الحرب على إيران تربك الحسابات الأمريكية.. تداعيات عسكرية وسياسية قاسية على واشنطن
بقلم ابتسام الشامي
بين الضغط الاقتصادي الأقصى والتصعيد العسكري المضبوط تحت سقف عدم العودة إلى الحرب تتواصل الحملة العدوانية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبينما يضيف الرئيس الأمريكي إلى سلسلة ادّعاءاته المزيد من الإنجازات الوهمية، تتعاظم التداعيات السلبية للعدوان على الولايات المتحدة وقوتها العسكرية.
تصعيد عسكري واقتصادي
لم تمض أيام عدة على بدء العدوان الاقتصادي الأمريكي بصيغة الحصار الخانق للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى لاحت مجدداً بوادر التصعيد العسكري، بعدوان أمريكي هو الأعنف منذ وقف إطلاق النار، هدف بحسب القيادة العسكرية الأمريكية إلى تقليص قدرة الحرس الثوري الإيراني على تهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وترافق العدوان الذي افتتح باستهداف عرس في منطقة كوهستاك في مدينة سيريك جنوب إيران بسقف عال من التهديد، تولاه الرئيس دونالد ترامب الذي هدد بمحو إيران في حال قامت بالرد على “الضربات”، في لغة استعاد فيها ما قاله عشية وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي عندما هدد بمحو الحضارة الإيرانية، قبل أن يضطر صاغراً إلى الموافقة على شروط إيران التي تضمنتها مذكرة التفاهم الموقّعة بين واشنطن وطهران في حزيران الماضي التي انقلب عليها محاولاً من خلال الضغط الاقتصادي والعسكري إنتاج صيغة جديدة تخضع إيران وتوفر له صورة انتصار يحتاجها على أبواب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
لكن طهران التي واجهت العدوان لأربعين يوماً متواصلة وفاجأ صمودها الصديق والعدو على حد سواء، ليست في وارد التخفيف من مأزق ترامب وإدارته وتقديم حبل النجاة لحزبه، وهي إذ تكابد التداعيات العملية للحصار فإنها تراكم في معادلة الردع، إيماناً منها أن كلفة المواجهة أقل من كلفة التسوية على الطريقة الأمريكية، مضافاً إلى ذلك قراءة القيادة الإيرانية الدقيقة لتداعيات الحرب عليها على الداخل الأمريكي على المستويين العسكري والسياسي. وانطلاقاً من هذا الفهم لطبيعة المعركة ومركزية الصمود فيها ومراكمة طبقات الردع، فإن القوات المسلحة الإيرانية، بجناحيها الحرس الثوري والجيش الإيراني، لم ترد على العدوان فحسب وإنما وسعت من دائرة الرد في استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في الأردن ودول الخليج بإضافة أهداف جديدة لها شملت أماكن إقامة جنود وضباط الجيش الأمريكي في منشآت وفنادق خاصة، لاسيما في الأردن حيث أفيد عن وقوع عدد من الإصابات في صفوفهم. وفي تعهدت طهران بالرد على أي عدوان، فإن قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي توعد الأمريكيين بالانتقام لضحايا مجزرة حفل زفاف سيريك بعد العدوان الأمريكي، وقال وحيدي، في بيان بثه التلفزيون الرسمي الإيراني، إن دماء الضحايا الشهداء المظلومين لن تمر دون رد، مؤكداً أن الثأر لهم سيتم بالتأكيد. وأن مرتكبي ومدبري الهجمات الشنيعة ضد الشعب الإيراني البريء، سيدفعون ثمناً باهظاً لجرائمهم. وأضاف قائد الحرس الثوري أن القوات الإيرانية تتعهد بحماية شرف الضحايا، مؤكداً عزمها على إرساء الأمن الذي لا يتزعزع لجميع الإيرانيين في مختلف أنحاء البلاد. مشدداً على أن الحرس الثوري سيواصل القيام بدوره في مواجهة التهديدات والهجمات.
التداعيات العسكرية
وفي ما يبدو التخبط الأمريكي واضحاً في إدارة الحرب كما في الخروج منها، فإن لهذه الحالة أسبابها وتداعياتها التي تقوض القرار الأمريكي وتضع قيوداً أمام الخيار العسكري الذي يبقى مطروحاً على طاولة لدى صانع القرار في واشنطن ضمن معادلة عسكرية تقول بإن ما لا يتحقق بالقوة، يتحقق بمزيد منها، علماً أن هناك علامات استفهام تطرح حول مستقبل القوة الأمريكية في ضوء الحرب على إيران. وبعد التقارير الاستخبارية الأمريكية المسربة عن النقص في المخزون الصاروخي الأمريكي الهجومي والدفاعي، يمكن الإشارة إلى تطور في مقاربة المؤسسة العسكرية لاستمرار الحرب على إيران وما تفرضه من تحديات، فقد حذّر عدد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، وزير الدفاع، بيت هيغسيث، من أن مواصلة العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران لفترة أطول قد تستنزف قدرات الجيش الأمريكي وتحد من قدرته على مواجهة تهديدات أخرى، بما في ذلك حماية الأراضي الأمريكية. وقالت صحيفة “واشنطن بوست”، نقلاً عن أشخاص مطلعين على تقييم حديث أُعد لوزير الدفاع، إن قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية، إلى جانب قادة أربع قيادات عسكرية أمريكية إقليمية، أبدوا مخاوف متزايدة بشأن تداعيات تمديد انتشار القوات والموارد المخصصة للحرب مع إيران. ووردت التحذيرات في نسخة 14 آب من كتاب أوامر وزير الدفاع، وهو وثيقة دورية سرية ترصد مدى توافر السفن والطائرات والأفراد وأنظمة الأسلحة الأمريكية حول العالم، وتقدم تقييماً لتأثير توزيع القوات على المهام العسكرية المختلفة.
وقد أبدى قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، الأميرال صامويل بابارو، اعتراضه على حجم الدعم المستمر المطلوب لقواته، بما في ذلك مجموعة حاملة طائرات ومدمرات بحرية. كما حذّر قادة القيادة الأوروبية والقيادة الجنوبية من أن تحويل سفن وطائرات استطلاع إلى القيادة المركزية أدى إلى تراجع قدرتهما على تنفيذ مهام الدفاع عن الأراضي الأمريكية. علماً أن الحرب على إيران أدت بحسب الصحيفة الأمريكية إلى سحب سفن وطائرات ومعدات عسكرية من مناطق أخرى لدعم العمليات في الشرق الأوسط، ما حد من قدرة القيادات الأمريكية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية على تنفيذ مهامها والحفاظ على مستويات التدريب المطلوبة.
التداعيات السياسية
ولا تقتصر تداعيات الحرب على إيران على المستوى العسكري وإنما السياسي مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط توقعات بتراجع الحزب الجمهوري، وتفادياً لهذا السيناريو، تضغط مجموعة من كبار مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه منع تصعيد الحرب مع إيران قبل الانتخابات المقررة في تشرين الثاني المقبل، في محاولة للحد من الخسائر الانتخابية المحتملة للحزب الجمهوري، وفق ما نقلت وكالة رويترز عن أربعة مصادر مطلعة. وبحسب المصادر، التي كان ثلاثة منها من مسؤولي البيت الأبيض، فإن إبقاء نطاق الحرب محدوداً إلى حد كبير حتى موعد الانتخابات من شأنه أن يحول دون هيمنة الصراع، الذي يعارضه غالبية الأمريكيين، على التغطية الإخبارية خلال فترة يخوض فيها الجمهوريون معركة الحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة في مجلسي الشيوخ والنواب. كما أن هذا التوقف التكتيكي قد يمنح الجيش الأمريكي وقتاً لتعويض ما استُنفد من مخزونات الذخائر، وفق المصادر نفسها. وإذ أفادت المصادر بأن ترامب لا يرغب حالياً في التصعيد، إلا أنها أشارت إلى أنه معروف بميله إلى تغيير مواقفه، وقد يغيّر حساباته تبعاً لتطورات الأحداث.
ويأتي هذا التطور في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي تراجعاً واضحاً في التأييد للحرب. فقد أظهر استطلاع أجرته “رويترز/إبسوس” في أواخر آب أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون الحرب، مقابل نحو 63% يعارضونها، فيما يبدي الناخبون استياءً شديداً من ارتفاع أسعار البنزين. كما تراجعت شعبية ترامب من 40 إلى 33% منذ بدء الحرب.
بدورها أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال، أن الرئيس الأمريكي أبدى تأييده لفكرة إنهاء الحرب والاعتماد بدرجة أكبر على الضغط الاقتصادي، في وقت يعمل فيه وزير الدفاع، بيت هيغسيث، على تمديد انتشار جزء من القوات الأمريكية في المنطقة إلى عام 2027. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب يعتقد بأن “مواصلة الضغط الاقتصادي قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملف النووي”، فيما يحذّره مساعدوه من أن “توسيع المواجهة قد يضرّ بفرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني”.
خاتمة
على الرغم من مراهنته على الضغط الاقتصادي والعسكري فإن عامل الوقت لا يلعب لمصلحة الرئيس الأمريكي وحزبه، فالضغوط القصوى على إيران بوجهيها العسكري والاقتصادي لا تنحصر تداعياتها باتجاه واحد فحسب وإنما تطال الولايات المتحدة في لحظة حساسة تصارع فيها على مكانتها وصورة قوتها أمام شعبها ودول العالم.
