائد الذي استطاع تحويل الخسارة الاستراتيجية إلى تسوية تحفظ ماء الوجه وتمنحه ورقة انتخابية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *