فضاءات فكرية

شعوبُ المنطقة بينَ الارتهان والتّبعية وطموح النّهوض والازدهار صراعُ الهويُة والمَصير في عالمٍ متغير يتقوم بالقوة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

في الواقع، لا يكفي النظر إلى ما هي عليه اليوم، بل ينبغي العودة إلى الوراء قليلاً للوقوف على المنطلقات والأسس والظروف الأولى، وتبيان حقيقة المجريات والتحولات التي كانت لها آثار كبيرة فيما هي عليه اليوم، مما نعاينه من معاناة وتخلف رغم مظاهر الترف والاستهلاك المزيف الخارجي، وبعض قشور الحداثة البصرية الخادعة..!!.

لقد كانت المنطقة منذ قرون عديدة مركز إشعاع حضاري وفكري كبير أيام ما كان يسمى بالعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.. ويومها لم تكن المنطقة مستهلكة للعلوم والمعارف، بل كانت منتجة لها رمزياً، ومصدِّرة لمنتجاتها المادية عملياً؛ أي أنها كانت مصدراً يستقي منه الغرب وباقي الحضارات الكونية العلوم والمعارف ومختلف أشكال النتاجات المادية.. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن عصر النهضة الأوروبية شهد ذروة تأثير العلوم والفلسفة العربية في أوروبا، مع الطفرة التي حدثت في الترجمات الجديدة والطبعات المتعددة للمؤلفين العرب، خاصة في مجالات الطب والفلسفة وعلوم الفلك. وكانت أوروبا إذ ذاك تتلمذ على كتب ابن سينا والرازي وابن رشد والبيروني وغيرهم كثير، كما كانت الجامعات الأوروبية تدرّس الفلسفة العربية الإسلامية بوصفها جزءاً أساسياً من منهجها التعليمي الأكاديمي.. لكن هذا الواقع الحضاري، وتلك المكانة العالية للحضارة العربية الإسلامية، تغيرت مع الأيام.. فما الذي جرى بعدها حتى بدأ عصر التراجع والانكسار الحضاري العربي والإسلامي؟!..

في الواقع، لا يمكن اختزال أسباب انحطاط الحضارة العربية الإسلامية على مستوى سبب أو عامل واحد، بل هي عملية مركبة ومعقدة تتداخل فيها كثير من العوامل والمسببات الداخلية والخارجية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. فعلى المستوى الداخلي، صعدت جماعات وتيارات دينية متشددة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وصولاً إلى هيمنة النزعة النقلية على حساب العقل النقدي الذي تم قفله وسجنه بمفاتيح الماضوية والارتهان للعقل الفقهي الإخباري، مما أدى إلى جمود الفكر وتقوقع التفكير التأملي النقدي، وتراجع الإنتاج العلمي المادي.. كما لعبت العوامل السياسية دوراً حاسماً، حيث أدى عدم الاستقرار واستمرار الصراعات السياسية الداخلية – وضعف السلطة المركزية، خصوصاً بعد سيطرة عناصر عسكرية كالسلاجقة وغيرهم – إلى تفتيت الوحدة الداخلية، وإعاقة الازدهار الفكري والتطور الاجتماعي والاقتصادي.. أما خارجياً، فكان التحول الكبير في موازين القوى العالمية، مع فقدان السيطرة على طرق التجارة البحرية الحيوية، وظهور القوى الاستعمارية الأوروبية التي تفوقت تكنولوجياً بعد عصر النهضة (مع اختراع الطباعة واكتشاف البارود)، ما جعل العالم الإسلامي في موقع المتلقي المنفعل الخاضع وليس المنتج للمعرفة والمتفاعل مع تطورات العلم.

إنها إذاً الانقسامات الداخلية في الدولة الإسلامية التي تحولت إلى صراعات حربية عنيفة أتت على الأخضر واليابس في كل مجتمعات العرب والمسلمين.. فكان الداخل المنقسم على ذاته هو الثغرة التي دخل منها الآخر وفعل ما كان يحلو له ويريده من التفتيت والانقسام والهيمنة والنهب.. وهكذا جاءت الغزوات المغولية التي أتت على مراكز العلم وحواضره العربية الإسلامية، ثم أكملت الحلقة، السيطرة العثمانية التي عملت على تجميد الثقافة العربية، ومنع ازدهارها إلا في نطاق ضيق، وهي كلها عوامل ساهمت بقوة في تحويل المنطقة من موقع القيادة في الأمام إلى موقع التبعية في الخلف، مع الارتهان والخنوع الكاملين لإرادة القوى الاستعمارية للأسف.

..هذا الإرث من التبعية الثقافية والعلمية والاقتصادية لم يختفِ مع نهاية الاستعمار المباشر، بل تحول إلى أشكال جديدة من التبعية السياسية والاقتصادية، جعلت من الشعوب العربية، مجرد مستهلكة تابعة، ضعيفة منهكة، لا منتجة حرة، قوية وقادرة.

وما حدث في المنطقة العربية خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين لم يكن مجرد احتلال عسكري مباشر فقط، بل كان عملية إعادة هيكلة شاملة للمجتمعات العربية والإسلامية، جعلتها في موقع تابع مستلب وذليل، لا يمكنها الخروج منه بسهولة.. ففي مصر، على سبيل المثال لا الحصر، أبقى الاحتلالُ البريطاني الإنفاق على التعليم عند حدود 1% فقط من الميزانية، وفي الجزائر تركت السلطات الاستعمارية نسبة الأمية تصل إلى 85% من السكان.. وهذا الإهمال كان سياسة رسمية متعمدة ممنهجة ومدروسة هدفت إلى حرمان الشعوب العربية من أهم وسائل وأدوات النهوض الفكري والاقتصادي، وهو التعليم والعلم والمعرفة.. وهو أمر ليس مستغرباً على الاستعمار والمستعمرين..

وبطبيعة الحال، جاءت النتيجة كارثية للأسف، فلم تتطور طبقة وسطى قوية قادرة على خلق اقتصادات مستقلة وحكومات مستقرة، وهو ما ساهم في استمرار الهشاشة السياسية والاقتصادية حتى بعد مرحلة الاستقلال. هذا الجو السياسي الخاضع للمستعمر، الذي ففك المجتمعات وجعلها شبه أمية، خلق أرضاً خصبة للانحطاط السياسي وشيوع الفساد والاستبداد، حيث بقيت القرارات المصيرية في أيدي قلة من النخب الخانعة والمتعاونة مع القوى الاستعمارية، بينما جُردت الجماهير من أدوات المشاركة الفاعلة في بناء مستقبلها.

لكن المفارقة الملفتة هنا هي أن هذا الاستعمار نفسه، كان – على الرغم من قسوته وهيمنته، وسعيه الدائم لتحقيق مصالحه، وتعميق نفوذه، والسطو على موارد بلداننا ومجتمعاتنا – محفزاً غير مقصود لشيء من إثارة اليقظة الوطنية في نفوس كثير من النخب والمثقفين.. فظلمه وتمييزه أوقدا في النفوس نار المقاومة والممانعة، وجعلا مسألة التحرر والاستقلال هاجساً قوياً جماعياً. وهكذا، تحولت آلة القمع الاستعماري إلى معلم صامت في مدرسة الوعي الوطني، مما مهّد الطريق لظهور الحركات الوطنية والقومية التي ناضلت من أجل الاستقلال.. ليتفجر أول مشروع للنهوض..

لقد برزت – في سياق هذا التهميش والتبعية – في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حركة فكرية عُرفت بــ “النهضة العربية”، وهي بدأت ثقافية أدبية، لتصبح لاحقاً مشروعاً نهضوياً شاملاً يهدف إلى إعادة بناء المجتمعات العربية والإسلامية على أسس جديدة من العلم والثقافة والسياسة، والانتقال بها (بتلك المجتمعات) من حالة الجمود والانحطاط والارتهان – التي فرضها التخلف العثماني والاستعمار الأجنبي – إلى حالة من التفاعل والانسجام مع التطورات الحضارية والسياسية العالمية التي كرستها نتاجات الحضارة العالمية علماً ومعرفة وتطورات اقتصادية واجتماعية.

لقد ارتكزت هذه الحركة النهضوية العربية على مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، كان من أبرزها ضعف الدولة العثمانية التي باتت قبل فترة من سقوطها الرجل المريض، والتعرض للسيطرة الاستعمارية الغربية، وانفتاح المنطقة على الفكر الأوروبي من خلال البعثات التبشيرية والتعليمية التي أنشأها المستعمرون في مدن الشام. وقد عمل المفكرون والمصلحون العرب على إحياء اللغة العربية والتراث العربي القديم، ودعوا إلى توحيد العرب في دولة مستقلة عن الخلافة العثمانية، ذات كيان موحد في الشعور والثقافة والأهداف والمصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وهكذا فقد أثمرت جهود هؤلاء المصلحين الأوائل عن تأسيس جمعيات وأحزاب قومية وأدبية وعلمية وسياسية، داخل الوطن العربي وخارجه، كما انعقدت المؤتمرات التي كانت تنقل صوت أبناء الشعب العربي إلى الرأي العام العالمي، للمطالبة بحقوقهم المشروعة في الحرية والاستقلال والتخلص من التبعية والاستبداد العثماني والاستعماري الأوروبي. لكن هذا المشروع النهضوي الطموح اصطدم بعقبات كبيرة، من أهمها تدخل القوى الاستعمارية التي رأت في هذا المشروع تهديداً لمصالحها التي كانت قد ركّزتها وراكمتها طيلة عقود من استعمارها، وكذلك الانقسامات الداخلية بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، وغياب رؤية اقتصادية متكاملة تدعم النهضة وتجعلها مشروعاً متكاملاً لا مجرد حركة أدبية وسياسية.

وبعد حصول الدول العربية على استقلالها السياسي (الذي كان شكلياً بطبيعة الحال مع بقاء خيوط اللعبة الداخلية بأيادي المستعمرين للأسف)، واجهت تلك الدول تحدياً جديداً لا يقل صعوبة عن التحدي الاستعماري، وهو تحويل هذا الاستقلال الشكلي إلى استقلال حقيقي سيادي ناجز في القرار السياسي والاقتصادي والثقافي.. لكن هذا التحول لم يتحقق بالكامل، بل استمرت التبعية بأشكال جديدةـ خاصة مع زرع وكلاء للمستعمر في الأرض العربية.

فالنفط، الذي اكتشفه الغرب، تحول إلى سلاح ذو حدين، وجعل المنطقة رهينة للتقلبات الدولية وأداة في صراعات القوى الكبرى. وأما الأنظمة السياسية – التي ورثت بنية الدولة الاستعمارية وكانت ذيلية له بكل معنى الكلمة – كثيراً ما فضلت الاستقرار على حساب التغيير، والقمع على حساب المشاركة، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين الشعوب وأنظمتها. والإعلام والثقافة، اللذان أصبحا مجالاً للتأثير الغربي المباشر، أسهما في تشكيل وعي جديد متأثر بالقيم الغربية شكلاً لا مضموناً، أي كان في كثير من الأحيان مقطوعَ الصلة بالجذور الثقافية والهوية المحلية، مما خلق حالة من التمزق الهوياتي والانقسام المجتمعي وحتى السياسي، حيث تشكلت تيارات متصارعة، متناقضة، خضع بعضها لإرادة المستعمر، وبعضها الآخر بقي راسخاً في هويته التاريخية العربية الإسلامية.

لكن العامل الأهم كان هو التبعية الاقتصادية التي تحولت معه البلدان العربية من مجرد استيراد السلع والبضائع المصنعة خارجياً، إلى استيراد النماذج التنموية والسياسات الاقتصادية التي لا تتناسب مع خصوصية المنطقة واحتياجاتها الحقيقية.. حيث تم فرض أشال تنموية لا تتناسب مع سياق المنطقة التاريخي الحضاري.. فالنظام النيوليبرالي، الذي فرضته – وما زالت تسعى لفرضه – المؤسسات المالية الدولية، أعاد ويعيد تشكيل المجتمعات وفق منطق الربح والاستهلاك المادي فقط، وهذا ما تسبب ويتسبب في تفكيك شبكات التضامن الاجتماعي، ويحول المواطن إلى مجرد مستهلك لحظي منفعل في سوق عالمية لا يتحكم ولا يؤثر في قواعدها ومرتكزاتها..

ويجب ألا نتناسى هنا أن الأمر الأخطر في مظاهر التبعية التي عانت وتعاني منها المنطقة العربية، هو أزمة الهوية والوعي العربي والإسلامي.. فالشعوب العربية – التي كانت يوماً ما أمة قائدة – أصبحت تعاني من حالة من الارتباك الهوياتي، حيث تتقاذفها تيارات متضاربة، فمن تيار يرى في الغرب نموذجاً يجب اتباعه، إلى تيار آخر يدعو إلى العودة إلى الماضي السعيد المجيد بوصفه حلاً لكل المشكلات، إلى تيار ثالث يحاول التوفيق بين الأصالة والمعاصرة دون أن يقدم رؤية واضحة قابلة للتحقيق.

هذا الارتباك الانقسامي إذا صح التعبير، لم يقتصر على المستوى الفكري، بل يمتد إلى المستوى العملي والسياسي، حيث تحولت القضايا الوطنية والقومية الكبرى إلى مجرد شعارات يتداولها الناس، بينما تبقى الممارسة اليومية خاضعة لمنطق التبعية والاستهلاك والانفعال السياسي والعملي. وكما ورد في التحليل التاريخي، فإن صورة الآخر – سواء كان استعمارياً أو محتلاً – كثيراً ما استُخدمت لتغذية مشاعر القومية وتوحيد الصفوف، لكن هذه الصورة وحدها لا تكفي لبناء مشروع نهضوي حقيقي يؤمن به الناس، ويتفاعلوا مع مقتضياته إيجاباً.

طبعاً لا يمكن الحديث عن النهوض دون الحديث عن دور النخب والمفكرين.. فهؤلاء هم من يملك أدوات تشخيص الداء واقتراح الدواء وأسس المعالجة، وهم القادرون على تقديم رؤية مستقبلية قابلة للتنفيذ للمجتمع تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتتجاوز ثنائية “نحن ضدهم” إلى مشروع قائم على الذات الفاعلة، القادرة على الإبداع والتفاعل مع العالم من موقع القوة والثقة، لا من موقع الضعف والتبعية.

إن المطلوب من النخب العربية اليوم ليس مجرد نقد الآخر أو التغني بماضٍ مجيد، بل تقديم نقد ذاتي جريء وبنّاء للذات قبل الآخر، وتحويل الطاقة الاحتجاجية إلى طاقة إنتاجية إبداعية، وإيجاد صيغ جديدة للعلاقة مع الغرب تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو المواجهة العقيمة التي استنزفت الموارد وبدّدت الطاقات وكرّست التخلف. وكما تقترح دراسات تاريخية، فإن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في مجرد الاعتراض الأخلاقي على مسار الآخرين، بل في إنتاج مشروع يحمل قيمة مضافة حقيقية للبشرية.

إن شعوب المنطقة العربية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فهي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تستمر في مسار التبعية والارتهان للآخر، وتقبل بوضع المستهلك التابع الذيلي الذي لا يملك قراره ومصيره، وإما أن تنهض وتستعيد دورها التاريخي كفاعل حقيقي في حركة التاريخ المعاصر.

إنّ النهضة الحقيقية لا تعني مجرد تقليد الغرب أو رفضه ومواجهته، بل تعني بناء مشروع حضاري عربي إسلامي خاص (وهو أمر ما زال العرب يفتقدون إليه)، يستلهم من التراث ما ينفع ويفيد، وينفتح على العالم بما يدفعه للتفاعل الإيجابي، ويضع الإنسان العربي المسلم في مركز الاهتمام والحدث، لا كمستهلك سلبي أو كوعاء لمنتجات الآخر، بل كمنتج فاعل، صانع لحضارته، ومشارك في بناء مستقبل البشرية، وبالتالي حاضر في عصره.. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستثماراً في التعليم والبحث العلمي، وتعزيزاً لقيم المواطنة والمشاركة، وتحرراً من عقدة التبعية التي طبعت عقولنا وقلوبنا لعقود طويلة، وما زالت للأسف.

نعم، الطريق الواصل لتحقق النهضة المنشودة، طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً كما يبدو للبعض من المترهلين وأصحاب الإرادات الضعيفة والعقول القاصرة الناظرة للأرض، والمرتهنة للآخر.. فالتاريخ يُظهر أن الأمم والمجتمعات -التي كانت تعاني يوماً، وترتع في مستنقعات التخلف، استطاعت القيام والنهوض، وأن الأمم التي كانت في قمة الازدهار انهارت حين تخلت عن إرادتها وإبداعها.

ولا شك بأنَّ شعوب المنطقة لديها من الكثير من المقومات بما يؤهلها لتكون فاعلاً رئيسياً في عالم الغد في البناء والإنتاج والإثمار الحضاري، لكن ذلك لا ولن يتحقق إلا إذا امتلكت شعوبنا الجرأة الحقيقية على مواجهة نفسها أولاً، وتجاوزت خطاب الماضي – مهما كان سعيداً – إلى مشروع المستقبل الجريء والطموح والذي لا يمكن أن يبنى إلا بسواعد أبنائها وعقولهم ونتاجاتهم العلمية والمعرفية المتقدمة على كل المستويات والأصعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *