فضاءات فكرية

تَسييلُ الأخْلاق: من الأطروحةِ الفَلسفيّة إلى المُمارسة الرّقميّة قراءةٌ نقديّةٌ في علاقةِ نسبيّة القيمِ بمنْظومةِ الاستهْلاكِ المُعاصرة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

أما القيم والأخلاقيات الرصينة فهي فرع هامشي لا قيمة له.. ظهرَ هذا المصطلح في سياق نقدي لفكر ما بعد الحداثة، وارتبط -على وجه الخصوص- بفيلسوف الاجتماع “زيجمونت باومان” في كتابه “الحداثة السائلة”. (أنظر: زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، الناشر: دائرة الثقافة والسياحة، أبو ظبي/الإمارات العربية المتحدة، طبعة عام 2016م).

تطرحُ هذه القضية (تسييل الأخلاق أو الأخلاق السائلة) سؤالاً جوهرياً في فلسفة الأخلاق والاجتماع المعاصرة يتمحور حول أصل الأخلاق ومعناها وغايتها.. فهل هذه القيم الأخلاقية ثوابت صلبة متعالية عن الزمان والمكان، أم أنها مجرّد بنى اجتماعية متغيّرة ومتحوّلة (سائلة) تتشكلُ بفعل عوامل اقتصادية وثقافية وتاريخية مؤقتة، وتتأثر بظروف الحياة وتغيراتها وعلاقات الناس فيها؟! وإذا كانت الإجابة الثانية هي السائدة في الخطاب الفكري الحديث، فهل يعني ذلك بالضرورة أننا إزاء تحول عميق في معنى الأخلاق وقيمته وضرورتها للحياة البشرية، من حيث انحلال الضوابط الأخلاقية وتحوّل القبح إلى فضيلة، كما يذهب بعض النقاد المعاصرين لهذا التيار؟!. نسعى هنا في هذه العجالة الفكرية إلى تفكيك هذه الإشكالية من زاويتين متكاملتين:

الأولى: الزاوية النظرية التي تتقصى جذور نسبية الأخلاق في الفلسفة الحديثة وما بعد الحداثية..  

والثانية: الزاوية التطبيقية التي ترصد الكيفية التي تحولت من خلالها هذه الأطروحات النظرية إلى ممارسة يومية عبر منظومة الاستهلاك والتكنولوجيا الرقمية..

كما يخصص البحث حيزاً للقراءة النقدية المضادة، إذ إن أية معالجة أكاديمية رصينة لهذه القضية تستلزم استعراض الحجج المؤيدة والمعارضة معاً، بعيداً عن الأحكام المسبقة، والمعايير المزدوجة.

أولاً: في البنى الفلسفية لنسبية الأخلاق

جاءت نظرية “نسبية الأخلاق” كمحصلة لتحولات ونتاجات فكرية وفلسفية وتاريخية طويلة لكثير من الفلاسفة والمفكرين، ويمكننا تتُّبع هذا المسار الطويل في خطوطه العريضة عبر ثلاث محطات رئيسية:

المحطة الأولى: نيتشه وتفكيك الأصالة الأخلاقية

يُعد نيتشه أحد أهم منظرية نسبية الأخلاق إذ كان يعتبر أنّ الأخلاق ليست معياراً ثابتاً بل عبارة عن نظرات متحولة وقابلة للتأويل وخاضعة للتغير البشري.. ويميز نيتشة – في مشروعه الفلسفي – بين ما أسماه “أخلاق السادة” و”أخلاق العبيد”، معتبراً أن المنظومات الأخلاقية السائدة، وخاصة تلك ذات الجذور الدينية، هي في جوهرها نتاج علاقات قوة تاريخية لا قيم متعالية. وقد ارتبط بهذا الطرح إعلانه الشهير عن “موت الإله”، والذي لم يقصد به نيتشه إثبات عدم وجود إله بالمعنى الحرفي، بقدر ما أراد الإشارة إلى أن المرجعية الدينية التي كانت تمنح الأخلاق الغربية يقينها وثباتها ومعياريّتها (وقيمتها) فقدت سلطتها الفعلية في الوعي الحديث، وأن هذا الفراغ يستدعي، بحسب رؤيته، إعادة تقييم شاملة لكل القيم.

المحطة الثانية: فرويد وتفسير الدين نفسياً وسلوكياً

يقدمُ لنا فرويد – من زاوية مختلفة طبعاً – تحليلاً نفسياً لموضوعي الدين والأخلاق، معتبراً إياهما استجابة للحاجات والمخاوف اللاواعية للإنسان، لا وحياً متعالياً مفارقاً للبشرية. وقد أسهم هذا الطرح -إلى جانب أطروحات أخرى في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا- في ترسيخ النظرة إلى الدين والأخلاق باعتبارهما مجرد رؤيتين بشريتين، أو مجرد ظاهرتين اجتماعيتين نسبيتين من صنع البشر، وهما قابلتان للتفسير والتفكيك بأدوات العلوم الإنسانية، لا باعتبارهما حقائق مطلقة راسخة وعُلوية المنشأ.

المحطة الثالثة: باومان وحداثة السوق السائلة

أما المحطة الثالثة والأكثر تأثيراً وحضوراً في مجمل الخطاب الفكري والسياسي المعاصر، فهي أطروحة عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” الذي قدم لنا في كتابه “الحداثة السائلة”، صورة عن عصرنا الحديث واصفاً إياه بأنه عصر ذوبان وتلاشي كل الأطر الصلبة والسياقات المعيارية التي كانت تمنحُ الحياةَ الاجتماعية ثباتها واستقرارها المستدام من العلاقات، الهويات، المؤسسات، وبالتبعية القيم الأخلاقية. حيث أنه في هذا العالم “السائل”، لا شيء يحتفظُ بشكلهِ الثابت لفترة طويلة، بل كل شيء في حالة تحوّل وتغيّر وتلّون، وإعادة تشكُّل مستمرة متواصلة تتناسب مع الظروف والسياقات والتغيرات التي تملي تأثيراتها، بما يخدم متطلبات لحظية متغيرة أكثر مما يخدم أي مرجعية ثابتة.

وقد يقرأ البعض أن ثمة اختلافات عميقة بين تلك الرؤى والأطروحات الثلاث، لكن الواضح أن الاختلافات تكمن فقط في مشاربها ومنطلقاتها، لا في مضمونها وجوهرها، حيث أنها جميعاً تلتقي على معنى واحد ومرجعية واحدة ونتيجة مشتركة هي تقويض فكرة وجود قواعد أخلاقية ثابتة ومرجعية فضائلية متعالية، مع إحلال فكرة النسبية والتحول محلها.

ثانياً: من النظرية المفاهيمية الرصينة إلى عالم السوق المفتوح المتغير..

(كيفية تحوّل الفلسفة والرؤية النظرية إلى نموذج اقتصادي استهلاكي)

لم تكن عملية الانتقال من المستوى النظري الفلسفي إلى المستوى التطبيقي اليومي بريئة أو عفوية بالكامل، بل جاءت كنتيجة ومآل نهائي لتمازج وتفاعل عدد من العوامل البنيوية، من أهمها:

  1. هيمنة ما يسمى باقتصاد الانتباه وتسليع الغرائز

ففي ظل ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، الذي يصبح معه انتباه المستخدم وتركيزه هو السلعة الأكثر ربحية بالنسبة للشركات التقنية الكبرى، تجد هذه الشركات مصلحة اقتصادية مباشرة في تعظيم الاستهلاك اللحظي والغرائزي، لأن المحتوى الذي يخاطب الغريزة والتشبع الفوري، هو الذي يحقق معدلات تفاعل أعلى من المحتوى الذي يتطلب تأملاً أو مجهوداً ذهنياً. وهنا يتحول الفردُ -بحسب هذا التحليل- من ذاتٍ مستهلكة إلى سلعة هو نفسه، إذ إنّ بياناته وسلوكه وتفاعلاته تُحوَّل بدورها إلى منتج يُباع للمعلنين.

  • تنسيق الخوارزميات والتطبيع مع المحتوى الهابط

تعمل خوارزميات التوصية في منصات التواصل الاجتماعي، وفق منطق تعظيم زمن المشاهدة والتفاعل، لا وفق أي معيار قيمي أو تربوي أو أخلاقي.. والنتيجة هي أن المحتوى الأكثر إثارة للجدل أو الأكثر ابتذالاً غالباً ما يحظى بانتشار أوسع من المحتوى القيمي الرصين، طبعاً ليس بالضرورة من خلال تصميم متعمد لهدم القيم، بل نتيجة منطق اقتصادي محايد ظاهرياً لكنه عميق الأثر عملياً يقوم على أن كل ما يزيد التفاعل يُعزَّز، بصرف النظر عن طبيعته مضمونه وقيمته الأخلاقية أو الثقافية.

  • آلية التطبيع التدريجي

وهذا يعني امتلاك القدرة على تحويل القناعات وتغييرها، أو بمعنى آخر تغيير الانطباع الذاتي للفرد عن ظاهرة ما أو سلعة ما من حالة إلى أخرى، سلبية كانت أم إيجابية، أي التلاعب بالذات في معاييرها وقناعاتها.. حيثُ يمكنُ رصدُ نمطٍ متكررٍ في كيفية انتقال ظاهرة معينة من كونها مستهجنة إلى كونها مقبولة، ثم إلى كونها معيارية، ويبدأ الأمر بعرض محتوى أو سلوك كان يُعتبر خارجاً عن المألوف، فيثير جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، ثم يتراجع الجدل تدريجياً مع تكرار التعرض له، وهي ظاهرة معروفة في علم النفس الاجتماعي باسم “التعرض المتكرر” إلى أن يصبح هذا المحتوى أو السلوك حالة طبيعية مقبولة، وجزءاً من المألوف اليومي في حياتنا اليومية، وربما يُستدعى له لاحقاً غطاء من “الأبحاث” أو الدراسات لإضفاء طابع من الرصانة العلمية عليه.

ثالثاً: في المساءلة والقراءة النقدية المضادة – هل النسبية بالضرورة عدمية؟

بعد عرض الأطروحة أعلاه، تقتضي الأمانة الأكاديمية عرض جملة من الاعتراضات والتحفظات التي يطرحها مفكرون آخرون على هذا التحليل، وذلك حرصاً على تقديم صورة متوازنة للنقاش الفلسفي الدائر حول هذه القضية.

  1. التمييزُ بين النسبية الوصفية والنسبية المعيارية

يميّز كثير من فلاسفة الأخلاق بين نوعين مختلفين من “النسبية”: النسبية الوصفية، وهي ملاحظة سوسيولوجية بسيطة مفادها أنَّ المجتمعات المختلفة تتبنى فعلياً منظومات قيمية متعددة ومتباينة، وهذه ملاحظة تجريبية يصعب إنكارها تاريخياً وأنثروبولوجياً؛ وأما النسبية المعيارية، فهي الموقف الفلسفي المعياري القائل بأنه لا توجد معايير أخلاقية صحيحة بشكل مطلق تتجاوز كل ثقافة. وكثير من النقاد الذين يوجهون سهامهم إلى “نسبية الأخلاق” يخلطون – عن قصد أو غير قصد – بين هذين المستويين، فيستخدمون الملاحظة الوصفية الصحيحة (اختلاف الثقافات) لدعم استنتاج معياري متطرف (لا توجد أخلاق صحيحة إطلاقاً)، وهو انتقال منطقي لا يخلو من إشكال.

  • إعادة قراءة نيتشه وباومان بعيداً عن التبسيط

يلاحظ أن كثيراً من القراءات الشعبية لنيتشه تختزل مشروعه الفلسفي المعقد في عبارة “لا توجد حقائق أخلاقية، بل تأويلات”، متجاهلة أن نيتشه نفسه لم يكن داعية للعدمية بل ناقداً لها؛ فمشروعه في “إرادة القوة” وفكرة “الإنسان الأعلى” كان عبارة عن محاولة لتجاوز العدمية الناتجة عن “موت الإله”، لا الاحتفاء بها أو الاستسلام لها. وبالمثل، فإن باومان لم يمتدح في “الحداثة السائلة” سيولة القيم أو يدعو إليها، بل كان يقدم تشخيصاً نقدياً قلِقاً لحالة المجتمعات المعاصرة، وهو كان قد حذّرَ مراراً من الآثار والنتائج المدمرة لهذه السيولة على الروابط الإنسانية والعلاقات المجتمعية. بعبارة أخرى، كثير ممن يُستشهد بهم كـ”منظّرين” لتسييل الأخلاق كانوا في الحقيقة من أشد نقاد هذه الظاهرة، لا من دعاتها.

  • أطروحات بديلة.. التعددية الأخلاقية وليس العدمية

يطرح فلاسفةٌ آخرون، مثل إسحاق برلين – في نظريته عن “تعدد القيم – موقفاً وسطاً بين اليقين المطلق والنسبية العدمية، فهناك قيم إنسانية أساسية قد تكون شبه كونية (كرفض القتل التعسفي أو تقدير الكرامة الإنسانية)، لكن هذه القيم قد تتعارض فيما بينها في سياقات معينة (كالتوتر بين الحرية والمساواة مثلاً)، مما يستدعي حكمة عملية في الموازنة بينها لا رفضاً تاماً لفكرة وجود قيم ثابتة معيارية. هذا الطرح يقدم بديلاً عن الثنائية الحادة بين “أخلاق مطلقة جامدة” و”أخلاق سائلة عدمية”، ويفتح مجالاً لتصور أخلاق ذات جوهر ثابت لكنها مرنة التطبيق بحسب السياق.

  • مساءلة فرضية “المؤامرة المصممة”

من الناحية المنهجية، ينبغي التعامل بحذر مع الطرح القائل بأن الشركات التقنية الكبرى “صممت” هذه المنظومة القيمية السائلة بشكل واعٍ ومقصود لأهداف ربحية. فبينما لا شك أن الحوافز الاقتصادية للشركات التقنية تدفع موضوعياً نحو تعظيم الاستهلاك والتفاعل بصرف النظر عن الأثر القيمي، فإن القفز إلى افتراض وجود مخطط ممنهج ومقصود لتفكيك المنظومات الدينية والأخلاقية تحديداً هو استنتاج يتجاوز الأدلة المتاحة، ويقترب من تفسيرات المؤامرة التي يصعب إخضاعها للتحقق العلمي. التفسير الأكثر اتساقاً مع الأدلة هو أن الأثر التآكلي على القيم هو نتيجة جانبية غير مقصودة (بالضرورة) لمنطق اقتصادي محايد، لا نتيجة مباشرة لنية مبيّتة.

رابعاً: نحو تركيب أخلاق ثابتة الجوهر، واعية بالسياق

في ضوء ما سبق، يمكن اقتراح موقف توفيقي يتجاوز ثنائية “الثبات المطلق” و”السيولة العدمية”، إذ من الممكن الإقرار بأن أشكال التعبير عن القيم وتطبيقاتها العملية في حركة المجتمعات، تتغير بتغير الزمان والمكان والسياق الاجتماعي والاقتصادي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جوهر القيم الكبرى -كالعدل والصدق واحترام كرامة الإنسان- نسبي بالمطلق أو قابل للتفاوض الكامل. وفي المقابل، فإن الوعي النقدي بآليات اقتصاد الانتباه والخوارزميات الرقمية، وبكيفية تحول المحتوى المبتذل إلى “ترند” ثم إلى معيار مقبول، هو وعي ضروري لمقاومة الانجراف السلبي وراء منطق السوق، دون الحاجة إلى تبني نظرية تآمرية شاملة لتفسير هذا الانجراف.

إن قضية “تسييل الأخلاق” أكثر تعقيداً من أن تُختزل في ثنائية حادة بين معسكر يدافع عن ثوابت أخلاقية جامدة ومعسكر يدعو إلى ذوبان كل القيم. فالأطروحات الفلسفية التي يُستشهد بها غالباً كمصدر لهذه “السيولة” -من نيتشه إلى باومان- كانت في جوهرها أطروحات نقدية تشخيصية أكثر منها دعوات احتفالية بالعدمية. وفي الوقت ذاته، فإن التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية واقتصاد الانتباه في بنية استهلاك المحتوى وتشكل الرأي العام تستحق فعلاً دراسة نقدية جادة، لكنها دراسة ينبغي أن تُبنى على تحليل بنيوي دقيق لمنطق الحوافز الاقتصادية، لا على افتراض مؤامرة مقصودة.

ولا شكّ بأنّ أي مشروع فكري جاد لمواجهة ما يُوصف بـ”تجميل القبح” يحتاج إلى تمييز دقيق بين النقد المشروع لآليات اقتصاد الانتباه من جهة، والحفاظ على الدقة الفلسفية في قراءة التراث الفكري الذي يُستدعى لدعم هذا النقد من جهة أخرى، بعيداً عن التبسيط الذي قد يُفقد النقد ذاته مصداقيته الأكاديمية.

ولا شك أننا نسينا – في مجتمعاتنا التي ترتكز على معايير دينية ثابتة – أن الأخلاق قيم ثابتة تعمل كقوانين رادعة للسلوك البشري.. وهذا ما رآه كثير من فلاسفة الإسلام ومتكلميه حيث أكدوا على أن أصول الأخلاق الأولى – ومعايير الإنسانية الأولية – ليست نسبية بأي حال من الأحوال، بل هي مطلقة، لكن المعايير الثانوية نسبية.. وهذا ما سار عليه المفكر الشهيد مرتضى مطهري الذي رفض الطرح القائل بأنّ الأخلاق “نسبية” بالمعنى الذي يعني أنه لا يوجد خير أو شر مطلق، بل يوجد ما هو خير لزمن معين وشر لزمن آخر.. فمن وجهة نظره، هناك مبادئ أساسية لا تتغير بتغير الزمان والمكان. وقد قدم مطهري لحل الإشكال الفلسفي بين “اعتبارية” المفاهيم الأخلاقية (حيث يبدو أنها من صنع الذهن البشري) وبين مطلقيتها، قدّم نظريته في “الأنا العلوية” (من عُلوي) و”الأنا السفلية” (من سفلي).. وفحوى هذه النظرية أن الإنسان له جانبان: جانب حيواني مادي (الأنا السفلية) تسوده الأهواء والنزعات والمصالح المتغيرة، وجانب ملكوتي إلهي (الأنا العلوية) هو جوهر إنسانيته ووجوده. فإذا كانت الأخلاق نابعةً من “الأنا السفلية”، فإنها ستكون نسبية ومتقلبة ومتغيرة، أما إذا كانت نابعة من “الأنا العلوية” – وهي مشتركة بين جميع البشر – فإنها تؤسس لأحكام أخلاقية كلية وثابتة عبر كل الأزمان.

نعم، إن الإسلام في جوهره يرفض أن تكون الأخلاق نسبية بالمعنى السوقي الاستهلاكي للكملة، ويرى أنّ هناك معايير ثابتة وقيماً معيارية رصينة راسخة لا تتغير بتغير الأهواء أو المجتمعات أو الأزمان.. فالقرآن يقرر أن الخبيث والطيب لا يستويان حتى لو أعجب الناس كثرة الخبيث، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾] المائدة: 100[.

لكن هذا لا يعني جموداً مطلقاً، بل هناكَ مرونةٌ في التطبيق الجزئي (كجواز الكذب للإصلاح بين الناس)، مع بقاء الأصل الأخلاقي ثابتاً وراسخاً.

وقد أكد النبي الكريم(ص) على ثبات المعيار الأخلاقي في أحاديث كثيرة، منها قوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (مسند ابن حنبل/8952). وقوله: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» (سنن الترمذي/1162).. فالأخلاق هنا ليست نسبية بل هي غاية الرسالة نفسها.

أما الإمام علي(ع)، فقد شدّد على أن الحق هو معيار كل شيء، وهو القيمة الثابتة والمقياس الجوهري: «فَإِنَّ الْحَقَّ لَمْ يُعْرَفْ بِالرِّجَالِ، بَلْ عُرِفَ الرِّجَالُ بِالْحَقِّ» (روضة الواعظين/ج1، ص31). وقال أيضاً: «حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمَرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيمًا فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ» (نهج البلاغة/خطبة16). أي أن انتشار الباطل لا يجعله حقاً، وقلة أهل الحق لا تجعله باطلاً. وهذه قاعدة حاسمة ضد أي نسبية أخلاقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *