الزمن يسرقنا.. ولا مكان لوجودِ (الآن)!
بقلم غسان عبد الله
هل من المكن أن يعود الزمان إلى الوراء؟.. هل للزمان حدود؟ وما تلك الحدود إن وُجِدت؟ وهل له علاقة بالمكان؟.. لحظة تنسف الأخرى، هل بمقدورنا الإمساك باللحظة؟.. وهل من الممكن أن نعيد عقارب الوقت؟.. والزمان في حركة دائمة إلى الأمام هل يمكننا أن نوقفه عند لحظةٍ معيّنة؟..
الحركة موجودٌ ماديٌّ والثباتُ موجودٌ مجرّد، والعقلُ هو من ينتزع هذه المفاهيم، فالثابتُ لا يتسم بعرضِ الموجودات المجرّدةِ في الخارج، والأمر ذاته على الحركة فهي لا تعرضُ الموجودَ المادي للخارج، بل هذه التصوّرات ينتزعها الذهن عبر تحليله للموجودات إلى ذواتٍ وصفات للذوات.
إذن نحن ننفي الاستقلاليّة للزمن عن الحالات التي يرافقها، فهو ليس طارئاً عنها فيدخل عليها لاحقاً ليمنحها التوقيت التغيير، فليس الزمان وعاءً للأشياء، بل هو من السمات الرئيسة للأشياء الماديّة ومن ذاتها الأصيلة، ولكل حالة زمنها الخاص الذي يميّزها عن غيرها، فالزمنُ للجسمِ الماديِّ هو خاصّيةُ من خاصّيات وجوده، ونحن نحدّد الزمن بين مختلف الأشياء المادية من خلال زمنٍ أطول يجمعُ الموجودات الماديةَ فيه، فنتمكّن من قياسها عليه فنعرف من يتقدّم ومن يتأخّر فنحدّد موقعها الزمني بحسب ترتيبها في الزمن الأطول.
وهذا الزمن الأطول بامتداده المتصرّم وباحتوائه للعالم المادي الجسماني يكون هو الدليل لتحديد الموقع الزماني لجميع الحالات المادية الجزئية، فتكون كلُّ حالةٍ لها موقعها الزماني من تقدُّمٍ وتأخّرٍ وسرعةٍ وبطءٍ بحسب حركتها والعواملِ التي ساهمت فيها. وأيضاً فإن الحجم المكاني للعالمِ بكامله يكون هو الدليل لتحديدِ الموقعِ المكانيِّ لجميعِ الحالات المادية الجزئيّة. فيكون كلٌّ من المكان والزمان متلازمَيْن ومترابطَيْن في وجودهما.
ويحظى الزمان بقدرته الامتدادية التي تعتبر من امتيازاته الذاتيّة، فكل جزء زماني له امتداد، فليس الزمان واقفاً عند حد، بل هو في انقسام مستمر لا يتوقّف ولا يعرف الاستقرار، امتداد بلا نهاية، وإن (الآن) هي مقولةٌ في العرفِ المتداولِ فقط، والزمانُ بحكم أنه متحرّكٌ فهو لا يعترف بـ (الآن)، لأننا حينما نقولُ عبر الذِّهنِ ومن منطلقِ العُرفِ واصفيَن لحظةً ما بأنها الآن فإن الزمانَ ينسفُ لحظة الآنِ عبر حركته فتغدو الآن ضرباً من الماضي تجاوزَهُ الزمن، فجميعُ أجزاءِ الزمان – القصيرةِ والطويلةِ – ذاتُ امتدادٍ لانهائيٍّ وهي منطلقةٌ في تغيّرها سواءً البطيء أو السريع. فالزمان يتكوّن من التغيّر، وما دام لا يمتلك الاستقرار فمن المستحيل الإبقاء على لحظة (الآن). وكما أننا نصف الزمن الطويل بالدهر فإنه في المعنى الفلسفي يخلو من الحركةِ الزمانية، أي ليس له امتدادٌ عبر الزمن، إن الموجودات المادية ذات زمن امتدادي متغيّر، أما الدهر فهو خالٍ من الامتداد الزمني، ويمتاز الوجود المجرّد عن المادي بوجوده الدهري الخالي من التوقيت النسبي الممتد للزمان، وأشار بعض العرفاء لهذه النقطة، حيث أوضحوا أن الوجود السرمدي للخالق يترفّع ويجل عن سمات وخواص الموجودات المخلوقة، فكذلك الوجودات المجرّدة وجودها يتقدّم بالدهر عن جميع الوجودات الماديّة، لأن الحوادث الماديّة ترتبط بالزمن المتمدّد المتغيّر.
الذات الإلهيّة هي الموجود الواجبُ الوجود، إذ لا توجدُ في إطارِ الزمان، فهو ليس متغيّر ولا متبدّل، بل هو ثابتٌ في وجودهِ ولا تؤثّر عليه تبدّلات وتمدّدات الزمانِ المادي، لذلك فإنه مقدّسٌ ويتعالى عن الانصرامِ والفناءِ، فوجودُه لا ينطوي على التأخيرِ والتقديمِ والسرعةِ والبطءِ التي توجدُ في حوادثِ الزمان، بل إن الموجود الذي لا يوجد في إطار الزمان هو مُلمٌّ ومدركٌ ويحيطُ بالزمان، فكل وقت هو وقته – الماضي والحاضر والمستقبل جميعها متماثلة لا فرق بينها – فالحوادثُ تفترق وتتباعدُ وتتغيّر في الزمان، لكنها جميعها تجتمع في الدهر الذي يضمّها جميعاً بلا تفرقةٍ ولا تغيير.
لو كانت (الآن) عبارةً عن زمنٍ غير ممتدٍ لكان بإمكاننا الحفاظ عليها واختراق الزمن والانتقال فيه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ولكن الزمن في حراكٍ دائم، وفي انطلاقةٍ لا تتوقّف عن الجريان والسيلان، إن إيقاف الامتداد الزمني هو خارج إمكانات الزمان، فالزمان ليس سرمدياً في وجوده، بل هو خاضعٌ للتغيير ولا يمتلك مواصفاتِ الثبات.
لطالما حلمنا برغبتنا لو أن الزّمن يتوقّف قليلاً، ولطالما داعَبَتْنا الأمنياتُ بعودةِ الزمنِ للخلفِ، لكنها محضُ أوهامٍ لا غير، سرابٌ من الرغباتِ المستحيلة، فليس بوسعنا الإمساك بمجرى الزمان وحركته، إننا نتغيّر في كل جزء من الثانية.
إن الزمنَ يتجزّأ لذلك لا مكان لوجودِ (الآن)، الزمنُ يتركّبُ من الامتدادِ وليس من الجمودِ، الجمود ضد الحركة، لا يوجد معها في ذات اللحظة، لو قبضنا على (الآن) فهي ستبقى واقفة لا تتمدّد، لكن هيهات! من يمتلك القدرة ليقبض عليها؟
لحظةً بعد لحظة تستنزفُنا الدروبُ حتى تنطفئَ شعلةُ وجودنا، الزمنُ يسرقنا بينما نسرقُ لحظات حياتنا، ونمضي معاً لنهايتنا المحتومة. إن الأجسام تمتد والزمن يمتد كونه جزءاً من أبعادها.. فكيف سنوقف امتداد الزمان ونحن عاجزون عن إيقاف امتدادنا؟.
