فضاءات فكرية

الصّدفة بين الجهل والمعرفة.. والكون بين الحتمية والاحتمال

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

لكن، هل الصدفة مجرد كلمة نطلقها للتخفيف عن أنفسنا عناء البحث عن أسباب أعمق، أم أنها تحمل في طياتها معنى فلسفياً وعلمياً يستحق التوقف عنده، لتفكيكه وتحليله ودراسة مقتضياته ومعانيه ومآلاته؟!..

في واقع الأمر، كلمة “صدفة”، هي من أكثر المصطلحات تداولاً في حياتنا اليومية الخاصة والعامة.. فنحنُ مثلاً نقولُ: “التقيته صدفة”، أو “حدث الأمر بمحض الصدفة”، بل قد يذهب البعض أبعد من ذلك فينسبون نشأة الكون بأكمله إلى الصدفة. لكن هذا الاستخدام المتكرر لا يمنع من أن هذا المفهوم هو – في العمق – مفهومٌ إشكالي وغامض معرفياً. فهو يتأرجح بين كونه مجرد تسمية للجهل بالسبب، وبين كونه مبدأً تفسيرياً معترفاً به في بعض النظريات العلمية الحديثة. وهنا تكمن المفارقة: إننا نستخدمه بكثرة، لكننا قلما نتمعن في مضامينه الفلسفية والعلمية، أو في السؤال الأهم: هل الصّدفة صفة للعالم الخارجي أم هي مجرد أداة في أذهاننا؟!. وهل صحيح علمياً أن الكون والوجود وجد صدفة؟!.. رغم هيمنة قانون العلة الحاكم…!!.

فهل الصدفة تعني وجود الشيء من دون علّة، بما ينفي العلل الطبيعية وغير الطبيعية، أي نفي وجود العلة مطلقاً، بحيث يكون مصطلح “الصُدفة” هو سلسلة من التحولات والتغيرات في الكون التي حدثت من دون علّة؟!. أو هل هي اتفاق مجهول العلة: فإذا كانَ هذا المعنى الاصطلاحي هو المقصودُ فيكون استخدام كلمة صدفة هنا بمثابة قولهم: إنّ علة الكون (أو علة إنشائه من العدم) مجهولة؟!.. أو هل هي صدور النظم والسنن عن سلسلة من العلل غير العاقلة وغير المدركة بحسب ما قَبِلها وتبنّاها المفكّرون الماديون؟!… وهنا يكون الأمر الأهم هو أنَّ الملحدَ يتوخّى من وراء فكرة الصُدفة نفي الحاجة إلى وجود الخالق، فالكون والعالم، والوجود مطلقًا وُجد هكذا بلا قصد في وجوده..

أولاً، في معجم التاريخ الفلسفي: من سقوطِ النّرد إلى نقد العقل

بالنظر إلى الجذور الاشتقاقية، نجد أن كلمة “Chance” في اللغات الأوروبية مشتقة من الكلمة الفرنسية القديمة “chéance”، التي تعني “كيفية السقوط”، وهذا يحيلنا مباشرة إلى نموذج سقوط النرد، حيث تكون النتيجة غير قابلة للتنبؤ الدقيق، لكنها مع ذلك تخضع لقوانين الاحتمال. هذا النموذج البدائي سيصبح لاحقاً حجر الزاوية في نظرية الاحتمالات الرياضية، لكنه يبقى مجرد استعارة، لا تعريفاً فلسفياً مكتملاً. ولكن في العصر الحديث، نجد أن بعض الفلاسفة الكبار مثل فولتير وهيوم، قدّموا نقداً لاذعاً للصدفة. فقد عرّف فولتير، وبصياغته الساخرة المعهودة، الصدفة بأنها “السبب المجهول لتأثير معلوم”، وذهبَ إلى أنها في النهاية كلمة فارغة من المعنى الجوهري. أما هيوم، فكان أكثر حدة في نقده، إذ رأى أن الصدفة -عند التدقيق- ليست أكثر من كلمة سلبية تعبرُ عن قصور في معرفتنا، ولا تشيرُ إلى أية قوة فاعلة في العالم الخارجي. هذان الموقفان الفولتيري والهيومي يتفقان على أنّ الصدفة ليست شيئاً في الأشياء، بل هي وصف لعلاقتنا المعرفية بالأشياء، أي أنها علامة على نقص في إدراكنا لشبكة الأسباب.

لكن قبل هذين الفيلسوفين بقرون، كان الفيلسوف أرسطو قد قدّم تحليلاً أكثر دقة وتركيباً. فقد ميّز بين ما يحدث “دائماً أو في الأغلب”، وهو ما يندرج تحت سنن الطبيعة، وما يحدث “نادراً” أو بشكل استثنائي. فالصدفة في فلسفته هي “علة بالعرض”، أي أنها نتيجة غير مقصودة لتداخل سلسلتين سببيتين مستقلتين. والمثال الأرسطي الكلاسيكي هو رجل يذهب إلى السوق ليشتري سلعة معينة، وفي الطريق يلتقي بشخص كان مديناً له فيسدد دينه. هنا، لقاء المدين ليس هو سبب الذهاب إلى السوق، لكنه حدث “بالعرض” نتيجة لتقاطع مسارين منفصلين، وهذا هو جوهر الصدفة في المنظور الأرسطي.

ثانياً: الصدفة في رحاب العلم: من النفي إلى الأداة التفسيرية

لفترة طويلة، كانت النظرة العلمية السائدة، وخاصة في ظل نموذج الحتمية النيوتونية واللابلاسية، تنفي أي دور حقيقي للصدفة. كان الكون يُنظر إليه كساعة دقيقة، حيث يمكن، نظرياً على الأقل، التنبؤ بكل حدث مستقبلي إذا توفرت المعرفة الكاملة بالظروف الأولية والقوانين الفيزيائية. في هذا الإطار، كانت الصدفة مجرد ستار للجهل، وليست خاصية من خصائص الواقع. إلا أن القرن التاسع عشر شهد تحولاً جذرياً، ويمكن القول إن عام 1859 كان عاماً فاصلاً في هذا السياق. ففي هذه السنة تحديداً، ظهرت ثورتان فكريتان متزامنتان: نظرية داروين في التطور، ونظرية ماكسويل في الفيزياء الإحصائية. وكما يشير الباحث ريموند لاستيان، كانت هاتان النظريتان بمثابة اقتحام للصدفة كتفسير مشروع للظواهر، سواء في عالم الأحياء أو في عالم الفيزياء.

في نظرية داروين، لم تعد الصدفة مجرد اسم للجهل، بل تحولت إلى أداة نظرية فاعلة. فالطفرات الوراثية تحدث بشكل عشوائي، أي “صدفة”، بالنسبة لحاجة الكائن الحي، ثم يأتي دور الانتقاء الطبيعي، أي “الضرورة”، ليختار منها الأصلح للبيئة. هذا الدمج الجدلي بين الصدفة والضرورة هو لب النظرية الداروينية. هنا، الصدفة ليست سبباً فاعلاً بالمعنى الكلاسيكي، بل هي آلية لإنتاج التنوع، وهي مبدأ تفسيري يجعل الظاهرة البيولوجية قابلة للفهم العقلاني، بدلاً من أن تكون مجرد اعتراف بالعجز عن التفسير.

أما في الفيزياء، فقد طوّر ماكسويل نظرية إحصائية للغازات، جعلت الخصائص الماكروسكوبية مثل الحرارة والضغط مجرد متوسطات إحصائية لسلوك جزيئات فردية لا يمكن تعقب مساراتها بدقة. هنا، أصبحت الصدفة أداة رياضية ومفهومية للتعامل مع الأنظمة المعقدة، حتى لو كانت مكوناتها، في العمق، تخضع لقوانين حتمية. وجاءت ميكانيكا الكم في القرن العشرين لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً وإثارة، وهو ما إذا كانت الصدفة متأصلة في نسيج الواقع ذاته. ففي تفسير كوبنهاغن الشهير، مثلاً، يعد اضمحلال النواة الذرية حدثاً عشوائياً حقيقياً، لا يمكن التنبؤ به وليس له سبب محدد بالمعنى الكلاسيكي. لكن هذا التفسير بقي، ولا يزال، محط نقاش فلسفي وعلمي عميق.

وقد ميّز الباحثون بين مستويين للصدفة في السياق العلمي: الأول هو الصدفة كمبدأ ميتافيزيقي، أي اعتبارها قوة أساسية في الكون تخلق الأشياء، وهذا موقف إشكالي. والثاني هو الصدفة كأداة نظرية عملية، يتم استخدامها كأداة تفسيرية ضمن نظرية علمية محددة. بهذا المعنى الثاني، فإن الصدفة تساعدنا على التفكير في العالم وجعله قابلاً للفهم، بدلاً من أن تكون اسماً للامعقول أو غير المفهوم. وهذه بالضبط هي النقلة النوعية التي حدثت في العلم الحديث.

ثالثاً: نشأة الكون: هل هي صدفة أم نظام؟

عندما ننتقل من الظواهر الجزئية إلى السؤال الأكبر، سؤال نشأة الكون ككل، نجد أنفسنا أمام ثلاثة نماذج تفسيرية رئيسية.

النموذج الأول هو النموذج الإلهي أو الغائي، الذي يرى أن الدقة المتناهية في قوانين الفيزياء، وقوانين الوجود ونواميسه ومعادلاته التي لم يكتشف كثير منها، والتي تسمح بوجود الحياة، لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة، بل هي دليل على خالق مقصود ومصمم حكيم، وعلى غائية مطلقة.. أي دليل على وجود المُحرِّك الأول.

أما النموذج الثاني، فهو نموذج الأكوان المتعددة، الذي يفترض وجود عدد هائل، بل لا نهائي، من الأكوان، لكل منها قوانينه الفيزيائية الخاصة. وفي هذا الإطار، كوننا ليس أكثر من واحد من هذه الأكوان، ونحن نوجد فيه لأن قوانينه هي التي تسمح بظهور الحياة، وهو ما يُعرف بالمبدأ الأنثروبي. لكن النقد الجوهري لهذا النموذج أنه، حتى الآن، غير قابل للاختبار التجريبي، كما أنه لا يفسر أصل آلية الأكوان المتعددة نفسها.

أما النموذج الثالث، وهو الأحدث والأكثر طموحاً، فهو نموذج “الاختيار الطبيعي الكوني”، الذي يحاول تقديم طريق ثالث يتجاوز ثنائية الصدفة العمياء والتصميم الخارجي. في هذا النموذج، الذي اقترحه الفيزيائي لي سمولين، تُعتبر قوانين الكون نتيجة عملية تطورية على المستوى الكوني، حيث تتكاثر الأكوان عبر الثقوب السوداء، وتنتقل إليها طفرات في الثوابت الفيزيائية، بحيث تصبح الأكوان التي تنتج ثقوباً سوداء أكثر هي الأكثر شيوعاً عبر الزمن الكوني. هذا النموذج، رغم كونه تخمينياً إلى حد كبير، يقدم محاولة جريئة لتفسير “الضبط الدقيق” للكون بطبيعة كونية، دون اللجوء إلى الصدفة العمياء أو إلى المصمم الإلهي.

رابعاً: هل الصدفة موجودة في العالم أم في أذهاننا؟

هنا نصل إلى السؤال الفلسفي الأكثر جوهرية: هل الصدفة هي صفة حقيقية للواقع الخارجي، أم أنها مجرد بناء عقلي نستخدمه لملء الفجوات في معرفتنا؟ هناك موقفان أساسيان. الموقف الأول، وهو الموقف الموضوعي، يرى أن الصدفة صفة متأصلة في الواقع نفسه، كما في بعض تفسيرات ميكانيكا الكم، حيث يكون الحدث عشوائياً بشكل حقيقي، أو في نظرية التطور، حيث تحدث الطفرات بشكل عشوائي فعلي. أما الموقف الثاني، وهو الموقف الذاتي، فيرى أن الصدفة ليست موجودة في الأشياء، بل هي تعبير عن علاقة بين العقل البشري والعالم، أو عن عجزنا عن توقع حدث معين بسبب تعقيد شبكة الأسباب، أو بسبب تداخل سلاسل سببية مستقلة. بهذا المعنى، الصدفة هي مجرد حدث لا يتناسب مع توقعاتنا أو لا يمكننا تفسيره بشكل كافٍ.

وهنا يمكننا الاستعانة بما يُعرف بـ “نظرية الوسيط” في فلسفة العلم. هذه النظرية ترى أن الصدفة لا تفسر الأحداث بشكل مباشر، بل هي بمثابة وسيط أو رابط بين ترتيب معين (مثل عملية إلقاء النرد) ونتيجة محددة (ظهور رقم معين). فالصدفة، أو الاحتمال، لا تسبب ظهور هذا الرقم تحديداً، بل هي تصف علاقة الارتباط بين الفعل والنتيجة في سياق غير حتمي. إذاً، الصدفة ليست علة، بل هي أداة مفاهيمية لفهم العلاقات الاحتمالية بين الأسباب والنتائج.

خامساً: لماذا نسمي الأشياء صدفة،

وهل يمكن أن تكون الصدفة قانوناً غير معروف؟

ربما يعود سبب تسميتنا للكثير من الأحداث بالصدفة إلى أسباب متعددة ومتداخلة. أحياناً يكون السبب هو الجهل بالسبب الحقيقي، فنطلق كلمة “صدفة” هروباً من عناء البحث في شبكة الأسباب المعقدة. وفي أحيان أخرى، يكون السبب هو التبسيط المعرفي، حيث يكون من الأسهل، في حياتنا اليومية، أن نعزو حدثاً ما إلى الصدفة بدلاً من تتبع خيوطه السببية الطويلة. وقد يكون السبب موقفاً فلسفياً مسبقاً، كما هو الحال عند الذريين القدماء كديموقريطس وأبيقور، الذين جعلوا من “انزياح الذرات” الصدفي أساساً لتشكل العالم. لكن السؤال الأعمق: هل يمكن اعتبار الصدفة نفسها قانوناً من قوانين الكون، لكنه قانون غير معروف للعقل البشري؟.

حقيقةً، أنا أميلُ إلى اعتبار أن الصدفة قانون محكم قائم بذاته، ولكن ما زال الإنسان يفتقر للوسائل والأدوات اللازمة لفهمه ووعيه ومعرفة مضمونه ومعادلته مثل كثير من الأمور الغامضة في هذا الوجود العظيم الواسع المترامي الأطراف.

ولكن هنا لا بد من التمييز بين نوعين من القوانين. القوانين الحتمية، كقوانين نيوتن، تفترض أن الأسباب نفسها تؤدي دوماً إلى النتائج نفسها. أما القوانين الاحتمالية، كتلك التي نجدها في ميكانيكا الكم أو الفيزياء الإحصائية، فتفترض أن الأسباب نفسها قد تؤدي إلى نتائج متعددة مختلفة، مع معرفة احتمالية كل نتيجة. وإذا كانت الصدفة تعني، في الاستخدام العلمي، عدم القدرة على التنبؤ الدقيق في إطار قوانين احتمالية، فهي ليست قانوناً مستقلاً، بل هي وصف لسلوك الأنظمة التي تخضع لهذا النوع من القوانين. أما إذا كانت الصدفة تعني غياب أي سبب على الإطلاق، فهي ليست قانوناً، بل هي نفي لفكرة القانون ذاته. لذلك، يمكن القول إن الصدفة في العلم الحديث ليست غياباً للسببية، بل هي تعبير عن نوع خاص من العلاقات السببية التي لا يمكن اختزالها إلى قوانين حتمية بسيطة. هي ليست “قانوناً غير معروف”، بل هي طبيعة بعض القوانين نفسها، أو طريقة تداخل الأسباب المعقدة.

في الخلاصة يمكن القول بأن الصدفة ليست جواباً، بل هي بداية سؤال.. أي أن هذا المفهوم متعدد الأوجه والإشكاليات. فقد تكون في الحياة اليومية مجرد اسم للجهل أو للعجز عن التفسير. لكنها في العلم الحديث قد تصبح أداة نظرية قوية تمكننا من فهم الظواهر المعقدة، كما في نظرية التطور والفيزياء الإحصائية. وقد تكون، إذا صحت بعض التفسيرات، وصفاً لطبيعة الواقع ذاته، كما في ميكانيكا الكم. لكنها تبقى، في كل الأحوال، سؤالاً فلسفياً مفتوحاً حول حدود السببية والحتمية.

إن القول بأن الكون بأسره هو مجرد صدفة، هو قول يحمل في طياته فهماً معيناً ومحدوداً للصدفة، لكنه من الناحية العلمية والفلسفية الجادة، يظل تفسيراً ناقصاً غير مكتمل، بل إنه يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً: لماذا توجد أساساً قوانين تسمح بوجود الصدفة؟ّ ولماذا توجد قوانين احتمالية تحكم سلوك العشوائية؟..

إنني أعتقد أن عدم تمكن الإنسان من الوصول لمعرفة العلة في وجود هذا الكون (وعدم توفره على معلومات قطعية)، لا يجب أن يدفعه هذا إلى القول بالصدفة، أو العشوائية، أو اللاجدوى.. فالعقل العلمي الناضج لا يكتفي بتسمية الأشياء صدفة، بل يسعى دائماً لفهم آلية عمل هذه الصدفة في نسيج الكون، وكيف تتفاعل مع عنصر الضرورة والقانون لإنتاج ذلك النظام والتعقيد المذهلين اللذين نلاحظهما في العالم من حولنا، بما يؤكد أن الكون مصنوع بقانون وبعلة خلْقٍ عظيمة ومذهلة، غاية في الإتقان والنظم والضبط والانسجام والروعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *