فضاءات فكرية

جولةُ تفكُّر في مفهوم الصبر..

بقلم: الشيخ د. حسان عبد الله / رئيس الهيئة الإدارية لتجمع العلماء المسلمين في لبنان

للوهلةِ الأولى وانطلاقاً من عنوانِ بحثي هذا، كيف نفهمُ الصبرَ عندَ الإمامِ الحسين؟، البعضُ يظنُّ إذا قرأَ النص للوهلةِ الأولى أصبِرُ يعني أقعدُ ببيتي اتحمل، وهذا مفهومٌ مغايرٌ لما أرادَهُ الإمامُ الحسين عليه السلام من مفهومِ الصبرِ في ما يريدُ أن يقومَ به لأنه يريدُ أن يقومَ بثورةٍ، وهذه الثورةُ تحتاجُ إلى جهاد، وهذا جهادٌ يحتاجُ إلى عنوانينِ ضروريينِ في أيِّ جهادٍ في التاريخ، الثباتُ والصبر.

 ثورتُنا في لبنانَ ظهرتْ بهذا الأمرِ انطلاقاً من ثورةِ الإمامِ الحسين، الثباتْ، لم نغيّر طرفةَ عينٍ منذُ أن ابتدأنا إلى اليوم، والصبرُ تحمُّل كلِّ الأذى الذي يمكنُ أن يتحمّلَهُ جهادُ الإنسانِ في وصولهِ إلى القضايا الكبرى، إذاً للصبرِ معانٍ عدةٌ في الإسلام، فما هو معنى الصبرِ؟ هذا سؤالٌ سأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبرائيل عليه السلام قال فيما رُوي عن رسول الله قال لجبرائيل: “فما تفسيرُ الصبر؟ قال تصبرُ في الضّراءِ، كما تصبرُ في السرّاءِ” نعلمُ أنْ نصبرَ في الضراءِ عندما تأتينا الضراء نتحملها لكن كيف نصبرُ في السراء؟ لأن في السراءِ، ملعبُ الشيطانِ يأخذنا باتجاهاتٍ مختلفةٍ يضيّعنا عن الهدفِ الأساسيّ، يُنسينا أنه يمكنُ في بعضِ الأحيانِ أن يتفقّدُنا اللهُ بمصيبةٍ أو بمشكلة، فالبعضُ يظنُّ أنه يجب أن نعيش نحن كمؤمنين فإن الله حين يحبنا يتركُنا ولا يبتلينا بشيء، وهذا مفهومٌ خاطئ في الإسلام، وَرَدَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نزل عليه جبريلُ وقال له :”يا محمد إن السلامَ يُقرئُكَ السلام، ويقولُ لك: قُلْ لعباديَ أن لا راحةَ لمؤمنٍ فلا يبحثنَّ عن شيءٍ لم يخُلقْ له”، نحن إذا أردنا أن نقولَ نريدُ أن نكونَ مؤمنين، معنى ذلك أنه يجب علينا أن نهيئ أنفسنا لسلسلةِ امتحاناتٍ تؤدي في النهايةِ إلى نيلِ الشهادةِ تماماً كما يكون عند طالب المدرسةِ امتحاناتٌ شهريةٌ، امتحاناتٌ فصليةٌ، امتحاناتُ نصفِ السنة، امتحاناتُ آخرِ السنة، وينال الشهادة بنجاحٍ حسب جهده وتعبه وسهره وصبره، كذلك في الحياة الدنيا؟ الله عزّ وجلّ يمتحنُنا بعدةِ امتحاناتٍ ليرى صبرنا.

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، إذاً الله عز وجل لا يمتحننا لجهلٍ منه – معاذ الله – في طبيعة أنفسنا، وإنما يمتحننا من أجلِ أن يرى صبرَنا فإن صبَرْنا أعطانا الجنة عن استحقاقٍ وإن لم نصبرْ أدخَلَنا النار عن استحقاقٍ، كي ينجو من نجا عن بيّنة ويهلَكَ من هَلَكَ عن بينة، الله لا يظلمُ وما هو بظلامٍ للعبيد، إذاً أنْ تصبرَ في الضرّاءِ كما تصبرُ في السراءِ وفي الفاقةِ كما في العافيةِ، الفاقةُ، الحاجةُ، الفقرُ، يمكن بعضُ الناس الله لا يبتليهم بالفقر، بل يبتليهم بالغنى، من قالَ إن الغنى فقط نعمة؟. الغنى يمكنُ أن يكونَ نَقِمَه، لأنه ممكن أن يجعلَ الإنسانَ يذهلُ عنْ عبادة الله، يتركُ التذكّر لله عز وجل فيعمى، الله يتركهُ في طغيانهِ أعمى لماذا لم يبصرْ في الضراء؟ فظنّ أنه قد نجا لكنّ ابتلاءَه كان في العافية، وليس في الفاقة. الفقير يقولُ أنا صابرٌ والحمد لله رب العالمين، لكن أنت غني وصابر كيف؟ أنت غنيٌّ وصابرٌ معناها أنك تنتبهُ إلى أنكَ في حالةِ الغنى تقومُ بجعلِ هذهِ الأموالِ سبباً لوصولكَ إلى الجنة بدلاً من أن تكنزَ المالَ والفضةَ والذهبَ أو تتبرع بجزءٍ من الأموال للمقاومة، أو أتبرع فيه لجمعيةِ التعليمِ وقد أتبرعُ فيه لمؤسساتِ رعايةٍ اجتماعية، على الأقل.. أدفعُ حقّ الله فيهِ كالخمس والزكاة، إذا كنت لا تريدُ أن تدفعَ أكثر لكن على الأقل، ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، فكيف تكون أنت في العافيةِ لستَ صابراً، لأنك لا تؤدي حقوقَ الله من المالِ الذي وهَبَكَ إياهُ الله، أن لا تنتبه إلى أنك في لحظةٍ من اللحظاتِ قد تخسرُ كلَّ شيء، فماذا ستفعل؟ يجب أن تنتبهَ لهذا، يصبرُ في الفاقةِ كما في العافية، الأهم أن لا يشكوَ حالَهُ لدى الخلق، هذه من أهمّ الأمورِ التي نحن بحاجةٍ لها بالصبر، يصيبُ الله أحداً بمصيبة، فيقول أرأيتم ماذا فعل الله بي لكنني صابرٌ والحمد لله، من قال لك بأنك صابر وأنت تشتكي الله عندَ الناسِ؟ أنت لست صابراً، على سبيل المثال امرأةٌ يموت ابنها أو يموت أخوها شاباً أو صغيراً تولول وهي تقول: “بعد بكير يا الله”؟ هذا اعتراض على حكم الله، لله ما أعطى ولله ما أخذ، إذاً الصبر الحقيقي هو الصبرُ الذي ليس فيه شكوى، تقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، ونقطة على السطر، لا تبلّغ فلان وفلان بالمصيبةِ التي حصلتْ لك ثم تقولُ الحمد لله أنا صابر، من قال لك إنك صابر، أنت لست صابراً لأنك تشتكي، معنى أنك تقول للعالمِ انظروا ماذا فعل بي ربي، يعني أنت تشكو الله للبشر، وهذا ليس صبراً، “فلا يشكو حاله عند الخلق بما يصيبه من البلاء”.

 أيضاً في موضوع أقسام الصبر، ورد عن الإمام علي عليه السلام: “الصبر صبران، إما الصبرُ على المصيبة أو على الطاعة”، الآن لدينا عنوانٌ جديدٌ عن الصبرِ، الصبرُ على المصيبةِ مفهومةٌ لدينا ونحن معتادون على مصائب كثيرة، فلذلك الأمثلة تكون كثيرة، لكن كيف نصبرُ على الطاعة؟ سوف أعطي مثالاً، وأنا أحب الأمثلة الشعبية المتداولة بين الناس، أحدهم صائمٌ واحد صايم، الله يستر إذا جاء ولم يكن الطعام جاهزاً أو أن زوجته أعدت طعاماً لا يعجبه، فيقيم الدنيا ولا يُقعدُها وكأنها خادمةٌ لديه!!.. أهلها ربوها 20 أو 30 سنة كي تخدمه؟!!، الأكل غير جاهز فيقول آلا تعلمين أني صائم؟، وإذا كنت صائماً، أنت صائمٌ لأجلك وليس لأجلها.. الصبر على الطاعة بأن تؤديها حق أدائها، الصبر على الطاعة بهذه الأيام على سبيل المثال هناك بعض الناس يؤدون الصلاة وكأنها ماراتون سباق، أنا أشفق على الملكين الذين يسجلون فهم ربما لا يستطيعون إدراكه، يبدأ الصلاة، الله أكبر، السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، نقراً كنقر الغراب!!.. هذا ليس من الصبر، الطاعة بحاجة إلى صبر، يعني أن تؤدي الصلاة بهدوء، أن تتفهم معاني الكلماتِ التي تقولها، أن تصبر على الطاعة، يعني أن تؤديها وأنت تشتاق إلى أن تؤديها مرة أخرى، هؤلاء يصفهم الله عز وجل أنهم خرجوا من المسجد وهم يشتاقون للعودة إليه، هذا معنى الصبر على الطاعة، الصبر على الطاعة أو على المعصية، الصبر على المصيبة أو عن المعصية، يقول الإمام علي عليه السلام :”وهذا القسم الثالث أعلى درجة من القسمين الأولين، الصبر على المعصية”، لأن المعصية يا إخوان فيها نوع من الإغراء، يعني ما هو الفرق بين المال الحلال والمال الحرام؟ أول شيء ينبغي أن نفهمه هو  أن الله عز وجل كتب لك رزقاً لن تغادر الدنيا قبل أن تأخذه، سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الأجل المحتوم والأجل المخروم؟ قال أما الأجل المحتوم، فيأتي الإنسان أجله والله يأخذه، أما الأجل المخروم فهو يأتي الإنسان أجله ولم يكن قد استوفى رزقاً كتبه الله إليه سيمد الله في عمره حتى يستوفي هذا الرزق، إذاً، فإن الذي كتبه الله لك من رزق لا بد أن تأخذه، الله يكتب لك نصيباً ما في الدنيا ستأخذه لكن ربما تأخذه بالحلال، أو تأخذه بالحرام، بالحلال يعني أن تستحقه من خلال الكد والتعب والجهد، بالحرام يمكن تأخذه بسرعة بدون تعب، بالحلال يمكن أن تأخذه بعد وقت، بالحرام ربما تأخذ رزقك بسرعة، كأن يسرق أحدهم فإنه يحصل على المال، يختلس من أموال خزينة المؤسسة التي يعمل فيها فوراً يحصل عليها هو أخذهم من رزقه الذي كان من الممكن أن يحصلَ عليه بالحلال، فإذا به يحصله في الحرام فيبوء بإثمه يوم القيامة، إذاً الصبر على المعصية هو أن تفتح أمامك أبواب ارتكاب معصية تؤدي إلى الحصولِ على مال أو جاه أو نساء أو..أو ..أو أي من غرائز الدنيا تقول حسبي الله، دون ذلك حاجز من تقوى الله، أني أخاف الله رب العالمين، نستطيع أن نقول هذا، نستطيع أن نقف عند أمر فيه معصية، لكن فيه غنيمة فيه مربح، هذا المربح الذي هو في ظاهره مربح ولكنه في واقعه خسران مبين، ماذا أعمل أنا؟ استسهل الحصول على المال الذي هو مال حرام، وعن ذلك سئل الإمام الصادق عليه السلام أنا لا أزال أعدد لكم أنواع الصبر، نحن بدأنا من أن الإمام الحسين قال اصْبِرُ، البعض يظن أن اصبر، تعني سيرجع إلى المدينةِ ويمكثُ بمدينة جده منتظراً، لا ليس هكذا.

 سئل الإمام الصادق عن تفسير قوله تعالى في قول يعقوب عليه السلام، فصبر جميل وبالله المستعان، شو معنى الصبر الجميل؟ يعني في صبر جميل وصبر قبيح، قال نعم، قال ذلك صبرٌ ليس فيه شكوى للناس، هذا اسمه الصبر الجميل، ثانياً يقول أنا صابر ويمكن أن يصبر فلا يكفر ويخرج عن دين محمد لكن لا يبقى أحد إلا وهو يشكو الله عنده، من العزاء، من الأسبوع، من يوم الدفن ليوم الأربعين هو يحكي يا الله شو عملت فيي؟ أرأيتم ماذا فعل بي الله؟ لكن أنا صابر والحمد لله رب العالمين، تريد أن تقول إنا لله وإنا اليه راجعون وتسكت تحتسبها عند الله، والله افتقدك من أجل أن يرى صبرك، هل يمكن أن تتصور إنساناً مؤمناً بلا صبر، هنا نسأل، ونحن ندّعي أننا مؤمنين، توجد مقاييس للإيمان، في الشهادتين، في التقوى، في القيام بالواجبات الشرعية والابتعاد عن المحرمات، وهناك أمر مهم وهو أنه لا يوجد إيمان بلا صبر، يقول الإمام الصادق عليه السلام: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان”، لا يمكن أن يجتمع الإيمان مع عدم الصبر، مع الشكوى، مع عدم تحمل الصعاب. السنة الماضية تحدثتُ عن النصر، ومفهوم النصر، وكانت المناسبة في ذلك الوقت أنه كان هناك جدال بأننا انتصرنا أم لم ننتصر، وبيّنت في تلك المحاضرة أنه نحن انتصرنا على الرغم من كل الأمور التي تعرضنا إليها، اليوم أنا أتكلم معكم عن الصبر لأننا في المرحلة التي هي مرحلة الصبر والثبات، نحن سنقف في وجه الكيان الصهيوني ونثبت في وجهه مهما كانت التضحيات ومهما كلف الأمر وسنظل صابرين على ذلك، ولا نقوم بتعداد الشهداء والجرحى الذين أصيبوا، نحن كما الإمام الحسين استُشهِد وجميع أصحابه، نحن مستعدون أن نستشهد وجميع أصحابنا على أن نتنازل أمام العدو الصهيوني، لا تظنوا أننا ضعفاء أبداً، نحن أقوياء، أقوياء بشدة، كنت جالساً أفكر وأسأل نحن ماذا لدينا لنواجه إسرائيل، كنت اسمع من بعض الذين حولي عن شيء اسمه “درونز”، قلت الدرون ماذا نفعل بها في مقابل التكنولوجيا العسكرية لدى العدو، يعني إذا كان لدينا درون ماذا نفعل بها، فإذا بهذه الدرون تتحول إلى طير أبابيل و﴿َأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، هذه من أين أتت؟ هذه أتت يا إخوان من نيتنا على أن لا نترك الجهاد، من نيتنا على أن نُعدّ لهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل نرهب به عدو الله وعدونا، نعم نعرف أننا نحن لسنا بمقياس الإمكانات المادية التي يمتلكها العدو الصهيوني، ولكننا نمتلك من الإيمان ما يمكن أن يعادل ويجعل من قوتنا تعادل قوة العدو الصهيوني، من صبرنا، من ثباتنا، من جهادنا، من شهدائنا، من جرحانا، من النازحين منا، هذا هو الذي نحن نقاتل فيه وهل تظنون أننا نقاتل في هذه المباحثات التي تجريها السلطة اللبنانية، هذا ذلٌّ وعار لا يمكن أن نقبل به، البعض يأتي ليقول لنا: “إما أن تقبلوا فتوقف إسرائيل القتال ولكن لديها حرية العمل، لقد تعودتم لسنة وخمسة أشهر أو 15 شهر تحملوا بعد القليل وفيما بعد فخامته يعطينا نتيجة”، ماذا سيعطينا فخامته؟ إذا قسطل ماء لم يقدر أن يحل مشكلته، ماذا سيحضّر لنا اليوم أيها الإخوة،؟!!

 نعود لمفهوم الصبر، يقول عيسى عليه السلام :”إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون”، إذا لم صبرنا على الأذى، على النزوح، على قلة الأكل والشراب، على تعرضنا للقصف، على تهديم البيوت لن نصل إلى ما نريده، أما إذا كنا مستعدين لتحمل كل هذه التضحيات وتقديم كل هذه التضحيات سنصل إلى ما نريد، وأنا أقول لكم إني أرى النصر قريب إن شاء الله قريب جداً، اليوم الكيان الصهيوني يتململ ويحاول أن يثبت شيئاً لا يستطيع أن يؤدي به إلى شيء، المعركة اليوم في علي الطاهر هي معركة فاصلة بين جبهة الحق وجبهة الباطل، بين جبهة الحسين وجبهة يزيد، بين جبهة محمد وجبهة قريش، هذه المعركة ليست سهلة، وإخواننا يسطرون فيها أروع الملاحم بالصبر والثبات، يستطيعون أن يفروا من الجبل ويسلِّموا الأرض، لكن لا فهذا غير مسموح عندهم، في الأماكن الأخرى، كان التكليف أنه ليس مهماً أن تبقوا بالأرض أو تتركوها، واجهوا قدر ما تستطيعون وانسحبوا.

في علي الطاهر ممنوع أن تنسحبوا حتى آخر شهيد من هذه المجموعات الموجودة في علي الطاهر، وستبقى صامدة حتى تحقيق النصر، لماذا؟ لأنه أيضاً موضوع النصر والصبر مترابطان، قول الله عز وجل: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾.

 إذاً المسألة ليست بالعدد، نحن عددنا ليس بعدد الجيش الإسرائيلي، قد تجد عشر شباب يواجهون كتيبة، وأحياناً يواجهون فرقة بأكملها ويوقعون بها الأذى لأنهم هم مصداق لهذه الآية العشرة بـمئة والمائة بألف ويمكن أكثر، لأن الله عز وجل وقت يقول العشرة بـمئة والمائة بألف، إنما هي للتمثيل وليس للتحقيق والتدقيق، يعني أنتم مهما كنتم قلة ستنتصرون.

 أيضاً ورد في أن الصبر هو شجاعة، البعض يظن أن الصبر، مثلاً إذا كان هناك شخص يسبك تسكت وتقول له سامحك، تصبر على هذا الأذى، فيقولون عنك أنت جبان رعديد، لا أنت في الوقت الذي تسكت فيه عن من أساء لك، فأنت تحلم عن جهله، تصبر عليه، أنت شجاع، لأن الشجاعة هنا أن تكبت ما في نفسك من ثورة الشيطان وغضبه من أجل أن لا توقع مشكلة بينك وبين أخ قد يعتذر بعد وقتٍ عما بدر منه في اللحظة الأولى. أقول لكم أمر جدث معي البارحة في الوقت الذي كنت أحضّر كلمتي، ماذا يعني صبر ساعة؟ لماذا الله اختار ساعة، لماذا لم يقل صبر ساعتين، أتيت للآية التي تقول” ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، قسمتها على 24 ساعة، وكانت النتيجة 41 سنة، حسمت الأوقات التي ينام بها الإنسان ويضيعها فتبقى 41 سنة التي تعني أن تكون صابراً طوال حياتك، معناها أنك لا تستطيع أنت أن تقول للحظة لا أريد أن اصبر ما عدت قادراً على الصبر ما عدت قادراً على التحمل، لا يجب أن أتحمل وأتحمل.. الصبر.. وأريد أن أبقى أجاهد، ولن يستطيع أحد أن يغيرني عن رأيي مهما فعل بي هذا الأحد.

 أيضاً، الصبر نقمة، والنقمة نعمة، نعمتها ما هي؟ الصبر أن الله عز وجل أنعم على قومٍ فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالاً، وابتلى قوماً بمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة) إن الله عز وجل أنعم على قوم بنعمة، لم يشكروا الله على ما أنعم به عليهم، أحدهم يدّعي ويقول هذا من عندي، أنا فعلته بجهدي وتعبي، أنا لو لم أكن ذكياً وماهراً وتجارتي ممتازة لما وصلت إلى هنا وما كنت أسست هذه الشركات ولم أقم بكل هذه الإنجازات، يتوهم أنه هو الذي أنجز وأسس ,…. إلخ، بينما هو لا علاقة له بكل ذلك، فلولا أن الله وفقه لما وصل للنتيجة هذه، لكن الله يقول له أنت تدّعي أنك أنجزت ذلك من نفسك، انتظرِ اللحظةَ التي ستخسر كل هذا، إن الله أنعم على قومٍ فلم يشكروا فصارت عليهم هذه النعمة وبالاً، سيحاسبهم الله يوم القيامة لأنهم لم يشكروا، بينما الذي يشكر ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا، فصارت هذه المصائب نعمة، لماذا؟ لأنه لن يأخذ أجرها في الدنيا، سيأخذ أجرها في الآخرة عند رب العالمين.

إذا كنت صابراً فماذا يعني ذلك؟ ما هي النتيجة التي تحصّلها؟ أول نتيجة تحصّلها أنك ستصبح من أحباب الله، إن الله يحب الصابرين، هل هناك أروع من أن تكون من أحباب الله، والأمر الثاني، واصبروا أن الله مع الصابرين، يعني أنت اصبر الله سيكون معك، إذاً فبماذا بشرنا الله فيما لو صبرنا؟ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، بماذا يبشرنا، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. إذاً الله عز وجل عندما تصبر وتقول ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ تصبر في البأساء والضراء كما في النعماء، وتصبر على الطاعة كما تصبر على المعصية، وتصبر في مواجهة الأعداء، وتصبر في مواجهة الشدائد، فإن الثمن الذي ستحصل عليه هو أن تكون من أحباب الله، وأن يكون الله معك، وأن الله عز وجل ينزل عليك من رحمته، ماذا نريد أحسن من هذا، فلنكن وإياكم من الصابرين، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والحمد لله رب العالمين.

من محاضرة لسماحته بمناسبة أربعين الإمام الحسين ألقاها في جمعية التعليم الديني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *