فضاءات فكرية

مرآة الضّمير: في انكسارِ الوعي واستعادةِ الجَوهر الإنساني

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

هم أولئك الذين يظنّونَ أنفسهم أذكياء، وهم في حقيقة أمرهم يعيشون على هامش الحياة والوجود، ويتعيّشون على فتات الأعمال والأرزاق.. فاشلون في كل ما يحاولونه، وعندما يعجزون عن بناءِ أي إنجازٍ يليق بوجودهم الإنساني، يقرّرونَ أنّ مهمّتهم العظمى تكمنُ في تدمير ما يبنيه غيرهم.. أولئك الذينَ ارتفعوا بفكرهم وأخلاقهم ووعيهم فوق مستنقعات الصغائر.

وقد لا يكتفي هؤلاء الفاشلون بمحاولاتهم الرامية إلى تفشيل الآخرين، بل يتخذون من الفضول المَرضَي سلاحاً لهم، فينشغلون بأتفه التفاصيل، ويستغرقون في الحديث عن حياة الناس وخصوصياتهم، يحكون حكايات لا أساس لها، ويعجنون في كلامهم ما لا يزيد عن هراء المتعطشين لشغل أوقات فراغهم الثقيل (فراغ الروح والمعنى)، ومحاولة ملئها بشؤون الناس الشخصية التي لا تخصهم ولا علاقة لهم بها أبداً. فتراهم يعقدون مجالس السمر ليس للترفيه البريء، بل للتسلية بأعراض الناس وأسرارهم وخصوصيات حياتهم، متناسين مشكلاتهم وتعقيداتهم وأزماتهم الذاتية الكارثية، وأن من ليس لديه ما يشغله من قضايا نفسه وهموم مجتمعه، لن يجد بداً من أن ينشغل بغيره، وكأنه قاضٍ جالس على كرسي الوهم يحاكم من هم أفضل منه في كل شيء.

وهنا يستحضر المؤمنُ وصية السماء، فالله تعالى ينهى عن هذا السلوك المدمر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. ويقول رسول الله(ص) في تعريف هذا الداء الخبيث: “أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟” قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: “ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ”. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ“. [رواه مسلم]. بل يبلغ الأمر بالنبي(ص) أنْ يحكي عن مشهد من مشاهد الآخرة فيقول(ص): “لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ“. [رواه أبو داود].

وهذا الداء النفسي الاجتماعي ليس غريباً – في واقع الأمر – على مناخات مجتمعاتنا العربية بالذات التي ما فتئت تعاني من مثل هذه الأمراض النفسية التي باتت مستعصية ومزمنة، وأخطرها ذلك الانفصام الذي يجعلكَ ترى الرجل يتحدثُ مثلاً عن ضرورة تكاتف الناس مع بعضها، وعن أهمية الوحدة الوطنية، بينما يغرسُ في قلوب أبنائه بذور الفرقة والانقسام والتفكك، ويتحدث عن الحضارة وهو يعيش في كهف الانغلاق التعصبي والتقوقع الهوياتي.. وقد نسي هؤلاء أن الله تعالى أمر بالاعتصام ونهاهم عن التفرق، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: 103]، وحذرهم بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].

وقد ظننا أنّ المحن المتتالية والتحديات المتواصلة التي مرت وتمر بها مجتمعاتنا العربية عموماً ستدفع الناس عندنا إلى تجنّب الخوض بسفاسف الأمور والتزام الوعي والمسؤولية في الاجتماع على قلبِ رجلٍ واحد، تضامناً وتكاتفاً، والتفكير بأنَّ النكبات ستفجّرُ طاقاتهم الإنسانية وتقرِّبُهم من بعضهم بعضاً كإخوة يجمعهم الوطن والمصير ولقمة العيش، لكنها للأسف زادت الجراح عمقاً، وأوسعت الهوة بين مختلف الأطياف والمكونات والانتماءات، وأضافت إلى مرضنا العربي القديم أمراضاً جديدة: تكوراً طائفياً يقبض على الروح، وانغلاقاً مذهبياً يضيق بالأفق، وهوية ممزقة تبحث عن ذاتها في متاهات الماضي السعيد.

وفي المشهد الأكثر إيلاماً، ترى الأصلع يستهزئ بصلعة غيره، والمريض يسخر من مرض جاره، وكأنهم في مسرحية عبثية لا يعرفون فيها حدود العيب ولا معنى الخجل. وقد نزل القرآن الكريم زاجراً عن هذا السلوك البائس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

وهذا كله نابع من ضحالة وعينا الإنساني والوطني، ومن ضعف إيماننا بإرثنا الحضاري الإنساني بحيث أننا لم نستطع أن نمنح أنفسنا جرعة أمان تخلّصنا من عقدة الخوف الوجودي التي تسكن في صميم وجداننا، فصرنا ندور في حلقة مفرغة، نقتل بعضنا رمزياً حيناً ومادياً حيناً آخر، وكل ذلك في رحلة طويلة نحو اللاوعي الجمعي الذي يرفض أن يبرأ من أمراضه التاريخية والمعاصرة. والحل، في جوهره العميق، يبدأ باعترافٍ صادقٍ لا تزييف فيه، بأن جذور الداء ليست في الخارج بل في بواطننا التي طالما آثرت الراحة على التعب، والانزلاق على الصعود. ومهما تنوعت وصْفَات الإصلاح السياسية أو الاقتصادية، فإنها تظلُّ حبراً على ورق ما لم تقترنْ بثورةٍ أخلاقيةٍ صامتةٍ في نفوسنا، تعيدُ للوعي مكانته المهدورة، وللروح قيمتها المغيّبة المنسية في غياهب المصالح الجزئية.

والحلّ يبدأ بإعادة تعريف معنى “النجاح” في قاموسنا الجمعي، فنتجاوز مفاهيم التفوّق المادي الضيّق، ونؤمن أن الغنى الحقيقي هو غنى الضمير، وأن القوّة ليست في السيطرة أو الاستعلاء، بل في القدرة على الاحتواء والاعتراف بالآخر المختلف، والتحرّر من عقدة الخوف الوجودي التي تجعلنا نرى في كل من يخالفنا عدواً يتربّص بنا. وهذا يعني أن نتعلم فنّ الاستماع لا فنّ الاتهام، وأن نمرّن ألسنتنا على الصمت الحكيم قبل أن تنطق بكلماتٍ تمزق ما تبقى من نسيجنا الاجتماعي الهش. وقد قال رسول الله(ص): “المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَخُونُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا…”. [رواه مسلم].

ثم يأتي دور إعادة الاعتبار للكلمة، فالكلمة ليست مجرّد صوتٍ عابر، بل هي كائنٌ حيّ يبني أو يهدّم، والحديث عن الغير يجب أن يكون مشروطاً بضوابط الإنسانية: فلا حديث دون علم، ولا حكم دون إنصاف، ولا سخرية دون رحمة. وعلينا أن نصنع من بيوتنا ومجالسنا محاضن للوعي، لا خنادق للغيبة والنميمة والفراغ الروحي والأخلاقي، وأن نُحيي تلك الفضيلة المفقودة في ثقافتنا: فضيلة أن نُقبل على عيوبنا الذاتية، قبل أن نفتّش عن عيوب الناس، فمن عرف داءَ نفسه اشتغل بعلاجه عن فضح داء غيره. وقد قرن الله النميمة بالمعاصي الكبرى فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: 10-12].

الحلّ أيضاً في تفكيك تلك المنظومة التعليمية والتنشئة التربوية الاجتماعية التي تعيد إنتاج الإنسان المنفلت والمتشرذم وغير الملتزم بأسس التعايش الإنساني، والتي تخلق في أطفالنا الصغار شعوراً بأن الانتماء للجماعة يستلزم كراهية الجماعات الأخرى، وتُحول التاريخ إلى أسطورةٍ مستباحة، والهوية إلى سجنٍ ضيق لا ينفتح على رحابة الوجود والكون..

نعم، نحن بحاجة إلى منهجٍ تعليمي يعلمنا أنّ العيش المشترك ليس تنازلاً أو ضعفاً، بل هو أعلى درجات التحضّر والوعي الإنساني، وإلى خطابٍ إعلامي وثقافي يقترب من الواقع بنزاهة، ولا يُغذّي فينا وهم العظمة الزائفة التي نخفي وراءها هشاشة مريعة.

غير أن الحلّ الأعمق، والأكثر صعوبة، هو أنْ نمنحَ أنفسنا فرصة المكاشفة والصراحة الجريئة مع ذواتنا (التي ما زلنا نعتبرها أنها على حق وغيرها على باطل)، فنتوقف عن اتهام الآخرين، وإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية أو تقلّبات الأقدار، ونعترف بأننا شركاء في صناعة واقعنا الأليم.. فالوعي الحقيقي لا ينمو في أرضٍ تغذّت على الإسقاط والإنكار والاحتكار – ادعاء امتلاك الحقيقة! – بل ينبتُ في تربةِ التواضع والمسؤولية التي تعترف بالخطأ حالَ وقوعه، وتجترئ على المساءلة والمحاسبة الذاتية بصدق ووعي ومسؤولية. وفي هذه اللحظة المصيرية من المراجعة المرّة، قد نكتشف أنَّ العدوَّ الأكبر لم يكن ذلك الآخر المختلف والمغاير، بل كان ذلك الجزء منا الذي يخاف من النقد ويخشى المساءلة والتغيير، ويهربُ إلى الأمام بالرجوع إلى الخلف.

وإذا كان رسول الله(ص) يحثنا على المواساة والتكافل بقوله: “يا علي، ثلاث لا تطيقها هذه الأمة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كل حال“. [رواه الصدوق]، ويقول الإمام الصادق عليه السلام: “مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً قَضَى اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ أَلْفِ حَاجَةٍ”، ويقول عليه السلام أيضاً: “اللَّهُ فِي عَوْنِ الْمُؤْمِنِ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ“، أفلا نستحي من أن تكون مجالسُنا ومجالسُ أبنائنا ساحاتٍ لهتك الأعراض، وفضح العورات، وانتقاص الكرامات، بدلاً من أن تكون مواطن تكافل وتعاون وتضامن إنساني حقيقي؟!..

وأخيراً، الحل هو أن نبني مجتمعاً واعياً لا يعرفُ الانفصام بين ما يقوله وما يفعله، وأن نخلق علاقاتٍ إنسانية تقومُ على التكافل والتضامن لا التنافس والصراع الهدّام، وأن نعيد اكتشاف أننا جميعاً ركّاب سفينة واحدة في بحرٍ عاصف متلاطم الأمواج؛ فإنْ غرقَ بعضُنا، غرقنا جميعاً، وإن نجونا، فلن تكون هذه النجاة إلا بفضل سواعدنا المتشابكة وتعاوننا المثمر، وعقولنا التي تعلّمت أخيراً أنّ الأفقَ أوسع من أنوفنا وأكبر بكثير من ذواتنا، وأنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما يملك، بل بما يبذل وينتج، ولا بما يلتهم ويأكل، بل بما يمنح ويعطي. وقد قال رسول الله(ص): “إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثاً، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثاً: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ“. [رواه مسلم].

فهل ننتظر حتى تغرق السفينة بمن فيها، أم نعيد ترتيب أوراقنا، ونطهر نفوسنا من داء الانشغال بالآخرين، ونبدأ رحلة العودة إلى ذواتنا الحقيقية التي خلقها الله على الفطرة السليمة، وجعلها مستودعاً للخير والبناء، لا للهدم والانتقاص؟!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *