هامش ثقافي

الإبداع والمعاناة.. الحزن هو توأم الكتابة!!

بقلم غسان عبد الله

وهذا الفصل لم يأتِ اعتباطاً، وإنما ينطوي على دلالات وأبعاد تقول إن الكتابة الجادة المحكمة ينبغي أن تستلهم الأحزان وشجون النفس، وأن تدوّن الخسارات والخيبات، وأن تروي أزمات الروح والأحلام الكثيرة التي تحطّمت في القلب وعلى الصفحات البيضاء، بينما تذهب النصوص الكوميدية نحو فضاءات مغايرة حيث المرح والبهجة والنزوات العابرة، وهي قليلة على أي حال في مفكرة الكاتب الرصين.

إذاً، الحزن هو توأم الكتابة ووقودها الذي لا ينضب، وهو الذي يمد الكاتب بالطاقة التي تحفِّزه على الاستمرار، بل يقال إن المعاناة والألم والحرمان تسهم في إذكاء وهج الإبداع لدى هذا الكاتب أو ذاك. ومن هنا نجد سير الكتَّاب والمبدعين حافلةً بقصص الحرمان والقهر، وهم إذ يكتبون الروايات والقصص والأشعار فإنما يدونون سيرهم الذاتية مع بعض التحوير والتخييل، في حين أن الإنسان الذي يعيش في بيئة مرفَّهة، من النادر أن يجد دافعاً إلى الكتابة أو الإبداع، ولئن وجد في نفسه موهبة، فإنه سيسخّرها في تقديم نصوص ذات طابع كوميدي ساخر، أو سيختلق مشاكل زائفة تتناول القشور والشكليات ولا تقترب من جوهر الهم الإنساني.

وفي مراجعة سريعة لتاريخ الأدب العالمي، سنجد أن السرديات الكبرى منذ عهد الإغريق وحتى اللحظة الراهنة هي تلك التي تروي أحزان البشرية وعذاباتها، وتقص حكايات الحروب والفجائع والاضطهاد والظلم. هذا ما سنراه في أشعار هوميروس وفي تراجيديات شكسبير وفي جحيم دانتي وسواها من النصوص التي حافظت على مكانتها لما حملته من أوجاع وآلام.

ولم يكن النتاج الأدبي العربي بعيداً عن مثل هذا المزاج الحزين، ولنا في قصائد وكتابات أبي العلاء المعري التشاؤمية المثال الصريح على ذلك، وكان الرثاء يمثل غرضاً أساساً من أغراض الشعر العربي، وخصوصاً مرثيات الشاعرة الخنساء عن فقدها لشقيقها، وكذلك قصائد المتنبي وأبي فراس الحمداني وأبي تمام وغيرهم ممن سطروا ملاحم عن الاعتزاز بالنفس وصوروا ساحات الوغى، ورسموا اللوعة بأكثر التعابير رصانة وجزالة.

وفي الأدب العربي المعاصر يمكن العثور على أسماء لا تحصى ممن جابوا خارطة الألم الإنساني، وراحوا يترجمون تلك الآهات الحرّى إلى حروف تئن من الشكوى والحنين والغياب والقهر والضياع وفقدان الأمل.

وفي هذا المقام، يمكن القول إن دموع الكاتب تتحول إلى حبر للكتابة، فهو إذ يرى المعارك والنزاعات والصراعات، وقصص الهجرة والفراق والشكوى، وحكايات الحرمان والجوع والأسى؛ فإنه عندئذ يستل القلم كي يوثق هذه المشاهدات، وتلك المكابدات التي يراها ويعيشها، لتغدو الكتابة متنفساً، وفسحة للبوح والمكاشفة والتعبير عن خلجات النفس، وكلما اشتد البكاء في الحياة اشتدت نبرة السوداوية بين السطور، وكأن الكتابة لا تتغذى إلا بالدموع، غير أنها تبحث دائماً عن نوافذ للأمل والخلاص وسط الصرخات والآهات.

ومثلما أن ثمة اتفاقاً نقدياً حول الفصل بين التراجيدي والكوميدي، فإن ثمة اتفاقاً مماثلاً حول أن الأدب الرصين هو ذاك الذي يستلهم المعاناة الإنسانية، فالنقد الأدبي لا يعتد كثيراً بتلك النصوص الخفيفة اللاهية، لكنه يتمعن كثيراً في تلك النصوص الحزينة التي توثق للخسارات والحرائق، وكأن الأدب لا يمكن له أن ينضج إلا وسط فضاءات الأسى، وهذه حقيقة تؤكدها العناوين الأدبية التي تعيش في ذاكرة القارئ من (الإلياذة والأوديسة) وصولاً إلى النصوص الأدبية الراهنة التي تحكي معاناة الإنسان في عالم فوضوي؛ مضطرب راح يتهاوى أو كاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *