إقليميات

القمة الروسية.. الإفريقية في ضوء تراجع دور روسيا في إفريقيا

توفيق المديني

ومع ذلك، انخفض الحضور البارز للقادة بشكل حاد منذ القمة الأولى عام 2019، التي استقطبت 43 رئيس دولة إفريقية، وانخفض هذا العدد إلى 17 فقط عام 2023 عقب اندلاع الحرب الروسية – الأوركانية، وبالمقارنة، حضر أكثر من 50 زعيماً قمة الصين-إفريقيا الأخيرة في عام 2024. وعلى الرغم من زيادة روسيا لحضورها في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، فإِنَّ دورها اقتصر إلى حدٍّ كبيرٍ على ضمان الأمن، لا سيما في منطقة الساحل ومناطق أخرى تشهد نزاعاتٍ مسلحةٍ، مثل السودان. ويشير ضعف المشاركة في القمة إلى أنَّ نفوذ روسيا في القارة أصبح مثيراً للجدل بشكلٍ متزايدٍ.

جاء انعقاد القمة الروسية – الإفريقية الثالثة بعد مرورِ أربع سنوات على الحرب الروسية – الأوكرانية التي أثرتْ تداعياتها في القارة الإفريقية بشكلٍ سلبيٍّ، لا سيما بعد أن شهدتْ ارتفاعاً غير مسبوقٍ لأسعار النفط والسلع الغذائية كالقمح والزيوت، إضافة إلى نقص الغذاء والأسمدة، ما قد يعيق عملية التنمية داخل القارة، حيث شكلتْ الحرب تهديداً كبيراً على اقتصاد معظم الدول الإفريقية، التي كانت الأكثر تأثراً بهذه الأزمة، إذْ تعاني معظم الدول الإفريقية زيادة حجم الديون بالإضافة إلى ذلك، تواجه روسيا عقوباتٍ اقتصاديةٍ من الولايات المتحدة والدول الغربية نتيجة زيادة عملياتها العسكرية في أوكرانيا.

من أهداف القمة الروسية – الأفريقية

تمثل القمة أهمية كبيرة نحو تعزيز علاقات روسيا داخل إفريقيا، خاصة بعد أنْ أدركتْ موسكو أهمية القارة استراتيجياً بعد الحرب الروسية – الأوكرانية، ومن ثم أصبحتْ مسرحاً للتنافس الدولي بين مختلف القوى الدولية والإقليمية، إذْ تعمل روسيا على توسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية داخل إفريقيا على أساس أنَّ القارةَ ستصبح مركزاً دولياً جديداً في النظام الدولي متعدد الأقطاب، الأمر الذي يخلق الرغبة والدافع لدى بوتين لتعزيز نفوذ بلاده الاستراتيجي داخل معظم الدول لإفريقية.

وتتمثل أهداف القمة الروسية – الإفريقية في تحقيق الأهداف التالية:

1- فتح آفاقٍ جديدةٍ لتعزيز التعاون الاقتصادي الروسي بالقارة: يمكن لموسكو من خلال توسيع نطاق عمل القمة، وبناء آفاق للتعاون الاقتصادي أنْ تعزِّزَ أواصر التقارب والتعاون، بالإضافة إلى توسيع حجم التجارة مع الدول الإفريقية، في ظل تنامي حجم تجارة الدول الغربية والصين في إفريقيا، إذْ بلغَ حجمُ التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا نحو 348 مليار دولار، ووصل التبادل التجاري للاتحاد الأوروبي إلى نحو 295 مليار دولار، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا حتى نهاية عام 2022 نحو 18 مليار دولار.

هذا التواضع الاقتصادي يؤكده مدير مركز الدراسات الأفرو – شرق أوسطية نعيم جينا، مشيراً إلى أنَّ روسيا تُعدُّ “من منظور الدول الأفريقية لاعباً صغيراً”، إذ لا يتعدى حجم التبادل التجاري مع القارة 27 مليار دولار في عام 2025 – يذهب منها 10 مليارات إلى مصر وحدها والباقي لـ 53 دولة – مقارنة بدول مثل الهند التي يبلغ حجم تجارتها 94 مليار دولار.

تسعى موسكو إلى تعزيز حجم الاستثمار الروسي في القارة، وتشجيع الشركات الروسية على توسيع أنشطتها داخل إفريقيا، لا سيما في مجالات النفط والغاز الطبيعي والاستثمار في البنية التحتية والتعدين داخل الدول الإفريقية، في ظل امتلاك القارة العديد من الثروات والموارد الطبيعية التي أصبحت محفزاً للتنافس الدولي بين الدول الكبرى، تهدف موسكو من خلال وجودها في السوق الإفريقية إلى ضَخِّ مزيدٍ من العملات الأجنبية داخل روسيا، من أجل تقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيزِ قيمةِ العملةِ الروسيةِ ومنحها الصفة الدولية لتحقيق تبادلٍ تجاريٍّ واسعٍ.

2- استخدام التقنيات الحديثة في المدفوعات الدولية

في هذا السياق، اهتمت الصحف الروسية بدعوة الرئيس فلاديمير بوتين الدول الإفريقية للانضمام إلى شبكات المدفوعات الدولية من الجيل الجديد. وأشار بوتين، خلال مشاركته في النسخة الثالثة من القمة الروسية الإفريقية، إلى أنَّ تقنيات الدفع الحديثة تتيح إجراء المعاملات عبر الإنترنت باستخدام العملات التقليدية والرقمية، مما يضمن السهولة والشفافية، مؤكِّداً أنَّ هذه المعاملات تتم وفقاً للقانون الدولي.

وتوضح صحيفة موسكوفسكي كومسوموليتس أنَّ الحديث يدور عن شركة “إيه 7” (A7) الروسية المتخصصة في المدفوعات الدولية، التي تأسست عام 2024 بمشاركة بنك “بي إس بي”(PSB) وتغطي بنيتها التحتية للمدفوعات أكثر من 100 دولة، ويستفيد من خدماتها ما يزيد على 15 ألف مشارك في الأنشطة الاقتصادية الخارجية، وذلك كقناة دفع بديلة لتجاوز القيود الغربية على التحويلات المصرفية المفروضة على روسيا.

وركزت “موسكوفسكي كومسوموليتس” على تشديد بوتين على الطبيعة السيادية لشبكة المدفوعات الروسية المعروضة، واستقلاليتها عن أي قيود خارجية، وطمأنة قادة البلدان الأفريقية بقوله “لن يتمكن أحد من فرض قيود عليكم، فمن منظور التقنيات الحديثة، من المستحيل حظر مثل هذه المدفوعات. الأمر ببساطة مستحيل”. ولفتت إلى أنَّ اقتراح الرئيس الروسي للدول الأفريقية، بدمج المدفوعات عبر الحدود وتحويل التسويات التجارية المتبادلة إلى عملات وطنية، يفند مزاعم الغرب بفرض حصار دولي على روسيا ويظهر استعداد العالم غير الغربي لتطوير شراكة طويلة الأمد مع موسكو رغم العقوبات.

في الوقت الذي كان فيه البعض يتهكم على إغلاق الطرق وحجب الإنترنت خلال قمة روسيا إفريقيا، كانت قضايا بمليارات الدولارات تحسم في موسكو. كما أشارت الصحيفة إلى أنَّ حديث أنطون سيلوانوف نائب رئيس وزراء الاتحاد الروسي وزير المالية -عن دخول شركة “إيه 7” إلى سوق المدفوعات الدولية في إفريقيا، وتسليطه الضوء على سرعتها وتكلفتها المنخفضة، شكل رسالة للبلدان الإفريقية التي تعاني من وضع تجاري واقتصادي هش، وتعتمد بشكل كبير على التجارة الخارجية.

3– تعزيز الصادرات العسكرية الروسية إلى القارة الإفريقية: تسعى موسكو لاستغلال السوق الإفريقية الكبيرة لتعزيز صادراتها العسكرية، وزيادة حجم مبيعات الأسلحة الروسية إلى السوق الإفريقية، بحجة مواجهة الجماعاتِ المسلحةِ ومخاطرِ الإرهابِ، فضلاً عن توسيع نفوذها العسكريِّ والأمنيِّ داخل القارة، لا سيما في ظلِّ الصراعِ القائمِ بين الدول الكبرى.

وعلى الرغم من أنَّ الحربَ مع أوكرانيا تسببت في انخفاض حجم مبيعات الأسلحة الروسية، فإنَّ موسكو لا تزال أكبر مصدر للأسلحة داخل القارة الإفريقية، وقد أصبحت روسيا في الوقت الراهن تسيطرُ على نصفِ الوارداتِ الإفريقيةِ من السلاح، لتصبح القارة ثاني أكبر مستوردٍ للأسلحة الروسية بعد قارة آسيا، حيث وصلتْ نسبة مبيعاتها من الأسلحة داخل القارة إلى نحو 40% في حين بلغتْ نسبة مبيعاتِ الولايات المتحدة الأمريكية نحو 16% وفرنسا نحو 8%،والصين نحو 1%، فضلاً عن تصاعد نفوذ قوات (فاجنر) داخل عديد من الدول الإفريقية، التي ينظر إليها على أنَّها أداةٌ غير رسميةٍ للسياسة الخارجية لروسيا، بالإضافة إلى كونها جهازاً أمنياً للدول الإفريقية في مواجهة الجماعات المسلحة والإرهابية.

4– الاستفادة من الكتلة التصويتية الإفريقية: تسعى موسكو من خلال القمة إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية والاستفادة بالكتلة التصويتية للدول الإفريقية، التي يبلغ تعدادها (54 دولة)، تملك القارة تأثيراً كبيراً على المستوى الدولي، لا سيما في المحافل الدولية، وقد برزتْ أهمية الدول الإفريقية لروسيا خلال حربها ضد أوكرانيا، خاصة خلال تصويتها على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين العملية العسكرية التي قامت بها موسكو ضد كييف.

روسيا تعزز حضورها العسكري في بلدان الساحل وإفريقيا الوسطى

على الرغم من انتهاء الحرب الباردة منذ العام 1991، غير أنَّ أحداث ما يُسمى البجعة السوداء ووحيد القرن الرمادي التي تشير إلى التهديدات غير المتوقعة أو المتوقعة ويتم تجاهلها أدَّتْ إلى تحولاتٍ فارقةٍ في النظام الدولي، إِذْ استمرتْ  الديناميكية الجيوسياسية بين الشرق والغرب، التي ظهرتْ لتبرير القهر والاستغلال المستمر لإفريقيا في حقبة ما بعد الاستعمار، استنفرتْ، واتخذت أشكالاً أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحتْ الولايات المتحدة القوة البارزة في العالم، مع منافسٍ حقيقيٍّ واحدٍ فقط، الاتحاد السوفيتي، وكانت فرنسا مدعومةً من واشنطن في بناء علاقاتٍ استعماريةٍ جديدةٍ مع مستعمراتها الأفريقية السابقة، لأنَّ القيام بذلك خدم أغراض مواجهة ومنع النفوذ السوفيتي في إفريقيا.

تتمتع روسيا بمكانة تاريخية في أفريقيا- تعود إلى أنَّ موسكو تقدم نفسها على أنَّها الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي، الذي لطالما تعامل مع الدول الإفريقية كشركاء، وقد ساهم بشكل كبيرٍ في حركات التحرر الوطني في أنغولا وموزمبيق وناميبيا وغيرها من الدول. لذلك، ترتبط روسيا بإنهاء الاستعمار الأوروبي لا بالقمع وتجارة الرقيق، وبالتعاون الاقتصادي لا بالنهب الإمبريالي الغربي.

وتأتي هذه الأمور في وقت لا تزال فيه العديد من الدول الأفريقية تكن ضغينة لمستعمريها السابقين الذين لم يتخلوا عن نظرتهم المتعالية والمتغطرسة تجاه مستعمراتهم السابقة. فقد فشلت هذه الدول في التكيف مع قواعد اللعبة الجديدة، وفي إدراك أنَّ إفريقيا أصبحت قارة نابضة بالحياة ومستقلة، تستحق – إن لم تملك علاقاتٍ متكافئة – فعلى الأقل احتراماً أساسياً. وبينما كانت فرنسا والولايات المتحدة بمثابة ضامنين في منطقة غرب ووسط أفريقيا، تفاقمت مشكلة الإرهاب في نظر السكان المحليين، وبدا أن ذلك إما عجز عسكري غربي أو إطالة متعمدة للصراع للحفاظ على السيطرة على الدول ومواردها.

بالتبعية، استغلتْ موسكو تصاعد المدِّ الشعبويِّ للمجتمعات الإفريقية المستاءة من الوجودِ الغربيِّ، لا سيما الفرنسيِّ، وقامت بتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية، اعتمد الروس في مسعاهم هذا على علاقات الصداقة والدعم التي أقامها الاتحاد السوفيتي مع حركات المقاومة الإفريقية، التي استمرتْ لعقودٍ. وبالفعل، تمكنت موسكو من أن تبني على هذا الميراث التاريخي كما تجلس بأوضح صوره في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، إذ على مدى السنوات العديدة الماضية، قدمتْ مجموعة (فاغنر: فيلق إفريقيا التابع لوزارة الدفاع الروسية) الدعم للحكومات الوطنية التي بنتْ زخمها السياسي على ممارسةٍ صريحةٍ للسيطرة الاستعمارية الفرنسية الجديدة في بلدانها.

مع ذلك، فإنَّ ظهور(فاغنر) يفتقر إلى الموقف الأيديولوجي الواضح الذي كان يتمتع به الاتحاد السوفيتي، كانت مجموعة (فاغنر) على استعدادٍ للتعاقد مع الأنظمة والحركات السياسية التي تعمل لتقويض السلطة الفرنسية، في حين أنَّ الشركات العسكرية الغربية تقوم بشكلٍ أساسيٍّ بأدوارٍ تدعم النظام الاستعماري الفرنسي الجديد في إفريقيا.

بسبب هذا الواقع، يُنظر إلى العمل مع (فاغنر) داخل مجتمعات المقاومة الإفريقية على أنَّه طريقٌ فعالٌ ومشروعٌ للتحرُّرِ من نير الاستعمار الفرنسي، تجلتْ هذه المشاعر الشعبية الواسعة الانتشار عام 2021 في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، عقب انقلاب 26 يوليو 2023، كما ذكرنا، يدعم (فاغنر) حالياً الشعب المالي للدفاع عن الحكومة العسكرية هناك، التي انقلبتْ عام 2021 على الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا المدعوم من فرنسا وعزلته من السلطة.

تعتبر دول مجموعة الساحل الإفريقي، النيجر وموريتانيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، منطقة جغرافية استراتيجية، وهي منطقة تُعَدُّ أرضاً مليئة بالفرص بقدر ما هي أرض مليئة بالتحديات. وقد بدأتْ روسيا تسلط اهتمامها على دول المجموعة مستغلة في ذلك تراجع الدور الفرنسي في المنطقة؛ حيث قامتْ روسيا بإبرام اتفاقياتِ تعاونٍ عسكريةٍ مع دول المجموعة كان آخرها مع موريتانيا في 24 يونيو/حزيران 2021.وكانت روسيا وقعتْ أيضاً اتفاقياتٍ عسكريةٍ مشابهةٍ مع مالي عام 2015 والنيجر في 2017.

فبعد النجاح في ترسيخ مكانتها وتزايد نفوذها بشكلٍ كبيرٍ في مالي وإفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، تتوسع عقود روسيا شبه العسكرية، عبر فيلقها الأفريقي، خليفة مجموعة فاغنر، في الدول الهشة التي تواجه حركات جهادية.. وقد تمكَّنَتْ المجموعات الأمنية الروسية، وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية من الحصولِ على امتيازاتٍ كبيرةٍ في قطاعِ تعدينِ الذهبِ والألماسِ الذي يَدُرُّ مئات الملايين من الدولارات على الخزانةِ الروسيةِ.

وتقدم روسيا عبر المجموعة شبه العسكرية خدماتٍ لِلْأنْظِمَةِ التي تواجه صعوباتٍ، مثلما الأمر في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، حتى باتتْ المجموعة جزءاً مهماً من نفوذ الكرملين في أفريقيا، إذْ أرسلتْ مقاتلين للقتال في بعض البلدان وأرسلتْ خبراء سياسيين للعمل في عدة بلدان أخرى، حسب “فايننشال تايمز”.

وتقوم المجموعة شبه العسكرية الروسية بحماية السلطة القائمة وتعرض تدريبات عسكرية أو حتى نصائح قانونية لإعادة صياغة الدستور، وفي المقابل تتقاضى المجموعة أجرها من الموارد المحلية لا سيما مناجم الذهب ومعادن أخرى، وفقا لوكالة “فرانس برس”. وزاد النفوذ الروسي بعد خروج فرنسا من مناطق طالما كانت تشهد نفوذاً لباريس، وعلى سبيل المثال انتهتْ مهمة الجيش الفرنسي في مالي في العام 2022، بعد تسعة أعوام من الوجود هناك في إطار ما تسمى قوة برخان لمكافحة الجهاديين في المنطقة.

ويثبت النجاح الروسي في إفريقيا للعالم غير الغربي فشل مفهوم “عزل موسكو” – حث أبرزت روسيا قدرتها على الحلول محل القوى العظمى التقليدية مثل فرنسا بفعالية، وضمان أمن الأنظمة الإفريقية، والعمل كلاعب عالمي لا بد للجميع من أخذه في الحسبان.

خاتمة: شراكة روسيا مع إفريقيا

هل تشكل قاعدة لبناء نظام دولي متعدد الأقطاب؟

في القمة الإفريقية – الروسية الثالثة، رسخ الرئيس بوتين خطاباً إستراتيجياً يصف إفريقيا وروسيا بحليفين في بناء “نظام عالمي متعدد الأقطاب خال من سياسة الإملاءات”. لكنّ هذا الطموح الروسي، المدعوم بمغازلة روسية لدول القارة السمراء عبر تأييد تخصيص مقعدين دائمين لها في مجلس الأمن، يصطدم حسب رأي الخبراء والمحللين الغربيين بتعقيدات الواقع ومحدودية الإمكانات الاقتصادية لموسكو، في ظل العقوبات الغربية المشددة المفروضة عليها على خلفية حرب أوكرانيا، واحتدام التنافس الدولي على الموارد والنفوذ.

وعلى الرغم من أن التركيز الروسي على البعد التاريخي والشراكة المتكافئة مع إفريقيا، مستغلة تآكل النفوذ الفرنسي وتعثر النفوذ الأمريكي، ومستخدمة ورقة مجلس الأمن لمغازلة القارة، فإنَّ روسيا تعاني من وطأة العقوبات الغربية الناجمة عن الحرب الأوكرانية، إضافة إلى أنَّ المعاملات التجارية الروسية تقوم في الأساس على صفقات السلاح – تحديداً مع مصر والجزائر – في حين تحتاج القارة لبرامج تنموية ومواد لا يستطيع الكرملين توفيرها في وضعه الراهن.

يتطلع القادة الأفارقة إلى أكثر من مجرد وعود موسكو فيما يتعلق بالاستثمار في بلدانهم، إذ لم تف روسيا بالعديد من الاستثمارات التي تعهدت بها قبل نحو عقد من الزمن، بما في ذلك محطات الطاقة النووية التي بنتها روسيا. فإلى جانب المأزق الاقتصادي، يثير التمدد العسكري الروسي هواجس متزايدة لدى العواصم الأفريقية، إذ يحذر جينا من تنامي وجود القوات الروسية في منطقة الساحل وليبيا والنيجر، خشية أن تتحول القارة إلى ساحة صراع تنافسي بين القوى الكبرى التي تحكمها حسابات المصالح في المقام الأول بعيداً عن الصداقات المعلنة.

فالمطلوب من القادة الأفارقة الوطنيين المناهضين للكولونيالية الغربية، ضرورة تأسيس “محور إفريقي قائم بذاته” يستثمر الموارد البشرية والجغرافية الهائلة لدول القارة، ويتفاوض ندّاً لندٍّ مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، بدلا من البقاء في موقع التابع ضمن استقطابات الشرق والغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *