إقليميات

ترامب ونتنياهو في فخ إيران: خَسائر سِياسية ومخاوف من ولادة قوَّة نَووية

بقلم زينب عدنان زراقط

ما شهدته الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خسارة انتخابية عادية للحزب الجمهوري، بل نحن أمام تحول سياسي كبير أعاد رسم موازين القوى داخل واشنطن، ووضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد لم يكن يتوقعه. لقد تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا اختراقات انتخابية في ولايات كانت تُعد من أكثر المعاقل الجمهورية رسوخاً. المفارقة أن الحرب على إيران، التي راهنت إدارة ترامب على توظيفها لتعزيز نفوذها، تحولت بفعل تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى أحد عوامل تراجع شعبية الجمهوريين وارتداد الأزمة إلى الداخل الأمريكي.

أما في إسرائيل، فقد تلقى ائتلاف نتنياهو ضربة سياسية بفقدانه الأغلبية البرلمانية في الكنيست، ما وضع مستقبله السياسي على المحك، وفتح الباب أمام مفاوضات وتحالفات قد تنتهي بإبعاده عن السلطة وتشكيل حكومة جديدة من دونه. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ فترامب ونتنياهو اللذان قادا مشروع المواجهة مع إيران بهدف تغيير موازين القوى فيها، يواجهان اليوم ارتدادات الحرب داخل بلديهما، مع انفتاح جبهات سياسية داخلية تهدد حساباتهما ومستقبلهما السياسي.

أولاً: ترامب في مواجهة العزل: الكونغرس يفتح ملفات الفساد وإبستين

يمنح فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ فرصة لفتح تحقيقات واسعة في إدارة ترامب، ومساءلة المسؤولين واستدعائهم وكشف ملفات الفساد واستغلال النفوذ والصفقات المالية والقرارات المرتبطة بالحرب على إيران. أما عزله دستورياً، فيبدأ بتوجيه الاتهام من مجلس النواب بالأغلبية البسيطة، ثم محاكمته في مجلس الشيوخ، حيث يتطلب قرار الإدانة والعزل موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين، ما يعني ضرورة استقطاب أصوات جمهورية أيضاً. وبذلك يدخل ترامب مرحلة من الحصار السياسي والرقابة البرلمانية المكثفة، وسط ملفات قد تكون أشد إحراجاً له، وفي مقدمتها قضية جيفري إبستين، التي قد تتحول إلى أحد أبرز محاور المواجهة المقبلة.

فيما تُعد قضية جيفري إبستين من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لترامب؛ فالعلاقة الاجتماعية بينهما موثقة بالصور والتسجيلات وسجلات السفر منذ التسعينيات، فضلاً عن تصريحات إيجابية أدلى بها ترامب عن إبستين عام 2002. لكن الجانب الأكثر خطورة يتمثل في شبكة الاستغلال والاتجار الجنسي بالقاصرات التي ارتبطت بإبستين، وما تضمنته بعض إفادات التحقيق من اتهامات لترامب بالاعتداء على قاصر، وهي ادعاءات لم تثبت قضائياً، وينفي ترامب ارتكاب أي مخالفات.

ومع نشر ملايين الصفحات من ملفات إبستين، يستطيع الكونغرس الجديد فتح تحقيقات ومساءلة وزارة العدل بشأن الوثائق والإفادات، ما قد يضيف ملفاً بالغ الحساسية إلى ملفات الفساد واستغلال النفوذ والحرب. وهنا نستحضر سابقة تاريخية مهمة للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، الذي اضطر إلى الاستقالة عام 1974 تحت ضغط فضيحة ووترغيت واقتراب عزله، فتولى نائبه جيرالد فورد الرئاسة، ثم أصدر عفواً رئاسياً شاملاً عنه، حماه من الملاحقة القضائية الفيدرالية عن الجرائم التي ربما ارتكبها خلال فترة رئاسته.

وهذه السابقة التاريخية تضع احتمال تكرار السيناريو نفسه مع ترامب في دائرة التحليل؛ إذ قد يجد نفسه أمام مخرج سياسي يقوم على مغادرة الرئاسة لمصلحة نائبه جاي دي فانس، مقابل تولي الأخير السلطة وإصدار عفو رئاسي عنه. ولا يتعلق الأمر بمصلحة ترامب وحده، فانتقال الرئاسة إلى فانس قد يمنحه فرصة قيادة الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب، واحتواء أزمة تهدد مستقبل الحزب. وبذلك قد تتقاطع مصالح رئيس يسعى إلى تجنب الملاحقات الفيدرالية، ونائب يطمح إلى قيادة المرحلة السياسية المقبلة، في تسوية محتملة على غرار سابقة نيكسون وفورد، وإن كانت حدود العفو الرئاسي لا تشمل الملاحقات على مستوى الولايات ولا تنهي بالضرورة جميع الملفات القانونية.

وهنا يجب التمييز بين مسارين مختلفين في الحالة الأمريكية، الأول هو تفعيل التعديل الخامس والعشرين، الذي قد يتيح لجاي دي فانس تولي صلاحيات الرئاسة مؤقتاً إذا توافرت شروط عدم قدرة ترامب على أداء مهامه، من دون أن يمنحه حق إقالته أو العفو عنه بهذه الآلية. أما المسار الثاني، فيتمثل في استقالة ترامب وانتقال الرئاسة إلى نائبه بصورة نهائية، بما يتيح لفانس إصدار عفو رئاسي عن الجرائم الفيدرالية التي ارتكبها ترامب أو ربما ارتكبها، دون أن يشمل ذلك الملاحقات القضائية على مستوى الولايات. وبذلك قد يفتح سيناريو الاستقالة الباب أمام تسوية سياسية تتيح لترامب مغادرة السلطة مقابل عفو رئاسي.

بينما في إسرائيل، فيواجه نتنياهو أزمة سياسية وقضائية متفاقمة، مع تراجع فرص استمرار ائتلافه واحتمال خروجه من السلطة، بالتزامن مع محاكماته في قضايا الفساد. غير أن الحالة الإسرائيلية تختلف عن الأمريكية في مسألة العفو؛ إذ تعود صلاحية منحه إلى رئيس الدولة، وليس إلى رئيس الحكومة، وتخضع لإجراءات واعتبارات قانونية خاصة. ولذلك فإن أي تسوية محتملة لنتنياهو لن تكون نسخة مطابقة لسيناريو نيكسون وفورد، بل ستتطلب مساراً قانونياً وسياسياً مختلفاً…

ثانياً: الشهران الأخطر…

هل يقود تصعيد ترامب ونتنياهو إلى دفع إيران نحو القنبلة النووية؟

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفترة الانتقالية؛ فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم في انتخابات التجديد النصفي لا تعني انتهاء سلطة ترامب، إذ سيبقى في البيت الأبيض محتفظاً بصلاحياته التنفيذية والعسكرية حتى الثالث من يناير/كانون الثاني 2027، موعد تسلّم الأغلبية البرلمانية الجديدة مقاعدها رسمياً. وهذا يمنحه قرابة شهرين لممارسة صلاحياته كاملة على الرغم من خسارة حزبه أغلبيته في الكونغرس.

وهذه فترة شديدة الحساسية، تفتح الباب أمام احتمالين: إما أن يلجأ ترامب ونتنياهو إلى تصعيد عسكري جديد ضد إيران لإعادة خلط الأوراق وتحويل الأنظار عن أزماتهما الداخلية، أو تدفعهما الضغوط السياسية والقانونية إلى البحث عن تسويات سياسية. ولا يمكن استبعاد أي من الاحتمالين.

لكن الأخطر استراتيجياً أن سياسة التهديد والحصار والضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية قد تقود إلى نتيجة معاكسة تماماً لأهدافها؛ فبدلاً من إجبار إيران على التخلي عن طموحاتها النووية، قد تدفعها إلى مراجعة عقيدتها الدفاعية والاقتراب من خيار امتلاك السلاح النووي باعتباره ضمانة للردع ومنع تكرار الحرب.

فكلما تصاعد التهديد بضربة أمريكية جديدة، وامتد التلويح إلى استخدام السلاح النووي، واشتد الحصار على الموانئ وصادرات النفط الإيرانية، تعزز داخل طهران تيار يرى أن العقيدة النووية الحالية لم تعد توفر الحماية الكافية للبلاد. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا تعرضت إيران للحرب والتدمير رغم أنها لم تعلن امتلاك سلاح نووي، فما الضمانة التي تمنع تكرار الهجوم عليها مستقبلاً؟ ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء رسالة المرشد الإيراني السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، الموافق الثالث عشر من آبان 1405، بمناسبة اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، والتي أكد فيها أن الطريق الوحيد للوصول إلى مستوى الردع المطلق هو مواصلة استراتيجية “إيران الأقوى أكثر فأكثر” عبر التقدم الشامل.

وفي هذا المناخ، لم تعد الدعوات إلى مراجعة العقيدة النووية مجرد أصوات هامشية؛ إذ دعا أبو الفضل أبو ترابي، عضو البرلمان الإيراني، إلى الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) وصناعة قنبلة ذرية، كاشفاً عن مشروع عاجل من ثلاث مواد للانسحاب من المعاهدة ينتظر رأي المجلس الأعلى للأمن القومي. كما دعا إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إلى مراجعة العقيدة النووية، قائلاً: “الآن، بعد أن دفعنا جميع التكاليف، حان الوقت لمراجعة العقيدة النووية”. وامتدت هذه المطالبات إلى شخصيات دينية؛ إذ أكد خطيب صلاة الجمعة في طهران، الشيخ محمد جواد حاج علي أكبري، أن المطالبة بمراجعة العقيدة النووية أصبحت تعبر عن إرادة شعبية ومطلب وطني يرتبط بتعزيز الردع وحماية الأمن القومي، فيما طالبت مجموعة من النخب والعلماء في العالم الإسلامي المرشد الأعلى بإعادة النظر في العقيدة النووية الإيرانية. وبذلك أصبح النقاش يتجاوز المطالبات البرلمانية والإعلامية إلى قضية ترتبط بمستقبل الأمن القومي الإيراني وطبيعة الردع الذي تحتاج إليه البلاد.

وقد تتمثل الخطوة الأولى في الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، استناداً إلى أن إيران دفعت أثماناً اقتصادية وعسكرية باهظة، والتزمت بالرقابة الدولية، لكنها تعرضت على الرغم من ذلك للحرب والتهديد، بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية خارج إطار المعاهدة. وفي هذا السياق، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من أن “موت معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية يقترب”، مؤكداً أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استُخدم سلاح نووي ضدها. ولا يعني الانسحاب تلقائياً تصنيع قنبلة نووية، لكنه قد يفتح الباب أمام خيارات استراتيجية جديدة.

وتستند الدعوات إلى مراجعة العقيدة النووية إلى تجربة كوريا الشمالية، باعتبار أن امتلاك الردع النووي يجعل استهداف الدول وإسقاط أنظمتها أكثر كلفة وخطورة، وأن القدرات التقليدية والصاروخية وحدها قد لا تكفي لمنع حرب جديدة، على الرغم من مخاطر التصعيد والعزلة وسباق التسلح. وفي السياق نفسه، اعتبر محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن “وحشية أمريكا، من خلال تدمير الثقة في المؤسسات الدولية، أدت إلى دفع العالم نحو الردع النووي”.

وهنا تبرز ازدواجية المعايير الدولية: كيف يُطلب من إيران التخلي عن قدراتها النووية، بينما تبقى الترسانة الإسرائيلية خارج منظومة المعاهدة والرقابة نفسها؟ والمفارقة أن واشنطن وتل أبيب، بسياسة التهديد والحصار والحرب، قد تكونان تدفعان طهران نحو الخيار النووي الذي تسعيان إلى منعها منه.

ختاماً، مع اقتراب تسلّم الأغلبية الديمقراطية الجديدة مقاعدها في يناير/كانون الثاني المقبل، يجد ترامب نفسه أمام ضغوط سياسية وتحقيقات محتملة في ملفات الحرب والفساد وقضية إبستين، فيما تبقى احتمالات التصعيد العسكري مع إيران قائمة. وفي خضم هذا المشهد، يبرز احتمال استراتيجي أكثر خطورة، يتمثل في لجوء طهران إلى ضربة استباقية من نوع مختلف، عبر إعلان امتلاكها السلاح النووي أو بلوغها القدرة على إنتاجه. فهل تقدم إيران على هذه الخطوة لقلب حسابات واشنطن وتل أبيب وتغيير قواعد المواجهة قبل أي هجوم جديد؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *