اليمين “الإسرائيلي” يأكل نفسه.. نتنياهو وفينتر وسموتريتش في معركة الأصوات
بقلم د. محمد الايوبي
في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها “إسرائيل”، تلوح في الأفق انتخابات قد تكون الأكثر حسماً في تاريخ الكيان الإسرائيلي. فما إن أعلن العميد احتياط عوفر فينتر، القائد السابق للواء غفعاتي، عن حزبه الجديد “شعب إسرائيل”، حتى اهتزت معادلات المشهد السياسي برمتها.
ومع تنامي شعبية غادي آيزنكوت وحزبه “يَشار”، يجد بنيامين نتنياهو نفسه وجهاً لوجه مع تحدٍ وجودي قد يطيح بحكمه المستمر منذ أكثر من عقد. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل بدأ العدّ العكسي لرجل “إسرائيل” الأقوى؟
المشهد الانتخابي: بين الاستطلاعات المتضاربة والحقيقة المرة
لم تعد الانتخابات “الإسرائيلية” تسير نحو نتيجة واحدة يمكن إعلانها مسبقاً. فالاستطلاعات الأحدث، المنشورة في 30 آب، ترسم صورتين متعارضتين: استطلاع “كان” يمنح غادي آيزنكوت وحزبه “يَشار” الصدارة، ويُبقي معسكر نتنياهو بعيداً عن الأكثرية؛ بينما يمنح استطلاع القناة 14 المؤيدة لنتنياهو، الليكود تقدماً كبيراً ويعطي معسكر اليمين 63 مقعداً. وبينهما يقدم متوسط استطلاعات “غلوبس” صورة أكثر تحفظاً: آيزنكوت أولاً، لكن لا معسكر يستطيع بلوغ 61 مقعداً من دون إعادة تركيب التحالفات.
في استطلاع “كان”، حصل “يَشار” على 24 مقعداً، مقابل 21 لليكود و14 لتحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد. ونالت الأحزاب الدينية، “شاس” سبعة مقاعد و “يهودوت هتوراه” ثمانية، وحصل بن غفير على سبعة وسموتريتش على خمسة، بينما دخل عوفر فينتر بأربعة مقاعد. بذلك يبلغ معسكر نتنياهو 48 مقعداً، ويرتفع إلى 52 مع فينتر، مقابل 55 للمعارضة الصهيونية و12 للأحزاب العربية.
لكن الأكثر قسوة على نتنياهو يبقى استطلاع “معاريف” في 28 آب، الذي أعطى آيزنكوت 25 مقعداً مقابل 20 لليكود، ووضع كتلة نتنياهو عند 43 مقعداً، أو 48 مع فينتر، مع سقوط سموتريتش تحت نسبة الحسم. كما تقدّم آيزنكوت على نتنياهو في الملاءمة لرئاسة الحكومة بنسبة 48% مقابل 37%.
نتنياهو وإشكالية المسؤولية: تبرير الفشل وإلقاء التهم
لا يمكن فهم أبعاد المعركة الانتخابية الراهنة من دون العودة إلى جذور الأزمة التي عصفت بثقة الجمهور “الإسرائيلي” بحكومته. فبينما لم يتوقف نتنياهو عن تكرار سردية “الإنجازات غير المسبوقة” في اغتيال قادة محور المقاومة واحتلال أراضٍ في غزة ولبنان وسوريا، يظل السابع من أكتوبر 2023 كابوساً يعانده في كل منعطف سياسي.
في أحدث فصول محاولاته لتبرئة نفسه، أطلق نتنياهو تصريحاً يكشف عن عمق المأزق الذي يعيشه، حين حمّل قادة الجيش وأجهزة الأمن والاستخبارات مسؤولية الفشل الذريع في ذلك اليوم المشؤوم، معتبراً أنه لو كانوا “أيقظوه من النوم فقط” لكان بإمكانه تغيير مجرى الأحداث. هذا التصريح، الذي يحمل في طيّاته تنصلاً صارخاً من المسؤولية، يعكس استراتيجية نتنياهو الدائمة في البحث عن كبش فداء، وتحويل الأنظار عن دوره المركزي في صناعة القرارات التي قادت إلى واحدة من أعظم الكوارث في التاريخ الكيان الإسرائيلي.
غير أن هذه المحاولة اليائسة لإعادة كتابة التاريخ اصطدمت بجدار من الغضب الشعبي، إذ رأى فيها “الإسرائيليون” تجسيداً لنمط متكرر في شخصية نتنياهو: التهرب من المحاسبة، وإلقاء التبعات على الآخرين، والتشبث بالسلطة حتى لو كان الثمن هو تمزيق النسيج الداخلي للدولة. فتصريحه هذا لم يزده إلا إثارة للمشاعر المتأججة أصلاً تجاه من يصفهم معارضوه بـ “حكومة السابع من أكتوبر”.
عوفر فينتر: اليد الخفية التي تعيد خلط الأوراق
يمثل عوفر فينتر العقدة الجديدة في معادلة نتنياهو الانتخابية. فهو يعلن أنه سيوصي بنتنياهو، ولذلك تبدو مقاعده إضافة إلى اليمين إذا تجاوز العتبة. لكنه يأخذ أصواته من الليكود وبن غفير وسموتريتش، وإذا حصل على أقل من 3.25% تتحول أصواته إلى خسارة صافية للمعسكر.
ما يجعل فينتر وحزبه الجديد شيئاً مختلفاً، هو أنه لم يكن جزءاً من الأحزاب الحاكمة حين وقعت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها. في وقت تتصلب فيه مواقف الجمهور “الإسرائيلي” فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين، ويميل للبحث عن بديل يميني من غير الأحزاب اليمينية في الائتلاف الحاكم، يجد فينتر نفسه في موقع مثالي. فالميزة التي يتمتع بها بالنسبة للناخب “الإسرائيلي” هي أنه لم يتلوث بإخفاقات السابع من أكتوبر.
كشف فينتر خلال مراسم إطلاق الحزب الجديد أن حزبه ينتمي إلى معسكر اليمين بصورة واضحة، مؤكداً أن هدفه هو “العمل على تأليف حكومة يمين واسعة قدر الإمكان، تضم أكبر عدد ممكن من الشركاء الصهيونيين”. أما عن برنامجه السياسي، فيقوم على رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية ودعمه لضم الضفة الغربية وتهجير سكان قطاع غزة.
معركة نتنياهو: استراتيجيات البقاء في وجه العاصفة
نتنياهو لا يستسلم بسهولة، وهو مستعد للصراع من أجل البقاء حتى آخر نفس، ولا يتورع عن استخدام كل الأدوات والوسائل التي تبقيه في الحكم. فالغاية عنده تبرر الوسيلة، وما لا ينجح فيه بالخداع والحيل والعطايا ينجح بمزيد منهم.
خطط معركة نتنياهو الانتخابية تقوم على الحفاظ على تماسك معسكره، والتشكيك الدائم في قدرة خصومه على تجاوز صراع الزعامة وتشكيل بديل موحد، ووصمهم باليسارية، والهجوم الحاد عليهم. ويسعى نتنياهو لتعزيز سردية تماسك الائتلاف حول الزعيم الأوحد، وتنازع المعارضة على الزعامة.
أما أمنياً، فيسعى نتنياهو لتسخين مختلف الجبهات، لأن قواعده من اليمين واليمين المتطرف تندفع اتجاه التصعيد والمواجهة. يخطط نتنياهو لإبقاء جبهات القتال مشتعلة، ولا سيما في غزة والضفة الغربية ولبنان، في ضوء منحه هامشاً للعمليات العسكرية العدوانية من الإدارة الأمريكية. وفي حال وسّعت الأخيرة هامش التحرك “الإسرائيلي” تجاه إيران، وهو مستبعد في هذه المرحلة، فإن نتنياهو لن يتردد في استئناف العدوان على إيران، الأمر الذي قد يعطيه المبرر الذي يبحث عنه لتأجيل الانتخابات بسبب الحرب، في حال ازدادت مخاوفه من الهزيمة.
الصراع على أصوات اليمين: بين الوحدة والتشرذم
يدرك نتنياهو خطورة تشتيت أصوات أحزاب اليمين المتطرف المتحالفة معه؛ ففي حال لم ينجح حزبا الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، و”شعب إسرائيل” برئاسة عوفر فينتر، في تجاوز العتبة الانتخابية، فإن أصوات حزبيهما سيتوزعان على باقي الكتل الفائزة، الأمر الذي يصب في مصلحة المعارضة.
لهذا دعا نتنياهو بن غفير وسموتريتش إلى اجتماع يهدف إلى جمعهما في قائمة واحدة، محذراً من “إهدار أصوات اليمين”. لكن بن غفير رفض الدعوة وأعلن أن قرار خوض الانتخابات منفرداً نهائي، فسقط الاجتماع قبل انعقاده. أما سموتريتش، الذي يتأرجح بين ثلاثة وخمسة مقاعد، فبدأ مفاوضات مع موشيه فيغلين وحزب “زيهوت”، بحثاً عن صيغة تمنحه بضعة أعشار إضافية تضمن عبوره العتبة.
ويبدو أن إدراك نتنياهو لخطورة هذا الوضع على ائتلافه هو ما دفعه إلى دعوة بن غفير وسموتريتش إلى توحيد جهودهما، الأمر الذي قوبل برفض بن غفير الشديد، ما اضطر الليكود إلى الانتقال إلى استراتيجية إضعاف قوة حزب بن غفير من أجل استعادة الناخبين الذين تركوا الليكود لصالح بن غفير، ولتحسين وضع الصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش بعد تراجعها إلى ما دون نسبة الحسم.
بين التطرف والاعتدال النسبي: أين يقف فينتر؟
في فكفكة التطرف “الإسرائيلي”، يبدو صعود فينتر وتراجع سموتريتش بمثابة مفارقة تستحق التأمل. ففينتر في مواقفه السياسية المُعلنة ليس أكثر تشدداً من مواقف سموتريتش، بل يقف على يساره من حيث التشدد. لكن ميزته بالنسبة للناخب “الإسرائيلي” أنه لم يكن جزءاً من الأحزاب الحاكمة حين وقعت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها.
هذه الفجوة الإدراكية بين الجمهور وكبار السياسيين أوقعت ضرراً كبيراً في قوة وصورة النظام السياسي الحاكم، وتصاعدت انتقادات الجمهور “الإسرائيلي” لإدارة الحروب التي خاضها نتنياهو وأولوياتها ونتائجها. في وقت يشكل فيه التوتر السياسي والحزبي المتصاعد، أساساً لخطاب العداء والإقصاء الاجتماعي والسياسي المحفّز على العنصرية والعنف، لا ضد العرب فحسب، بل ضد “اليسار” وكل من يعارض أجندة اليمين.
وقد أسهم الخطاب السياسي السائد ذو الخلفية القومية المتشددة، في سلوك ومواقف “الإسرائيليين” أثناء الحروب، ما جعل تصريحات نتنياهو الأخيرة بشأن الفشل الأمني تتناقض مع ما يروج له من نجاحات، وتكشف عن حجم الشرخ بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، الذي تجلى بوضوح في محاولته المستميتة لإلقاء التبعة على قادة الجيش والاستخبارات، وكأنه لم يكن طرفاً في صناعة القرارات التي قادت إلى تلك الهزيمة النكراء.
السيناريوهات المحتملة: هل ينجو نتنياهو؟
الخلاصة التي تجمع الاستطلاعات، لا التي تنتقي أحدها، هي أن آيزنكوت يتقدم في معظم القياسات، وأن نتنياهو لا يملك حالياً أكثرية مضمونة، وأن فرصته الوحيدة تكمن في منع احتراق الأصوات. أما إذا جاء آيزنكوت أولاً، وبقي معسكر نتنياهو قرب الخمسين، فستبدأ المعركة الحقيقية بعد الانتخابات: التكليف الرئاسي، ثم المفاوضات مع الأحزاب الدينية وشخصيات اليمين.
ليس من المؤكد أن عوفر فينتر سيستمر في إدارة الظهر لنتنياهو، وقد يتحول للانحياز إلى جانب ائتلاف نتنياهو في أي لحظة، خصوصاً بعد أن نُقل عنه أنه سيوصي بنتنياهو لرئاسة الوزراء بعد الانتخابات المقبلة. لكن المؤكد أن نتنياهو سيستمر في الضغط على سموترتيش وبن غفير من أجل الوحدة، وكذلك ممارسة الضغوط على فينتر من أجل القبول بالحصول على مقعد مُحصّن داخل قائمة حزب الليكود، بما يضمن تماسك الائتلاف ومنع تشتيت أصوات ناخبي اليمين.
وتظل العلاقة المتوترة مع الإدارة الأمريكية عاملاً إضافياً يعقّد المشهد. فتوتر العلاقة مع ترامب، وتصريحات الأخير التي فُهِمت على أنها تشكيك في فرص نتنياهو، تشير إلى أن الحليف الأقوى بدأ يبتعد عن الرجل الذي راهن عليه طويلاً في مواجهة إيران وملفات المنطقة. ومع تراجع الدعم الأمريكي، يجد نتنياهو نفسه في عزلة دولية تزيد من هشاشة موقفه الداخلي.
في النهاية؛ فإن المشهد السياسي “الإسرائيلي” يعج بالتناقضات، يبدو أن نتنياهو يواجه أخطر اختبار في مسيرته السياسية. فبينما يتقدم آيزنكوت في استطلاعات الرأي، ويصعد فينتر كخيار يميني بديل، يجد رئيس الوزراء نفسه مضطراً للقتال على عدة جبهات: سياسية، أمنية، وإعلامية. ومع اقتراب المهلة الحاسمة لتقديم القوائم في الثامن من أيلول، تبقى التساؤلات مفتوحة: هل يستطيع نتنياهو، قبل إغلاق باب التحالفات والترتيبات الداخلية، إعادة ترتيب أوراقه في اللحظة الأخيرة ومنع تشتيت أصوات اليمين؟ أم أن العدّ العكسي لإنهاء حقبة حكمه قد بدأ فعلاً مع انطلاق الحملة الانتخابية الفعلية؟ الأكيد أن الأيام القادمة، وخصوصاً ذلك الموعد النهائي لتقديم القوائم، ستكون حاسمة في رسم ملامح المستقبل السياسي لـ “إسرائيل”، وأن نتنياهو، بخبرته التي تتجاوز ثلاثة عقود، لن يترك الساحة دون قتال حتى النهاية.
