إقليميات

من هرمز إلى باب المندب.. انكسار رهانات ترامب العسكرية أمام تهديد المقاومة

بقلم زينب عدنان زراقط

وإنَّ إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي اللبنانية من أولى البنود الأساسية في أي ترتيبات إقليمية جديدة، بعد فشل الجيش الإسرائيلي بفرض واقع أمني دائم بالقوة العسكرية وحدها.

وفي ظل تعثر خيار المواجهة المباشرة مع إيران، تجد إدارة دونالد ترامب نفسها أمام محاولة إعادة صياغة المشهد عبر الجمع بين الضغط والتفاوض، في وقت تسعى فيه طهران إلى تثبيت معادلات ردع جديدة تمتد من لبنان إلى اليمن والخليج. ومع انتقال الصراع من الجبهات العسكرية إلى مراكز الاقتصاد والطاقة، أصبحت الممرات الحيوية والمنشآت الاستراتيجية جزءاً من حسابات المواجهة.

وبين محاولات واشنطن الحفاظ على نفوذها، وسعي إسرائيل لمنع أي ترتيبات لا تخدم أهدافها، وتزايد أهمية ساحات مثل اليمن ومضيق هرمز وجبل علي، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية قد تحدد شكل النظام الإقليمي المقبل.

فهل تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحفاظ على قواعد اللعبة القائمة، أم أن التحولات الجديدة ستفرض معادلات مختلفة تتجاوز قدرة القوة العسكرية وحدها؟ وهل يجد نتنياهو نفسه أمام واقع إقليمي يحد من قدرته على توسيع المواجهات وفرض وقائع جديدة بالقوة؟

المحور الأول: نتنياهو وترامب بين حسابات البقاء السياسي ومحاولة إعادة تشكيل المشهد الإقليمي

ما بين الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن كلاً من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يخوض معركة سياسية تتجاوز حدود الملفات التقليدية، حيث يحاول كل طرف إعادة صياغة صورته أمام جمهوره، وفي الوقت نفسه التأثير في شكل النظام الإقليمي المقبل.

فبعد سنوات من سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ومع تعثر خيار المواجهة العسكرية المباشرة، برز مسار جديد يقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، عبر الجمع بين أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري من جهة، وفتح قنوات التفاوض من جهة أخرى.

وتبدو المفاوضات المتعلقة بالملف الإيراني، وأمن الخليج، ومستقبل ساحات النفوذ الإقليمي، وعلى رأسها لبنان واليمن، جزءاً من صراع أوسع حول من يمتلك القدرة على فرض شروط المرحلة المقبلة.

أما بالنسبة إلى ترامب، فإن العودة إلى مسار التفاوض مع إيران لا تبدو مجرد خيار دبلوماسي، بل تعكس تحقيق الأهداف التي أعلنها عند إطلاق سياسة التصعيد والمواجهة. فبعد التهديدات المتكررة بإجبار طهران على تقديم تنازلات كبرى عبر الضغط العسكري والاقتصادي، يجد ترامب نفسه أمام خيار العودة إلى طاولة التفاوض بحثاً عن اتفاق يمكن تقديمه باعتباره إنجازاً سياسياً. إلا أن هذا المسار يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بفشل خيار الحسم، إذ أن الاتفاق الذي قد يسعى إليه اليوم يختلف عن الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية المواجهة.

وفي المقابل، إن نتنياهو يجد نفسه أمام تحدٍ مماثل، إذ أن أي تفاهم أمريكي – إيراني قد يحد من قدرة إسرائيل على التحرك العسكري المنفرد، خصوصاً أن حكومته بنت جزءاً كبيراً من خطابها السياسي على اعتبار إيران الخطر الرئيسي الذي يهدد الأمن الإسرائيلي. ولهذا تحاول تل أبيب التأثير في مسار أي تفاهم محتمل، من خلال التأكيد على أن الملف النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران يمثلان قضايا لا يمكن تجاوزها في أي اتفاق.

لكن خلف هذه المواقف الخارجية توجد حسابات داخلية أيضاً؛ فنتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على صورة الزعيم القادر على حماية أمن إسرائيل، خصوصاً في ظل الانتقادات المتعلقة بإدارة الأزمات الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لا ينسجم بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية قد يمثل تحدياً سياسياً له. ومن هذا المنطلق، فإن كل اقتراب أمريكي من تفاهم مع إيران غالباً ما ترافقه محاولات إسرائيلية لتحسين شروطها على الأرض، سواء عبر التصعيد العسكري أو رفع مستوى الضغط السياسي، بهدف منع تحول أي اتفاق محتمل إلى مكسب استراتيجي لطهران وحلفائها.

وفي هذا السياق، يصبح ملف جنوب لبنان جزءاً من هذه المعادلة؛ فاستمرار الضغط الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية لا يُقرأ فقط باعتباره إجراءً أمنياً، بل باعتباره محاولة للتأثير في شكل الترتيبات الإقليمية المقبلة، قبل أن تتحول أي تفاهمات بين واشنطن وطهران إلى قيود تحد من هامش الحركة الإسرائيلية.

ومن هنا، فإن أي اتفاق أمريكي – إيراني محتمل قد يصبح لحظة فاصلة، ليس فقط بالنسبة للملف النووي أو أمن الخليج، بل أيضاً بالنسبة لمستقبل ساحات الصراع الممتدة من لبنان إلى اليمن، حيث ستُختبر قدرة كل طرف على تحويل نفوذه العسكري والسياسي إلى مكاسب في النظام الإقليمي الجديد.

المحور الثاني: من الضغط على إيران إلى استنزاف الحلفاء…

اليمن كجزء من معادلة المواجهة الإقليمية

تشير تقديرات سياسية إلى أن الولايات المتحدة، بعد تعثر خيار المواجهة المباشرة مع إيران، اتجهت إلى بناء شبكة من الضغوط الإقليمية بهدف زيادة كلفة خيارات طهران، عبر توسيع دائرة المواجهة وإشراك عدد من الحلفاء في المنطقة ضمن هذه المعادلة.

حيثُ لم تعد المواجهة مع إيران مقتصرة على الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل أصبحت مرتبطة بمجموعة من الساحات الإقليمية التي تشكل امتداداً لنفوذ طهران، من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن والخليج. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التصعيد في اليمن باعتباره أحد المسارات التي دخلت ضمن حسابات الضغط المتبادل بين الأطراف الإقليمية والدولية. ومما يبدو جليّاً، أن انخراط بعض الدول العربية في هذا المسار لم يكن منفصلاً عن الحسابات الأمريكية الأوسع، إذ إن توسيع دائرة الصراع يسمح لواشنطن بتوزيع أعباء المواجهة، بينما تتحمل الدول المنخرطة مباشرة الجزء الأكبر من التداعيات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الدور السعودي في اليمن باعتباره أحد أبرز الأمثلة على تعقيدات هذه المعادلة. فبعد سنوات من العمليات العسكرية، بات واضحاً أن الحسم الكامل لم يكن سهلاً، وأن استمرار المواجهة يحمل مخاطر تتجاوز الأهداف التي انطلقت من أجلها الحرب، لتجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام مأزقٍ استراتيجي، بعدما تحولت من طرف يسعى إلى إدارة الصراع إلى طرف يتحمل جزءاً كبيراً من تداعياته، في ظل مخاطر انتقال المواجهة من ساحات الاشتباك إلى العمق الاقتصادي والأمني لدول المنطقة.

ومن هنا بدأت دوائر صنع القرار في السعودية تدرك أن أي تصعيد إضافي ضد اليمن قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب التحكم بمسارها، تشمل حماية منشآتها الحيوية، وتأمين اقتصادها، والحفاظ على استقرارها الداخلي، خصوصاً عندما تنتقل المواجهة من ساحات القتال إلى البنية التحتية والمراكز الاقتصادية.

وبناءً عليه، فإن أي تصعيد جديد في اليمن – وإطلالته على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية – لا يُنظر إليه فقط من زاوية الحرب الداخلية، بل باعتباره عاملاً قد ينعكس على أمن الخليج بأكمله، واقتصاد العالم، ويفتح الباب أمام انتقال المواجهة إلى ساحات أكثر حساسية، ومنها المنشآت الاقتصادية التي تمثل شريان الحياة لدول المنطقة.

المحور الثالث: جبل علي…

عندما تنتقل المواجهة من الجبهات العسكرية إلى الاقتصاد والطاقة

في ظل هذا المشهد الإقليمي المعقد، جاءت الانفجارات التي شهدتها المنطقة الصناعية في جبل علي بدبي لتعيد طرح سؤال خطير: هل بدأت المواجهة تنتقل تدريجياً من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب مراكز الثقل الاقتصادي والطاقة؟.

فقد أُفيد بوقوع عدة انفجارات في المنطقة الصناعية بجبل علي، أعقبها اندلاع حريق كبير في أحد أهم مراكز التجارة والشحن في غرب آسيا. وذكرت تقارير أن عدة انفجارات سُمعت خلال فترة زمنية قصيرة، مع تصاعد دخان كثيف من محيط المنطقة القريبة من ميناء جبل علي. وحتى الآن، لم تعلن السلطات الإماراتية السبب النهائي للحادث، كما لم تتبنَّ أي جهة المسؤولية عنه، الأمر الذي أبقى طبيعة ما حدث موضع تساؤلات وتحقيقات.

إلا أن أهمية الموقع جعلت الحادث يحظى باهتمام واسع، إذ أن جبل علي ليس مجرد منطقة صناعية عادية، بل يمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية في المنطقة والعالم. فهو يضم ميناء جبل علي، أحد أكبر موانئ الحاويات عالمياً، إضافة إلى المنطقة الحرة التي تستضيف آلاف الشركات من مختلف دول العالم. كما يرتبط المجمع بشبكة واسعة من الطرق والمطارات وخطوط الشحن الدولية، ما يجعله حلقة أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. ولهذا السبب، فإن أي تهديد يطال جبل علي لا يُنظر إليه فقط باعتباره حادثاً محلياً، بل باعتباره حدثاً قد تكون له انعكاسات على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وتزامنت الحادثة مع تداول وسائل إعلام عراقية رواية مفادها أن المنطقة ربما تعرضت لهجوم انطلق من اليمن، معتبرة أن ذلك قد يكون مرتبطاً بالتوترات الإقليمية القائمة. إلا أن هذه الرواية لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من السلطات الإماراتية أو أي جهة أخرى، ما يجعلها في إطار التقارير غير المؤكدة. كما تزامنت هذه التطورات مع تحذيرات إيرانية سابقة من أن أي اعتداء يستهدف إيران قد يقابل برد يطال المصالح والبنية التحتية الحيوية في المنطقة، بما يشمل منشآت الطاقة والموانئ ومحطات الكهرباء وتحلية المياه.

ومن هنا، فإن اختيار هذا الموقع قد يُقرأ باعتباره رسالة تتجاوز حدود الإمارات، وتحمل في طياتها تحذيراً إيرانياً – يمنياً محتملاً للولايات المتحدة ودول الخليج من أن أي تصعيد ضد طهران أو حلفائها قد لا يبقى محصوراً في ساحات المواجهة التقليدية، بل قد يمتد إلى مراكز الثقل الاقتصادي في المنطقة.

المحور الرابع: التفاهمات الأمريكية – الإيرانية…

من هرمز إلى جنوب لبنان

في النهاية، كما لا يمكن فصل تطورات الخليج عن الصراع الأوسع بين واشنطن وطهران، إذ تحول مضيق هرمز من ممر بحري استراتيجي إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية في قلب المواجهة. فبينما تطرح الإدارة الأمريكية مسار التفاوض وإعادة الاستقرار للملاحة، تستمر في الوقت نفسه باستخدام أدوات الضغط والتهديد، في محاولة للحفاظ على نفوذها دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وتجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على صورة القوة وتجنب مواجهة قد تفرض كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة.

وفي المقابل، ترى طهران أن أي تفاهم يجب أن يستند إلى موازين القوى القائمة، وأن استمرار الضغوط سيقابله سعي إلى تثبيت معادلات ردع جديدة. ومن هنا تبرز أهمية ساحات مثل لبنان واليمن والخليج، باعتبارها حلقات مترابطة في صراع واحد؛ فالتصعيد في إحداها قد ينعكس على الأخرى، كما أن أي تفاهم بين القوى الكبرى قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.

ختاماً، بين جنوب لبنان وجبل علي، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية تتغير فيها طبيعة الصراع وأدواته. ففي لبنان، لم تعد معادلة الوجود الإسرائيلي في الجنوب منفصلة عن التوازنات الإقليمية الكبرى، حيث أن أي تفاهم أمريكي – إيراني محتمل سيكون له تأثير مباشر على مستقبل الجبهة اللبنانية، وعلى قدرة إسرائيل على تثبيت واقع أمني دائم. وفي الخليج، أظهرت التطورات أن مراكز الاقتصاد والطاقة قد تتحول إلى جزء من معادلة الردع، وأن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة بالجيوش والقواعد العسكرية، بل قد تمتد إلى الموانئ والمنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد العالمية.

فمن جنوب لبنان إلى الخليج، هل تقف الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل أمام لحظة اختبار حقيقية، حيث يصبح التهديد للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة أكبر من قدرة أي طرف على فرض معادلاته بالقوة؟ وهل يجد نتنياهو نفسه أمام واقع جديد تتراجع فيه قدرة إسرائيل على توسيع المعارك، فتتحول حساباته العسكرية إلى أزمة سياسية داخلية؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *