واشنطن والحرب الاقتصادية على طهران: عودة إلى الخيارات المجربة
بقلم ابتسام الشامي
مع فرْضِ الرئيس الأمريكي ما وصفه بالعقوبات الأقسى في التاريخ” تعود الحرب العدوانية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى مرحلة سبق للأخيرة أن اختبرتها في عهد الرئيس نفسه، وسط تساؤلات عن قدرة الضغط الاقتصادي على دفع طهران لخفض سقوفها التفاوضية بشكل أكثر فعالية مما فعله الضغط العسكري خلال الفترة الماضية.
الإنزال الاقتصادي
بعد أشهر على إعلانه الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مربع الضغوط الاقتصادية، المربع ذاته الذي ظلل ولايته الرئاسية الأولى قبل أن يتورط في الثانية في الحرب المباشرة مع طهران ويغرق في وحول نتائجها الميدانية وتعقيداتها السياسية. وبعد سقف عال من التهديد بتوجيه ضربة قوية للبنية التحتية الإيرانية لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية، ابتلع ترامب تهديداته وأكاذيبه وانكفأ إلى خيار الضغوط الاقتصادية ومحاولة فرض “العزلة” على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مطلقاً ما سماها “العملية الاقتصادية الأكثر سحقاً على الإطلاق” ضمن ما وصفها بأنها حرب اقتصادية وعملية عزل على نطاق غير مسبوق. وفي منشور عبر منصته تروث سوشال، قال ترامب “لم يمنح أحد إيران فرصة أكبر مما فعلت أنا لإبرام صفقة، ولسوء حظهم وبصورة مأساوية، أخفقوا في اغتنامها”.
وفي ما يشبه الحشد الدولي لـ “حربه الجديدة”، قال الرئيس الأمريكي: “هذا يوم إنزال اقتصادي، نريد من كل حلفائنا أن يصطفوا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لعزل إيران وإنزال الهزيمة بها.. هؤلاء المجانين يترنحون، وهذه الإجراءات التاريخية ستشلهم وتشل قدرتهم على نشر الإرهاب في أنحاء العالم”. محذراً من أن تسمح أي دولة لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بمنح “أي شريان حياة بأي شكل من الأشكال” لإيران، وإلا فسوف تجد نفسها في مواجهة “تبعات اقتصادية هائلة”.
خيار مجرب
وفي ما يأمل الرئيس الأمريكي من “العقوبات” دفع طهران إلى تقديم تنازلات تخرج ترامب وادارته من ورطة الحرب معها، فإن الأخيرة وصفت على لسان وزير خارجيتها د.عباس عراقجي، خطة الرئيس الأمريكي بتشديد العقوبات الاقتصادية بأنها بمثابة المزيد من “السياسات الفاشلة” التي ستجلب على واشنطن “المزيد من الهزيمة”، على حد تعبيره.
وقال عراقجي في منشور على منصة إكس، إن “ما يسمى بـ “يوم النصر الاقتصادي” ليس إلا تشتيتا للانتباه عن أزمة الولايات المتحدة نفسها: ديون غير مسبوقة وارتفاع تكاليف الفائدة”، مضيفا أن “التمسك بسياسات فاشلة لن يجلب سوى المزيد من الهزيمة، والعداء من الإيرانيين”.
إعلان الحرب الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل الرئيس الأمريكي الحالي وأسلافه ليست استراتيجية جديدة، فهذا النوع الحروب العدوانية خبرته طهران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وعلى مدى نحو خمسة عقود من عمرها نجحت في التكيف مع شتى انواع الضغوط و”العقوبات” التي تصاعدت واتخذت أشكالاً مختلفة بزعم محاربة برنامجها النووي، وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي الشهير عام 2015 في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي سرعان ما انقلب عليه ترامب وانسحب منه عام 2018 قبل ان يطلق خطة لخنق إيران اقتصادياً تولى وزير خارجيته آنذاك مايك بومبيو التسويق لها بوصفها خطة محكمة قادرة على التأثير في خيارات طهران السياسية. الخطة التي عرفت رسميا باستراتيجية “الضغط الأقصى” مثلت “حرباً اقتصادية باردة” بديلة للمواجهات العسكرية المباشرة. وإذ ارتكزت إلى تصفير الصادرات النفطية الإيرانية وحرمان طهران من شريان حياتها المالي عبر خفض صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، فإنها هدفت من وراء ذلك إلى “تعديل” السلوك الإيراني، واضعة طهران أمام خيارين، إما الاستجابة لـ 12 شرطاً أمريكياً صارماً تشمل إنهاء البرنامج الباليستي ووقف دعم الفصائل الإقليمية، أو مواجهة انهيار اقتصادي كامل. وقد انطوت الخطة يومها على خطوات تصاعدية في الضغوط الاقتصادية والانتقال من “العقوبات” التقليدية إلى “خنق اقتصادي تدريجي ومحكم” يعتمد على آليات لوجستية ومصرفية متقدمة، اضافة إلى فرض حصار بحري ومراقبة الموانئ الإيرانية بهدف منع إيران من بيع نفطها. وهو ما لم تنجح الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف المرجوة منه قبل ان تجد نفسها امام خيار المواجهة العسكرية المباشرة.
تشكيك بجدوى الحرب الاقتصادية
وبين ولاية أولى فعّل فيها ترامب الضغوط الاقتصادية القصوى ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بديلاً عن الحرب المباشرة معها وولاية ثانية اختبر فيها الحرب قبل أن ينكفئ إلى الحرب الاقتصادية مجدداً، فإن الأسئلة المطروحة إلى المعنى السياسي للخطوة بوصفها دليلاً على المأزق العسكري عن تطوير المواجهة مع إيران، هي حول الجدوى العملية لهذه الاستراتيجية بالنظر إلى الأهداف الموضوعة للحرب، وما إذا كان للخنق الاقتصادي قدرة تأثير أكثر فعالية من الصواريخ والقنابل، فضلاً عن أن تكون إيران المتضرر الوحيد منها.
حول هذه الاسئلة جاءت مقاربات المحللين السياسيين لتلقي بمعظمها على التشكيك بقدرة واشنطن من خلال الحرب الاقتصادية على تحقيق مع عجزت عنه بالحرب العسكرية. وفي هذا الإطار أكدت مجلة “بوليتيكو”، في تقرير نقلت فيه عن مسؤولين سابقين في إدارة ترامب وسفراء أمريكيين وخبراء في الشرق الأوسط، أن هناك تشككاً في الحرب الاقتصادية التي وعد بها وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي قال إنها ستكون حرباً مختلفة عن الحروب السابقة. وأشارت المجلة إلى أن الرئيس دونالد ترامب ينتظر أن ترفع إيران الراية البيضاء نتيجة حربه الاقتصادية، لكن طهران تبدو مستعدة للانتظار لفترة أطول، ولن تستجيب لمطالبه بالتخلي عن فرض رسوم على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز أو المطالب الأخرى التي يريد ترامب تحقيقها من أجل وضع حد للحرب. وعلق جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق على الإجراءات الأمريكية الجديدة “بأنها حملة استنزاف، وأنا متأكد من أن وزارة الخزانة تجري تعديلات طفيفة هنا أو هناك لملء الثغرات أو توسيع العقوبات”، مضيفاً: “من الصعب تصديق حصول شيء حاسم بعد 20 عاماً من العقوبات الأمريكية وتجربة إيران في الالتفاف عليها”.
وبحسب المجلة الأمريكية فإن تصريح جيفري يكشف عن عدم تكافؤ الوضع، إذ تواجه إدارة ترامب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة وسط حرب لا تحظى بشعبية، رفعت أسعار النفط إلى نحو 90 دولاراً للبرميل، وساهمت في رفع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من عقدين، في وقت تتضاءل فيه الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام.
وتعليقاً على الحرب الاقتصادية ضد إيران ومدى فرص نجاحها، قالت جوليا كورونادو، مؤسسة “ماكرو بوليسي بيرسبكتيفز” وهي شركة مستقلة للأبحاث الاقتصادية: “نحن في وضع ننفق فيه المزيد والمزيد لتمويل المزيد والمزيد”. موضحة أن الحرب على إيران خلقت “عالما أكثر خطورة، مليئا بالتوترات والصدمات في العرض”.
وتابعت مجلة بوليتيكو أن قدرة إيران على تحمل الضغوط تمثل أحد الأسباب التي تجعل بعض المسؤولين السابقين في الإدارة الأمريكية يشككون في أن الحصار البحري، رغم كونه غير مسبوق في نطاقه في العصر الحديث، أو أي استراتيجيات جديدة قد يكشف عنها بيسنت، ستكون كافية لتغيير حسابات إيران.
بدورها، رأت مديرة السياسة الخارجية في مؤسسة “بروكينغز” سوزان مالوني، أن الضغط الاقتصادي “لن ينجح إلّا إذا كانت قدرتنا على الصمود أكبر من قدرة النظام الإيراني على الصمود، وليس واضحا أن هذا رهان جيد”. موضحة ان الاقتصاد الإيراني تشكّل بفعل الضغط الاقتصادي الأمريكي.
وفي سياق متصل بقراءة الأبعاد المرتبطة بدوافع ترامب تفعيل الحرب الاقتصادية ضد إيران، ومدى قدرتها على التأثير في خياراتها، رأت صحيفة واشنطن بوست أنه على الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي المتكررة بفرض عقوبات غير مسبوقة ضدّ طهران، فإنه لا يمتلك خيارات كثيرة لتنفيذ تهديداته، وقالت الصحيفة إنّ التهديدات التي يطلقها ترامب بشأن زيادة الضغط على إيران “تبقى في الغالب مجرد كلام، دون أن يقابلها إجراءات فعلية على الأرض”. وأوضحت الصحيفة الأمريكية على لسان مدير مركز الجيو/سياسة الاقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية إدوارد فيشمان، أن ترامب “يلوح بهذه التهديدات بشكل متكرر، لكن القليل منها ما يتحول إلى خطوات عملية”. وأشار فيشمان إلى أن إيران تخضع بالفعل للعقوبات الأمريكية منذ عام 2018، وبالتالي فإن السبيل الوحيد المتبقي أمام ترامب هو تشديد الإجراءات ضد الشركاء التجاريين لإيران، وعلى رأسهم الصين والإمارات وتركيا. كما تشمل الخيارات الأخرى استهداف البنوك والمصافي التي تشتري كميات محدودة من الطاقة الإيرانية، أو فرض عقوبات على البنوك التي تحتفظ بأصول إيرانية في الخارج.
وشدد فيشمان في ختام تحليله على أن “ترامب لا يستطيع فعل الكثير في هذا الملف، ما لم يكن مستعدا لتهديد العالم بأسره بحرمان أي طرف يتعامل مع إيران من الوصول إلى الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يمثل تصعيدا دراماتيكياً قد يكون له تداعيات واسعة”.
أما صحيفة “نيويورك تايمز” فقد توقفت في تقرير لكل من أنطون تريانوفسكي وألين رابيبورت، عند الرسالة السياسية لخطوة الرئيس الأمريكي، معتبرة ان الرسالة المبطنة من وراء “الحرب الاقتصادية” أو “يوم النصر” بأنه لا يرغب بالعودة إلى الحرب مرة ثانية.
مشيرة إلى ان وزير الخزانة، سكوت بيسنت حاول طمأنة المستثمرين القلقين بشأن حملة الضغط على إيران قائلاً إن استئناف القتال بشكل “واسع النطاق أمر مستبعد. وقال الكاتبان إن مشكلة إدارة ترامب تكمن في أن إيران كانت تستمع أيضاً. ونقلت الصحيفة عن دينيس روس، المفاوض السابق لشؤون الشرق الأوسط، متحدثاً عن قادة إيران بأنهم “يفسرون الآن موقف بيسنت على أنه لا يرغب في التصعيد العسكري، وهذا يخلق حافزاً لهم لإظهار احتمالية التصعيد عسكرياً”.
خاتمة
بعودته إلى الحرب الاقتصادية، يختبر الرئيس الأمريكي خياراً سبق أن اختاره هو شخصياً تفادياً لحرب عسكرية مباشرة مع إيران، أما وقد اختاره بعد مغامرته العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فإنه يعترف ضمنياً بالنتائج التي أفضت اليها، وفي مقدمها عدم قدرة الجيش الأمريكي على المزيد من التورط العسكري.
