تهديد الطائرات المسيّرة.. بين حرية الأجواء وانعدام الأمن
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
يتزايد خطر الطائرات المسيّرة على الحدود وداخل البلاد، نظراً لموقعها على خط التماس بين المدني والعسكري، وبين الأمن الداخلي وأمن الحدود، وبين الحريات المدنية والأمن القومي.
تُعدّ الطائرة المسيّرة أداةً أساسيةً للمواطنين العاديين، إلا أنها تقع أيضاً في أيدي الأعداء والعناصر الإرهابية والمنظمات الإجرامية التي تنظر إليها كسلاح. ينبغي أن يكون التنظيم في إسرائيل متعدد التخصصات، يجمع بين التشريعات والسلطات الواضحة والتكنولوجيا. لا يكمن السؤال في ما إذا كانت الطائرة المسيّرة أداةً مدنيةً أم سلاحاً، بل في قدرة الدولة على تحديد التحول بينهما في الوقت المناسب. ستحدد الإجابة قدرة إسرائيل على الحفاظ على حياة مفتوحة وآمنة في عصرٍ يُمكن أن ينطلق فيه التهديد من أي مكان
مقدمة
تحوّلت الطائرات المسيّرة بسرعة من أدوات مدنية تبدو بريئة إلى أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيداً. في البداية، نُظر إلى الطائرات المسيّرة كأداة للتصوير والقياس، ومساعدة زراعية، ومراقبة البنية التحتية، وتوصيل الطرود، أو حتى مجرد لعبة تكنولوجية. إلا أن الواقع العملي في السنوات الأخيرة أثبت أن هذه الأداة الصغيرة، الرخيصة، والمتوفرة بسهولة، والمحمولة، يُمكن أن تتحول بسرعة إلى وسيلة لجمع المعلومات الاستخباراتية، وحمل الأسلحة، وإحداث الضرر والاضطراب. وينتشر استخدامها على نطاق واسع بين الجيوش، والمنظمات الإرهابية، وحتى المنظمات الإجرامية. تُشغّل الطائرات المسيّرة كأدوات فردية أو كجزء من نظام قتالي واسع النطاق يعتمد على أسراب الطائرات، والذكاء الاصطناعي، والاتصال المستمر.
تكمن الصعوبة في أن تعريف الطائرة المسيّرة لا يقتصر على طبيعتها المادية فحسب، بل يتعداه إلى استخدامها. فالأداة نفسها يُمكن أن يستخدمها مواطن عادي لتصوير المناظر الطبيعية، ومقاول لفحص الأسطح، وسلطة محلية لمراقبة الحرائق، ومنظمة إجرامية لتهريب المخدرات، ومنظمة إرهابية لحمل المتفجرات، وجيش لإطلاق النار بدقة. يتعامل القانون الحالي بشكل جيد نسبياً مع المواطنين الملتزمين بالمعايير الأخلاقية، ولكنه يواجه صعوبة في التعامل مع أداة رخيصة وصغيرة الحجم وسهلة النقل ومتعددة الاستخدامات، يمكن شراؤها بسرعة وتعديلها بوسائل بسيطة واستخدامها لأغراض خبيثة. ولا تقتصر المشكلة على تطبيق القانون فحسب، بل تتعداها إلى فهم أعمق للواقع.
تُظهر ساحة المعركة في أوكرانيا، والقتال في الشرق الأوسط، وتجربة حرب النهضة، أن الطائرات المسيّرة الصغيرة لم تعد مجرد إضافة هامشية للأنظمة القائمة. فهي تُغير اقتصاديات الحرب، ومعادلة التكلفة والعائد، وسرعة إغلاق دوائر النيران. إذ يمكن لطائرة مسيّرة تُكلّف مئات أو آلاف الدولارات أن تُعطّل نظام دفاعي باهظ الثمن، أو تُلحق الضرر بمركبة مدرعة، أو تُصحّح نيران المدفعية، أو تُلحق الضرر بالبنية التحتية المدنية، أو تُحدث تأثيراً معرفياً واسع النطاق. لا يكمن التهديد الرئيسي في الأداة نفسها، فالمركبة ذاتية القيادة ليست هي النظام الذي تُمثله: الإنتاج الضخم، والاتصالات الموزعة، والبرمجيات المُتعلّمة، وأجهزة الاستشعار الرخيصة، والاستعداد لتشغيل أعداد كبيرة من المركبات غير المأهولة بدلاً من الطائرات المقاتلة. في هذا السياق، ينبغي قراءة البيان الأخير لرئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، ديفيد زيني، الذي وصف تهديد الطائرات المسيّرة بأنه تهديد طويل الأمد يضر بأمن الدولة. ويهدف هذا البيان إلى التأكيد على أن هذا خطر واضح ومباشر يتطلب ردا وطنيا
وقد تعززت هذه الكلمات بتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في آب 2026، حين وصف تهديد الطائرات المسيّرة بأنه تهديد عالمي يُغيّر ساحة المعركة، وأكد أن حتى أصغر طائرة مسيّرة لا تقل فتكاً عن مركبة قتالية متطورة عند تسليحها أو تشغيلها ضمن سرب. وأشار نتنياهو إلى أن إسرائيل من بين الدول المتقدمة في التعامل مع هذا التهديد، لكنه حذر من ضرورة عدم التهاون، وأصدر تعليماته للمؤسسة الأمنية باستهداف الطائرات المسيّرة ومشغليها ومصادر إطلاقها لحماية المواطنين الإسرائيليين.
يتطلب تهديد الطائرات المسيّرة إنشاء منظومة وطنية جديدة، لا يمكن أن تبقى مسؤوليتها حكراً على جهة واحدة، ولا يمكن اختزالها في رد تقني محدد. يتطلب الأمر مزيجاً من التشريعات واللوائح والاستخبارات والدفاع الجوي والشرطة والسلطات المحلية والأمن الداخلي والصناعة والنظام القانوني والقيادة المدنية. وقد تشكل الوضع القانوني والتنظيمي الحالي في إسرائيل في ظل واقع تكنولوجي كان سائداً قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ولذا فهو بحاجة إلى تحديث.
من مسيّرة مدنية الى وسيلة قتالية
تكمن فرادة تهديد الطائرات المسيّرة في استخدامها المزدوج. فعلى عكس الطائرات المقاتلة والصواريخ والمدافع، لا تُصنع الطائرات المسيّرة بالضرورة كأسلحة. تُباع في المتاجر المدنية، وتستخدمها المؤسسات البحثية والمزارعون وشركات البناء وسلطات الطوارئ والمصورون. ومع ذلك، فإن هذا الفضاء المدني نفسه يُتيح أيضاً مجالاً للتمويه. فمن يرغب في تحويل طائرة مسيّرة إلى سلاح لا يحتاج بالضرورة إلى مصنع أسلحة أو شبكة تهريب معقدة. أحياناً تكفي المعرفة التقنية الأساسية والمكونات المتاحة والطباعة ثلاثية الأبعاد وحمولة مرتجلة والقدرة على تحليق طائرة صغيرة على ارتفاع منخفض. وبهذا المعنى، تُجسّد الطائرات المسيّرة انهيار الحدود التقليدية بين الطائرات المدنية والأسلحة.
تميل التشريعات واللوائح إلى فصل عالم الطيران المدني عن عالم الأمن. في عالم الطيران المدني، ينصب التركيز على السلامة، والترخيص، والمسافة من مسارات الطيران، وارتفاع التحليق، ومسؤولية المشغل، والحفاظ على الخصوصية. أما في عالم الأمن، فينصب التركيز على الكشف، والتصنيف، والاعتراض، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وحماية المنشآت. ومع ذلك، تعمل الطائرات المسيّرة تحديداً في المنطقة الفاصلة بين هذين العالمين. فهي تستخدم البنية التحتية المدنية، وتتحرك في الفضاء المدني، وتبدو أحياناً كأداة مدنية، لكن غرضها قد يكون خبيثاً. وطالما استمرت الدولة في إدارة هذه المسألة من خلال التقسيمات المؤسسية القديمة، فإنها ستتعامل مع التهديد الجديد بلغة قديمة.
تكمن المشكلة الأكثر حدة في أن القانون كُتب أساساً على افتراض أن مشغل الطائرة المسيّرة يرغب في الامتثال. فالتسجيل، والتدريب، وقيود الارتفاع، والمسافة من المطارات، وحظر التحليق في مناطق معينة، كلها أدوات فعالة ضد المواطنين العاديين، والشركات التجارية، والمشغلين المحترفين. لكنها تكاد تكون عديمة الجدوى ضد من يريدون شن هجوم، أو إتلاف البنية التحتية، أو جمع المعلومات الاستخباراتية، أو تعطيل حدث عام. لذلك، يجب عدم الوقوع في خطأ الاعتقاد بأن التنظيم المدني هو حل أمني. إنه شرط ضروري، ولكنه غير كافٍ.
على الصعيد العملياتي، تُقوّض الطائرات المسيّرة الصغيرة الافتراضات الأساسية للدفاع الجوي. فقد طُوّرت أنظمة الدفاع الجوي أساساً لمواجهة الطائرات والمروحيات والصواريخ والطائرات الكبيرة نسبياً. تحلق هذه الطائرات على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة، وأحياناً على مسار غير متوقع، كما أن بصمتها الرادارية صغيرة ومحدودة، ويمكنها العمل في بيئات حضرية مكتظة. ومع ازدياد عدد هذه الطائرات، لا تقتصر المشكلة على رصد واعتراض طائرة واحدة فحسب لكن إدارة الحمولة، ومنع التشبع، والحفاظ على نسبة تكلفة معقولة، كلها أمور بالغة الأهمية. فليس من المنطقي تشغيل طائرة اعتراضية باهظة الثمن ضد مركبة رخيصة إذا لم تكن هناك ضرورة، ولكن لا يمكن أيضاً تجاهل مركبة صغيرة قادرة على حمل شحنة متفجرة أو إلحاق الضرر بمنشأة حيوية.
من هنا تبرز أهمية التمييز بين تنظيم الاستخدام المدني وإدراك التهديد الوطني. لا يُشترط دائماً تعريف الطائرة المسيّرة كسلاح، ولكن يجب على الدولة أن تُدرك أنها قد تتحول إلى سلاح في غضون دقائق. الترتيب المطلوب ليس حظراً شاملاً على الاستخدام المدني، بل إنشاء طبقات من التراخيص، والتعرف عن بُعد، ومناطق حظر طيران ديناميكية، ووضع علامات إلزامية، ومسؤولية المستورد، والإشراف على مكونات معينة، وقدرة إنفاذ فورية، وسلطة واضحة لتحييد أي طائرة مسيّرة مشبوهة. وبدون هذه الإجراءات، تترك الدولة زمام المبادرة في يد المُشغّل المُخادع.
عملياً، إذا أمكن فتح منفذ بيع للطائرات المسيّرة في منطقة تُعرف بأنها ممر تهريب، وإذا عُلم أن طائرات مسيّرة كبيرة تُستخدم لتهريب الأسلحة عبر حدود البلاد، ولكن لا توجد قدرة حقيقية على مراقبة الاستيراد والبيع والشراء والتشغيل، فإن الدولة تقع في ثغرة خطيرة. السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت الطائرة المسيّرة وسيلة نقل أو أداة تصوير أو أداة عمل، بل ما إذا كان من الممكن تحويلها بسرعة إلى وسيلة تهريب أو هجوم. وبما أن الإجابة هي نعم، فينبغي اعتبار بعض هذه الأدوات، وخاصة الثقيلة منها أو بعيدة المدى أو القابلة للتحويل، أدوات تتطلب نظام ترخيص مماثلاً في مبادئه لنظام ترخيص الأسلحة. إذا كانت الدولة قادرة على تنظيم تسجيل الدراجات البخارية الكهربائية، فلا يوجد مبرر لعدم تنظيم تسجيل الطائرات المسيّرة ذات المخاطر العالية ووضع علامات عليها وفرض رقابة أكثر صرامة عليها.
الطائرة المسيّرة المنفردة ليست سوى بداية القصة. يشير المستقبل القريب إلى انتقال من استخدام أدوات فردية إلى أسراب منها. إن سرب الطائرات المسيّرة ليس مجرد مجموعة عشوائية منها، بل هو نظام موزّع، متواصل، قابل للتكيّف، وآمن تماماً. لا تستمد قوته من قوة أي مركبة منفردة، بل من السلوك الجماعي للنظام. يستطيع السرب تقسيم المهام، واستبدال المركبة المتضررة، والجمع بين جمع المعلومات الاستخباراتية، والخداع، والتشويش، والهجوم، والاستمرار في العمل حتى بعد تدمير جزء منه. وبذلك، يقوّض منطق الدفاع القائم على تحديد هدف واحد واعتراضه.
لقد أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية بمثابة ساحة اختبار لحروب المستقبل. فقد غيّرت طائرات اف في بي المسيّرة، والذخائر المتسكعة، والمركبات البرية غير المأهولة، والزوارق المائية غير المأهولة، أنماط القتال، ومعدل الخسائر، وسلوك القوات. تستطيع طائرة مسيّرة رخيصة تحديد موقع قوة، وتصحيح النيران، أو ضرب مركبة مدرعة. ويمكن للزوارق المائية غير المأهولة تهديد السفن والموانئ. أما الروبوتات الأرضية، فيمكنها حمل المعدات، وإجلاء الجرحى، وإجراء الاستطلاع، بل وحتى حمل الرشاشات. لذا، لم يعد التهديد يقتصر على الجانب الجوي فقط. إنها ساحة معركة متعددة الأبعاد، حيث تتصل فيها الأجواء والبر والبحر وما تحت الماء في نظام واحد.
وتُظهر الأمثلة المتراكمة مدى خطورة التهديد. فحرب الطائرات المسيّرة واسعة النطاق دائرة في أوكرانيا وروسيا منذ فترة. وفي إسرائيل، انكشفت نقاط الضعف في وقت مبكر من 7 ت1، عندما استخدمت حماس طائرات مسيّرة لتعطيل أنظمة المراقبة والدفاع. وفي جنوب لبنان، شغّل حزب الله طائرات مسيّرة تعمل بالألياف الضوئية، والتي تُوجّه بواسطة كابل اتصالات رفيع ولا تعتمد على ترددات الراديو التقليدية، مما يجعل تعطيلها أكثر صعوبة بالوسائل التقليدية. يُضاف إلى ذلك عمليات التهريب المستمرة من الحدود الأردنية والمصرية باستخدام الطائرات المسيّرة، بما في ذلك تهريب الأسلحة. الصورة التراكمية واضحة: التهديد ليس مجرد خطر مستقبلي، بل هو واقع قائم، ويتطور بوتيرة أسرع من وتيرة تنظيم الدولة.
نطاق التهديدات واسع. تُمكّن الطائرات المسيّرة التي تعمل بالألياف الضوئية من التحكم المستقر في ظروف تفقد فيها تقنيات التشويش الإلكتروني التقليدية فعاليتها. ويمكن للطائرات المسيّرة المزودة بشرائح اس آي ام العمل على شبكة خلوية قائمة، واستقبال مسار مُحدد مسبقاً، والانتظار حتى وقت تفعيل مُحدد مسبقاً. تستطيع الطائرات المسيّرة ذاتية القيادة تحديد الهدف من خلال خصائصه البصرية، ومواصلة مهمتها حتى عند انقطاع الاتصال بالمشغل. تُمكّن أسراب الطائرات المسيّرة من شنّ هجمات متزامنة ومجدولة، مما يُشكّل عبئاً على أنظمة الكشف والاعتراض واتخاذ القرارات. لذا، لا ينبغي النظر إلى تهديد الطائرات المسيّرة كفئة تكنولوجية واحدة، بل كعالم تشغيلي متكامل، مُتاح للشراء والاستيراد والتعديل والتشغيل، ويعمل حالياً في ظلّ تنظيم أقلّ بكثير من المخاطر التي يُشكّلها.
لذا، لا يُمكن الإجابة ببساطة على سؤال المسؤولية في إسرائيل. هل القوات الجوية مسؤولة لأنها تُشكّل تهديداً جوياً؟ هل الشرطة مسؤولة عندما تُشغّل الطائرات المسيّرة في المجال المدني؟ هل جهاز الأمن العام (الشاباك) مسؤول فيما يتعلق بالإرهاب؟ هل هيئة الطيران المدني مسؤولة عن الترخيص والإشراف؟ هل قيادة الجبهة الداخلية مسؤولة عن حماية الجمهور؟ الجواب هو أن لكل جهة من هذه الجهات صلاحية معالجة جزء مالمشكلة، لكن هذا لا يكفي. يتطلب التهديد الوطني بالطائرات المسيّرة رداً وطنيا، وعقيدة تشغيلية مشتركة، وفصلاً واضحاً للصلاحيات، ومركزاً للتحكم والإنفاذ الفوري، وآلية تسمح بالانتقال السريع من الوضع الروتيني إلى حالة الطوارئ.
لا يمكن الاعتماد على نموذج يقتصر فيه التحكم في تحليق الطائرات المسيّرة على القوات الجوية وحدها المسؤولة عن سماء البلاد، أو على نموذج تقتصر فيه هيئة الطيران المدني على التعامل مع المشغلين النظاميين. حتى المبادرة الوطنية للطائرات المسيّرة، التي أُنشئت لتعزيز الاستخدام المدني الآمن والمنظم، لا يمكن أن تكون بديلاً عن نظام تحكم وكشف وإنفاذ مناسب للتهديدات الأمنية. ثمة حاجة إلى آلية وطنية متخصصة تربط بين إدارة الطيران المدني والأمن الداخلي والاستخبارات وأمن البنية التحتية. فبدون هذه الآلية، ستظل الطائرات المسيّرة التي تُشغّل فوق المناطق الحضرية أو الحدود أو المنشآت الحيوية خارج نطاق مسؤوليات المؤسسات.
الفجوة القانونية في المجال العام
يختلف التهديد في المجال العام عن التهديد في ساحة المعركة، ولكنه لا يقل خطورة. يمكن أن يتسبب تحليق طائرة مسيّرة صغيرة فوق ملعب أو محطة توليد كهرباء أو مطار أو منصة غاز أو مظاهرة أو مدرسة أو مستشفى أو فعالية رسمية في خلق خطر جسدي، وإثارة الذعر، وانتهاك الخصوصية، وتعطيل حركة الطيران، أو إحداث تأثير نفسي واسع النطاق. حتى في حال عدم وقوع ضرر فعلي، فإن مجرد التسلل غير المصرح به إلى منطقة محمية قد يؤدي إلى توقف الأنشطة، وإخلاء الحشود، وشلّ البنية التحتية، والإضرار بثقة الجمهور.
ويُظهر المثال الأوروبي بوضوح مدى خطورة هذا التهديد حتى في غياب أي هجوم فعلي. ففي السنوات الأخيرة، شهدت أوروبا حوادث ظهرت فيها طائرات مسيّرة، أو أجسام تم تحديدها على أنها طائرات مسيّرة، بالقرب من المطارات والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، مما أدى إلى إغلاق المطارات، وإلغاء الرحلات الجوية، وتحويل مسار الطائرات، وتفعيل أنظمة الطوارئ. وفي بعض الحالات، نُسبت هذه الأنشطة إلى روسيا أو نموذج عمل روسي. في بعض الحالات، لم يُعثر على دليل قاطع على هوية مشغلي الطائرات المسيّرة الروسية. والدرس المهم ليس فقط مسألة تحديد المسؤولية، بل حقيقة إمكانية إثارة الذعر، وتعطيل النشاط المدني، واختبار استجابة حلف الناتو والدول الأوروبية دون شنّ هجوم مباشر على أي هدف.
تواجه الدولة معضلة هنا. فمن جهة، يُحظر السماح بتحويل الفضاء المدني إلى ساحة مفتوحة للعناصر الخبيثة (الإرهابيين والمنظمات الإجرامية). ومن جهة أخرى، يجب ألا يتحول الرد على التهديد إلى آلية للمراقبة الشاملة للمواطنين، أو للانتهاك غير المتناسب للخصوصية، أو لنقل صلاحيات استثنائية دون رقابة. يكمن التحدي في بناء آلية لمواجهة التهديدات غير المتكافئة: آلية تسمح بالكشف الفوري عن الطائرات المسيّرة الخطيرة، وتحديد هويتها، وتحييدها، ولكنها تتطلب الشفافية، والإشراف، وتحديد الصلاحيات، وتوثيق الإجراءات، والرقابة القضائية أو الإدارية عند الاقتضاء.
تتجلى الثغرة التشريعية بوضوح في مسألة الجهة المخوّلة بالتصرف ضد الطائرات المسيّرة. قد يشمل تحييد الطائرات المسيّرة التشويش على الاتصالات، والسيطرة عليها، وإطلاق النار عليها، واحتجازها، وإسقاطها، أو عرقلة الملاحة. كل إجراء من هذه الإجراءات قد يؤثر على الاتصالات المدنية، والطائرات الأخرى، والممتلكات، والإصابات الجسدية، والخصوصية. لذا، فإن الإعلان العام بجواز تحييد الطائرات المسيّرة الخطرة غير كافٍ. بل يلزم نظام صلاحيات متدرج: من المخوّل بإعلان منطقة محظورة، ومن المخوّل بتحديد الطائرة المسيّرة على أنها مشبوهة، ومن المخوّل بتشغيل جهاز التشويش، ومن المخوّل باعتراضها، ومن المسؤول عن الضرر، وكيف تُحفظ سلسلة الأدلة لأغراض التحقيق والملاحقة القضائية.
تتجلى المشكلة أيضاً في كل ما يتعلق ببيع الطائرات المسيّرة. فالبيع الحر للطائرات المسيّرة، دون تسجيل أو رقابة أو رصد، يُنشئ ثغرة أمنية لا تقلّ اتساعاً عن الثغرة التنظيمية. عندما يُمكن استيراد الطائرات المسيّرة وشراؤها ونقلها بين الأفراد دون تحديد هوية المشتري، ودون توثيق خصائص الجهاز، ودون وضع علامات إلزامية، ودون مسؤولية جهة البيع، تفقد الدولة القدرة على معرفة من يملك هذه الأجهزة التي قد تُسبب ضرراً، وأين توجد، ولأي غرض. هذا الوضع قد يكون مقبولاً بالنسبة لمنتج استهلاكي عادي، ولكنه غير مقبول بالنسبة لأداة يُمكن تحويلها بسرعة إلى وسيلة للتهريب أو جمع المعلومات الاستخباراتية أو الهجوم. لذا، فإنّ مجرد بيعها بحرية ليس مجرد تعبير عن ثغرة في التشريعات، بل هو عنصر يُفاقم التهديد: فهو يسمح للمُشغّل الخبيث بالاستفادة من شرعية السوق المدنية، ودمجها في الاستخدامات النظامية، مما يُصعّب الكشف المبكر والوقاية والتصدي.
وتزداد هذه الثغرة حدةً عندما تُشغّل الطائرة المسيّرة بالقرب من الحدود، أو فوق مستوطنة قريبة من الحدود، أو فوق منشأة أمنية تقع ضمن نطاق مدني. في مثل هذه الحالات، يتلاشى التمييز بين الأمن الداخلي والأمن القومي وحماية سماء البلاد. فإذا عبرت الطائرة المسيّرة الحدود، قد يتدخل سلاح الجو؛ وإذا أقلعت من داخل قرية أو مدينة، فقد تكون الشرطة هي الجهة المسؤولة؛ وإذا كان مُشغّلها خلية إرهابية، يتدخل جهاز الأمن العام (الشاباك)؛ وإذا كان التهديد يستهدف بنية تحتية مدنية حيوية، فلا بد من تضافر جهود الوزارات الحكومية وشركات البنية التحتية وهيئات الطوارئ. وبدون إطار وطني موحد، ستتصرف كل جهة وفقاً لسلطتها المحدودة، وسيستغل العدو الثغرات بين هذه الجهات.
كما يتطلب المجال العام تغييراً ثقافياً. فقد اعتاد الناس على النظر إلى الطائرات المسيّرة كلعب أو أدوات عمل، ولكن من الضروري الانتقال إلى فهم أنها أدوات ذات استخدام مزدوج يجب التعامل معها وفقاً لذلك. وهذا لا يعني إثارة الذعر أو فرض حظر شامل، بل بناء المسؤولية المدنية: الإبلاغ عن الرحلات المشبوهة، والتعرف على المناطق المحظورة، وفهم مخاطر تحليق الطائرات المسيّرة بالقرب من المنشآت الحساسة، والاتفاق العام على فرض قيود صارمة في مناطق محددة. لا تقتصر القدرة على الصمود الوطني على التكنولوجيا وإنفاذ القانون فحسب، بل تشمل أيضاً فهم الجمهور لقواعد اللعبة الجديدة.
التوصيات
بعد عرض خصائص التهديد، والثغرات القانونية، وأوجه القصور في هيكل المسؤولية الحالي، من الضروري الانتقال من وصف المشكلة إلى الرد عليها. يتطلب تهديد الطائرات المسيّرة مجموعة توصيات عملية ومتدرجة وقابلة للتنفيذ، تتناول الاستخدام المدني المشروع للطائرات المسيّرة، وإمكانية تسليحها واستخدامها لأغراض خبيثة. تهدف التوصيات الواردة أدناه إلى إنشاء إطار وطني متكامل يربط بين المساءلة المؤسسية، والتشريعات، وإنفاذ القانون، والتكنولوجيا، والرقابة المدنية.
يُقترح إرساء مساءلة وطنية واضحة بشأن تهديد الطائرات المسيّرة. يجب إنشاء هيئة دائمة وشاملة، تتمتع بصلاحيات في الحالات الروتينية والطارئة، تربط جميع الجهات المعنية، بما في ذلك القوات الجوية، والشرطة، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وهيئة الطيران المدني، وقيادة الجبهة الداخلية، ومديرية الأمن السيبراني، ووزارة النقل، ووزارة الدفاع، والسلطات المحلية، وهيئات البنية التحتية. يُطلب من هذه الهيئة الحفاظ على صورة شاملة للوضع الوطني، ووضع المعايير، ومحاكاة السيناريوهات، وتحديد توزيع الصلاحيات، وضمان عدم وجود فجوات بين المجالين العسكري والمدني.
يجب تحديث التشريعات لتواكب التكنولوجيا الحالية، لا تكنولوجيا من حقبة سابقة. ويجب أن يتضمن القانون التزاماً بالتعرف عن بُعد، وتسجيلاً فعالاً للأدوات والمشغلين، ومسؤولية المستوردين والموردين، وترخيصاً للمبيعات مع الرقابة والمتابعة، وآلية لتحديد مناطق حظر طيران دائمة ومتغيرة، وصلاحيات لتحييد الطائرات المسيّرة المشبوهة، وحماية قانونية لمشغلي أنظمة الاعتراض العاملة بشكل قانوني، والتزامات التوثيق والرقابة. ويجب أن يُميّز التشريع بين الاستخدام المدني النظامي والاستخدام الخطير أو الخبيث، على أن يتم ذلك بطريقة تسمح باتخاذ إجراءات سريعة، لا مجرد معاقبة بعد وقوع الحادث.
إلى جانب التشريع الدائم، يلزم وجود حكم مؤقت صارم للفترة الانتقالية، يدخل حيز التنفيذ فوراً ويظل سارياً حتى اكتمال النظام العام. ينبغي أن ينص هذا البند على أن حيازة الطائرات المسيّرة واستيرادها وإنتاجها وتسويقها وبيعها ونقل ملكيتها وإقراضها وتشغيلها ستكون مشروطة بتسجيلها في قاعدة بيانات وطنية، والتحقق من هوية مالكها، وتخصيص رقم تتبع غير قابل للإزالة لها. خلال هذه الفترة، يُحظر تحليق الطائرات المسيّرة في المناطق المبنية ومحيطها، وعلى طول الحدود، وفوق المنشآت الحيوية والبنية التحتية الهامة، وفي محيط المطارات، وبالقرب من الفعاليات متعددة الأطراف، وعلى الطرق الرئيسية، إلا بتصريح فردي ومؤقت. ويُشترط على الطائرات المسيّرة ذات القدرة العالية على حمل الأمتعة، أو المدى الاستثنائي، أو التشغيل الذاتي، أو إمكانية التعديل، الحصول على ترخيص شراء وحيازة، واجتياز فحص أمني وقائي، وتركيب نظام تعريف عن بُعد فعال كشرط للتشغيل.
وبموجب هذا الأمر المؤقت، يُحظر البيع أو النقل دون الإبلاغ الفوري، وسيتم احتجاز الواردات الشخصية غير المرخصة في الجمارك، كما يُحظر الاحتفاظ بالأجهزة غير المسجلة خلال فترة عبور قصيرة، وستخضع للمصادرة. ستُمنح الشرطة والجيش الإسرائيلي والجهات المُخوّلة صلاحية الكشف عن الطائرات المسيّرة العاملة في [المنطقة] وتحديد هويتها والسيطرة عليها وتعطيلها وإسقاطها ومصادرتها.
يُعاقب القانون على مخالفة التوجيه أو خلق خطر حقيقي، بالإضافة إلى مصادرة المعدات العاملة واحتجاز مشغلها. ويُعتبر انتهاك المحظورات جريمة جنائية، ويُجيز مصادرة المركبة، وإلغاء التراخيص، وفرض عقوبات على المستوردين والبائعين والمشغلين. ولمنع تحوّل الترتيب الطارئ إلى ترتيب دائم غير مُنضبط، ستقتصر صلاحية التوجيه على عام واحد، ويتطلب تمديده موافقة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع، كما ستُلزم الحكومة بتقديم تقرير ربع سنوي إلى الكنيست حول نطاق استخدام الصلاحيات، وانتهاكات الحقوق، والتقدم المُحرز في التشريع الدائم.
يجب بناء بنية دفاعية متعددة الطبقات. لا يوجد حل سحري لتهديد الطائرات المسيّرة. يلزم الجمع بين الكشف المبكر، والتصنيف التلقائي، والاستخبارات، والتشويش الإلكتروني، والسيطرة، والنيران الحركية منخفضة التكلفة، والطاقة الموجهة حيثما أمكن، والحماية المادية، والخداع، والتشتيت، وتحصين البنية التحتية. لا يقتصر الهدف على إسقاط طائرة مسيّرة واحدة، بل على تقويض معادلة تكلفة المهاجم. فعندما يستخدم المهاجم أداة رخيصة، يجب على المدافع تجنّب الرد المكلف لكل تهديد بسيط، ووضع مجموعة حلول متوازنة حسب المخاطر.
من الضروري الاستعداد لأسراب الطائرات المسيّرة، وعدم الاكتفاء بالرد على طائرة مسيّرة واحدة. يجب تطوير القدرات اللازمة لتحديد أنماط العمل، وتعطيل شبكات الاتصالات، وتقويض التنسيق بين الأدوات، وحماية أنظمة القيادة والسيطرة، وتشغيل أسراب مضادة. من الجدير أيضاً دراسة الجمع بين طائرات الاعتراض المسيّرة، وأجهزة الاستشعار الموزعة، والذكاء الاصطناعي لتحديد أي خلل، والتدرب على هجمات مكثفة على القواعد والموانئ والمجتمعات والفعاليات العامة. تشير الأبحاث حول أسراب الطائرات المسيّرة إلى أن التحدي الرئيسي لا يكمن في عدد الأدوات فحسب، بل في قدرتها على العمل كوحدة متكاملة قابلة للتكيف. في نهاية المطاف، يجب الموازنة بين متطلبات الأمن القومي والقيم المدنية. يجب وضع آليات للإشراف على استخدام تقنيات الكشف والتحييد، وتحديد إجراءات لحفظ المعلومات، والحد من الخصوصية، وفرض الإبلاغ بعد عمليات التحييد الهامة، وتحديد كيفية تطبيق صلاحيات الطوارئ، وعدم السماح لها بأن تصبح ترتيباً دائماً غير خاضع للرقابة. ولأن التهديد حقيقي، يجب أن يبنى الرد على ثقة الجمهور. وتتحقق هذه الثقة عندما يُدرك الجمهور الخطر، ويرى أن الدولة تتخذ إجراءات حاسمة، ولكنه يعلم أيضاً بوجود حدود ورقابة ومسؤولية.
خلاصة
يُمثل تهديد الطائرات المسيّرة تهديداً يستدعي ردا فوريا، لأنه يقع على خط التماس بين المدني والعسكري، وبين الأمن الداخلي والأمن القومي، وبين التكنولوجيا البسيطة ونظام القتال المتطور، وبين الحريات المدنية وضرورة الدفاع. فالطائرة المسيّرة ليست مجرد أداة، بل هي عرض من أعراض عصر باتت فيه الأنظمة الرخيصة والمتوفرة والموزعة قادرة على إحداث تأثير واسع النطاق. ومن يتعامل معها كلعبة سيُفاجأ في ساحة المعركة وفي المجال العام. ومن يتعامل مع كل طائرة مسيّرة كتهديد عسكري سيُلحق الضرر بالمجتمع المنفتح والاقتصاد المدني. يكمن التحدي في بناء نهج متوازن وحازم.
لا يمكن لإسرائيل أن تنتظر وقوع حادثة طائرات مسيرة كبيرة في المجال العام، أو أن تشن هجوماً واسع النطاق داخل حدودها لتنظيم رد الفعل. فالواقع الإقليمي، والمفاهيم التدميرية لأعدائها، ودروس الحروب المعاصرة، والسرعة التي تتحول بها التقنيات المدنية إلى أسلحة، كلها عوامل تستدعي اتخاذ إجراءات استباقية. يجب أن تكون المنظمة وطنية ومتوازنة ومتعددة التخصصات، وأن تجمع بين التشريعات المُحدَّثة، والمسؤولية المؤسسية الواضحة، والقدرات التكنولوجية متعددة المستويات، والتدريب المستمر، والاستخبارات، والصناعة، وتعزيز الصمود العام.
في المستقبل القريب، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كانت الطائرة المسيرة أداة مدنية أم سلاحاً، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على تحديد التحول بينهما في الوقت المناسب. ستحدد الإجابة على هذا السؤال ليس فقط فعالية الدفاع الجوي أو أمن المنشآت الحساسة، بل أيضاً قدرة إسرائيل على الحفاظ على حياة مدنية مفتوحة وآمنة في عصر يمكن أن ينطلق فيه التهديد من فناء منزل، أو سطح منزل، أو سيارة، أو حتى قارب بسيط. لذلك، فإن تهديد الطائرات المسيرة ليس مجالاً محدوداً، بل هو اختبار للجاهزية الوطنية.
معهد القدس للاستراتيجية والأمن – العقيد البروفيسور غابي سيبوني (رئيس برنامج الشؤون العسكرية والاستراتيجية وبرنامج الأمن السيبراني في معهد دراسات الأمن القومي بين عامي 2006 و2020)، العميد إيريز فاينر(خبير في الشؤون العسكرية والأمنية في معهد القدس للاستراتيجية والأمن).
