وجوهٌ للقلق: “بين شاهدةٍ وقبرٍ أُسرجتْ خيلي!”
بقلم غسان عبد الله
قلقٌ يقودُ خطاكَ.. نحوَ مواجدٍ ليضيق بالجمراتِ صدرُكْ.. قلقٌ ليطفئَ ما تبقى من قواكَ وبعضِ صبرِكْ فإن استبدَّ بكَ الدوارُ على المدى وأراقَ بحرَكْ فاركن إليهِ مُسالماً واسكبْ عليهِ نثارَ جمرِكْ.
قلقُ مداهُ نزيف أحلامٍ مبدَّدةٍ.. وموعدهُ انسدال البحرِ حولَ فراغهِ ومآلُهُ الدورانُ.. يا قلقَ التمرُّدِ واحتراق الروح.. يا ترنيمة مكتومة بعنائِك المسفوح.. واجمة دقائق عمرك المذبوح.. واسعة خُطاكَ وضيِّقٌ ذاك المدى.. ومدجَّجٌ بالنارِ والأحجار.. عائدة على أعقابها الكلمات والأشعار.. مُطفأةٌ قناديلُ الطفولةِ.. أينَ كان البحرُ حين ركبتَ قاربِكَ المعنّى.. أين كنتَ وكانت الأحلامُ حينَ سَريْتَ في جُنْحِ المحبةِ نحو فيض الماء.. كنتَ معبأً بالحزنِ والطبعِ الجنوبيِّ المعتَّقِ.. والرؤى البيضاء.. هل أمسكتَ بالطير الجنوبيِّ المسافر في عيون الناسِ.. هل غادرتَ وجهكَ كي ترى الأشياء واضحة.. وهل عادت إليك طفولةٌ هَرَبَتْ هنا تلدُ الحجارةُ رملها والرملُ لا يلد الندى.. فلأَيمّا جهةٍ تسافرُ فالمدى نفس المدى.
قلقٌ خرافيُّ الملامحِ يعتريكَ وأنتَ اقربُ للرحيلِ إلى فنارات الطفولةِ.. نحو وجهٍ هاربٍ أَخَذَتْهُ عنكَ الريحُ.. والأمواجُ.. كنتَ مُطارداً.. وتطاردُ الأنهارَ وجهاً هارباً.. وسريتَ خلفَ النارِ.. أينَ سمعتَ ذاك الرّجع في الأصداء.. كيف رأيتَ فاتنةَ الطفولةِ في خيوط الماء.. أنتَ مدجَّجٌ بالدفءِ والطبعِ الجنوبيِّ المعتَّقِ.. هل نسيتَ بأنَّ مفتتح الطريقِ إلى الرؤى المنفى.. وتعرف أنّ آخرةَ الطريق بدايةُ الإِبحارِ للمنفى فمن سيجيئُ عند الفجرِ يقرعُ بابَكَ الموصودَ.. من سيطلُّ من عينيكَ نحو فناء مملكةٍ ينامُ الصمتُ فوقَ فنائها والرملُ والأحجارْ.. من سيجيئُ مشتعلاً وفوق سراجِهِ الأطيافْ.. منفيُّ سيأتي محضُ منفيٍّ يجرُّ إليهِ في المنفى جيادَ عذابِهِ.. لا شيءَ غيرُ جياد محنتهِ التي أدْمَتْ خُطاهُ وأثقلَتْ قدميهِ.
لا.. لا شيء.. غيرُ هذا الحلمِ المدمى والموتِ القادمِ على صهوة العمرِ المبحرِ بلا أشرعةٍ أو رؤى.. رؤى؟!.. أيُّ رؤى تلك التي تأتي آخر العمرِ كلحظةِ ميلادٍ لتعلِنَ موتَكَ فيها ولا تطالُ سقفَ أُنسِها.. أيُّ رؤى تلك التي انتظرتَ عمراً كي تسكُبَها في أوردةِ القلبِ نبضاً لما تبقى من الحياةْ.
كثيراً ما ملكنا في الينابيعِ المفاتيحَ التي تُفضي لذاكرةِ الغمامِ، ولم نُفَسِّرْ ما يقولُ العُشْبُ للرَّملِ.. كثيراً ما تُسَرِّبُ ثرثراتُ النَّهْرِ أُغنيةً لقُبَّرَةٍ، وتعبثُ بالهديلِ أصابعُ النَّخْلِ سوى نحنُ الذين نقولُ: ما للشمسِ خائفةً تُغادرنا، ولا تدنو من الظِلِّ؟!.
كثيراً ما حلمتُ بأنني أمشي على نهرٍ من الياقوتْ.. كثيراً ما حلمتُ بأنَّ دَرْبَ العودةِ الكبرى إلى الإنسانِ من الروحِ الممزَّقةِ مُمْتَدٌّ إلى عمقِ الأحزانْ.. من أحزانٍ، من أشجانٍ، من دموعٍ من القلبِ الذي يبدو بوسع الكونِ ثُمَّ يضيقُ كالتَّابوتْ.. وكنتُ إذا صحوتُ عرفتُ أني حالماً سأموتْ.. فهل يوماً تُغطي العُرْيَ في تلك الملامحِ التي انكسرتْ وُرَيقةُ تُوت؟!.
قلقٌ لهُ نكهةُ الحزنِ التي في الجُرْحِ، وللرؤى المسافرةِ في جرحِ العمرِ أجملُ ما يبوحُ بهِ الحنينُ… ولي إذا غنَّى المُغني ما يليقُ من المديح لأنني لم أُلْقِ في يدِ الأحزانِ دمي وأَنساهُ.. لأني لم أُغادر وردةً نادت عليَّ: تعالَ.. كنتُ أَمُرُّ عبر وريقاتِها نهراً من الياقوتِ كنتُ أَمُرُّ من جرحي لعطرها لينهضَ أيُّ قنديلٍ يُضيءُ الدَّرْبَ للآتينَ من بعدي.. وأعلمُ جيداً أنَّ الدَّمَ العربيَّ قافلةٌ من الزّيتونِ قادمةٌ، وقافلة من الوَرْدِ، وأني في انبثاقِ الأُمنياتِ على صدى تلويحةٍ خضراءَ أعرفُ كيف تَتَّسعُ السَّماءُ لخطوةٍ تمشي من الماءِ إلى الماءِ على دربينِ مُشتعلينِ من أقصى حُدودِ الجُرْحِ حتَّى نقطةٍ أقصى جنوبِ قناطرِ الأشلاءِ. ترسمُ في فضاءِ جهاتِها ذاكَ الطَّريقَ إليكَ مُتجهاً.. مسافة وردةٍ وأجيءُ ما بين النوافذِ وبين نزفِ دمي تركتُ لقادمٍ وعدي.
هي الأحلامُ أرصفةٌ نمُرُّ على وجوهِ العابرينَ بها فنلقاها تغصُّ وراءَ دمعتها بدمعتها، وتشربُ حزنَها.. آهُ.. وأرصفةٌ تَوَكَّأَ ظلُّها تعباً على دمها تُلملمُ ما تبقَّى من سؤالٍ جارحٍ في البالِ: أنتم أم هُمُ الآتونَ أشباهُ؟! أتلكَ وُجوهُ من كُنَّا نُحبُّ تمرُّ أم ذاك انكسارُ الياسَمينِ على ضفافِ الرُّوحِ ضَيَّعَ خطوةً للنَّهرِ يوماً مُذْ أضاع النَّهْرُ مجراهُ؟!.
أقولُ: هو الصَّهيلُ يمرُّ مِنْ شُعَبِ الرفيفِ، وتلكَ أَوَّل خُطوةٍ للصُّبْحِ من جرحي تمرُّ إليك.. إني بين شاهدةٍ وقبرٍ أُسرجتْ خيلي فأيَّةُ وردةٍ تأبى الرُّضوخَ لشاعرٍ مثلي تربىَّ بين ذاكرةِ الجراحِ، وشهقةِ الفُلِّ!!؟.
