من بيروت إلى الخليج وأوروبا.. كيف تعيد أنقرة رسم خريطة التجارة على حساب “إسرائيل”؟
بقلم د. محمد الايوبي
تقوم أنقرة بإعادة تموضع استراتيجي في شرق المتوسط، لا يقتصر على توسيع نفوذها السياسي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية وممرات التجارة بين الخليج وأوروبا.
فبينما تتعثر رهانات تحويل حيفا إلى عقدة مركزية في الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)، تبرز الموانئ اللبنانية، من بيروت إلى طرابلس، بوصفها نقاط عبور محتملة ضمن شبكة تربط الساحل السوري والتركي بالأسواق الخليجية والأوروبية. والمفارقة أن المشروعات الفرنسية لتطوير الموانئ اللبنانية قد تفتح المجال أمام تمدد تركي يتجاوز أهداف باريس، ويعيد توزيع النفوذ والمكاسب على حساب “إسرائيل”. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة بلال أردوغان المرتقبة إلى لبنان منتصف تشرين الثاني دلالة تتجاوز بعدها الإنساني؛ فهي تأتي في لحظة تسعى فيها أنقرة إلى تثبيت حضورها في طرابلس والجنوب، وتوسيع دورها في معادلات التجارة والأمن الإقليمي، وفرض معادلات جديدة على خرائط المنطقة.
البوابة الفرنسية والمفتاح التركي
في 21 تموز/يوليو 2026، جُدد اتفاق التعاون بين ميناءي مرسيليا – فوس وبيروت لثلاث سنوات، بحضور وزير النقل الفرنسي فيليب تابارّو ونظيره اللبناني فايز رسامني. الاتفاق، الذي بدأ أصلاً عام 2022 دعماً لإعادة بناء ميناء بيروت، يستهدف تطوير التعاون التشغيلي والتقني والتجاري، ودعم الابتكار والتحول في مجال الطاقة، وفتح مجالات تبادل جديدة بين شرق المتوسط وغربه. وإلى جانب ذلك، تمتلك مجموعة CMA CGM الفرنسية حضوراً قوياً في النقل البحري اللبناني، وتوفر خدمات منتظمة تربط طرابلس بمرسيليا وموانئ إيطالية ومالطا ومرسين وإسكندرونة، فضلاً عن بيروت وموانئ مصرية. وبذلك تتقاطع الشبكة الفرنسية، عملياً، مع الموانئ التركية في حركة تجارية قائمة قبل اكتمال مشروعات الربط البري الإقليمية.
لكن القيمة الاستراتيجية لأي ميناء لا تحددها الجهة التي تدير الرصيف أو تمول تحديثه، بل تحددها الأسواق التي يخدمها، والطرق التي تربطه بعمقه البري، والقوى التي تستطيع التأثير في تدفقات البضائع منه وإليه. وهنا تظهر تركيا بوصفها الطرف القادر على الاستفادة من تطوير الموانئ اللبنانية حتى عندما لا تكون صاحبة المبادرة ولا المستفيد المباشر من عقودها. فباريس تسعى إلى تثبيت حضورها في البنية اللوجستية لشرق المتوسط وربط لبنان بالشبكات الأوروبية، لكن “أنقرة قد تكون أقدر على استثمار هذا التطوير إذا ربطت بيروت وطرابلس بعمقهما السوري والعراقي والخليجي”.
طرابلس: نفوذ هادئ يتحول إلى لوجستيات
تملك تركيا في شمال لبنان، ولا سيما طرابلس وعكار، قاعدة نفوذ اجتماعي وسياسي متراكمة، بُنيت بهدوء عبر المساعدات والمؤسسات الثقافية والتعليمية والعلاقات التاريخية والتجارية. وقد أشارت دراسة لمعهد كارنيغي إلى دور مؤسسات تركية في مشروعات خدمية وإنسانية في طرابلس وعكار وصيدا، وإلى تنامي الجاذبية التركية لدى قطاعات سنية مع تراجع الحضور السعودي. وتضاف إلى ذلك الروابط التاريخية مع جماعات ذات أصول تركية أو تركمانية، وسياسة منح الجنسية التركية لبعض اللبنانيين الذين يثبتون أصولهم العثمانية، فضلاً عن حضور “تيكا” في تطوير مرافق داخل ميناء طرابلس، وخط مرسين – طرابلس البحري الذي يعزز التجارة بين البلدين.
الأهم أن تركيا لا تحتاج إلى امتلاك الميناء أو السيطرة عليه عسكرياً كي تستفيد منه؛ يكفي أن تؤثر في جانب مهم من طرقه وأسواقه البرية، وأن تمتلك شركاتها ومؤسساتها فرصاً للمشاركة في تشغيله وتطويره. وهكذا ينتقل النفوذ التركي في الشمال من المجال الاجتماعي والخدمي إلى البنية التحتية واللوجستيات، حيث يتحول المتراكم السياسي إلى مصالح اقتصادية أكثر رسوخاً.
من طرابلس إلى سوريا والعراق والسعودية
لا يمكن فهم الاهتمام التركي بطرابلس بمعزل عن التحولات في سوريا ومشروعات الربط مع العراق والخليج. ففي أيار/مايو 2026، أطلقت الحكومة اللبنانية إجراءات لإعادة تأهيل خط السكك الحديد بين طرابلس ومنطقة العبودية عند الحدود السورية، بما يفتح إمكان وصل طرابلس بالداخل السوري وصولاً إلى حمص. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت تركيا والسعودية تعاوناً لوجستياً وخططاً لربط البلدين بالسكك الحديد عبر سوريا والأردن، في إطار “طريق الحجاز – إستنبول”. ووفق رويترز، يستهدف المشروع وصل تركيا بالسعودية خلال السنوات المقبلة، ما يعكس اتجاهاً استراتيجياً نحو وصل الأسواق الخليجية بالشبكة التركية ومنها إلى أوروبا.
في هذا السياق، يمثل ميناء طرابلس حلقة إضافية ضمن طريق متعدد المستويات: اتصال بحري بمرسين، وامتداد بري إلى سوريا، والتحاق بشبكة تربط تركيا بالأردن والسعودية. وفي المقابل، يتيح تطوير ميناء بيروت وربطه بمرسيليا اتصالاً أوروبياً موازياً. وهنا يبدو المشهد الفرنسي وكأنه يبني الجسر، بينما تركيا تعدّ الطرق التي تمر عليها البضائع.
تحييد حيفا وإعادة توزيع الحركة
كان التصور الأصلي لممر IMEC يقوم على نقل البضائع من الهند إلى الخليج، ثم عبر السعودية والأردن براً إلى ميناء حيفا، ومنه بحراً إلى أوروبا. لكن هذا المسار لم يكتمل نتيجة الحرب الدائرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتأثره بالمخاطر الأمنية والحاجة إلى وصلات سككية وتكاليف تنفيذ باهظة. كما أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والمواجهة المتصلة بالسعودية والقوات المسلحة اليمنية، تزيد من صعوبة التعامل مع البحر الأحمر طريقاً مضموناً للتجارة. وبالتالي، فإن الموانئ اليونانية والقبرصية التي كان يُفترض أن تستفيد من التدفقات البحرية المرتبطة بالممر لا يمكن اعتبارها مستفيدة تلقائياً ما دام المسار المؤدي إلى حيفا غير مكتمل ومعطلاً.
هذه المعطيات لا تستبعد اليونان وقبرص نهائياً، لكنها تضعف الضمانات التي افترضها التصور الأصلي، وتفتح المجال أمام بدائل تعيد توزيع حركة البضائع. وهنا تكتسب الموانئ اللبنانية أهمية إضافية: فهي قد تستقبل تدفقات من شبكات أخرى، وتوفر اتصالاً بالأسواق التركية، من دون انتظار اكتمال المسار عبر حيفا. وإذا نجحت أنقرة في ترسيخ دورها في هذه الشبكة، فإن ميناء حيفا سيفقد موقعه كنقطة العبور الأساسية بين الخليج وأوروبا، وهو ما يخدم هدفاً استراتيجياً تركياً واضحاً.
“لا ممر من دون تركيا”
تدرك أنقرة أن تطوير الموانئ اللبنانية لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي تتوقعها فرنسا. فباريس تسعى إلى توسيع اتصال بيروت وطرابلس بأوروبا، لكن تركيا قد تكون أقدر على استثمار هذا التطوير إذا ربطت الموانئ بعمقها البري عبر سوريا، ثم بشبكات النقل المتجهة إلى العراق والأردن والسعودية. وهذا السيناريو سيفرض على باريس التعامل مع أنقرة شريكاً لا يمكن تجاوزه، بما في ذلك في ملفات إقليمية أخرى مثل الملفين الأرميني واليوناني. كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد أكد في أيلول/سبتمبر 2023 أنه “لا ممر من دون تركيا”، وهو شعار يعكس رؤية تركيا لطموحاتها كلاعب إقليمي محوري.
وبالتالي، فإن سعي الأتراك لربط العراق وسوريا ولبنان بأسواقها، والتحكم في تدفقات البضائع، والتأثير في طرق النقل البري والبحري، يدخل في إطار تطبيق ما قاله إردوغان إن حدود أمن تركيا لا تنتهي عند هاتاي، بل تمتد إلى غزة وبيروت والقدس ودمشق وبغداد والشام. ونجاح محاولات أنقرة في ربط المنطقة اقتصادياً بها يعني ضرب المشروعات الإبراهيمية، وتحييد الكيان الصهيوني ومن خلفه اليونان وقبرص، لكنه يثير في الوقت نفسه قلق مصر. فمصر ترى في الوجود التركي في ليبيا والصومال وسوريا والحجاز تهديداً لمكانتها في ممرات التجارة. وهكذا قد تشهد المراحل المقبلة صداماً صامتاً بين أنقرة والقاهرة، ضمن سعي كل طرف لضمان عدم استبدال هيمنة صهيونية بهيمنة تركية ذات نزعة عثمانية.
لبنان: ساحة إضافية للتنافس
لا يقتصر التمدد التركي على الموانئ، بل يمتد إلى السياسة والمساعدات وإعادة الإعمار. فزيارة بلال أردوغان إلى لبنان، المقررة منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ليست جولة إنسانية فقط؛ طرابلس محطة أساسية، لكن الجنوب كان مطروحاً في التصور الأولي. فتركيا لا تدخل الجنوب من بوابة سياسية تقليدية، بل من بوابة المساعدات وإيواء النازحين والبيوت الجاهزة، ما يتيح لها بناء علاقات مباشرة مع المجتمعات المحلية. وفي الحسابات الداخلية، لم يكن تعيين محافظ النبطية، المرتبط بتعاون مع “تيكا”، تفصيلاً إدارياً عادياً، بل قُرئ كإشارة إلى انفتاح من حركة أمل على دور تركي أوسع، خصوصاً مع اتجاه واشنطن نحو إنهاء مهمة اليونيفيل.
أما حزب الله، فيبدو أكثر حذراً. فبعض المصادر تصف العلاقة مع تركيا بأنها حذرة، لكنها تفضل بالتأكيد دوراً تركياً على توسع الحضور “الإسرائيلي”. والعلاقة غير مباشرة، وتمر عبر الوساطة الإيرانية، وقد ساهمت قنواتها في ترتيبات أمنية في سوريا مع “النظام الجديد”. وفي ما يتعلق بزيارة بلال أردوغان، تقول المصادر نفسها بأن الحزب “يعتبر الزيارة للجنوب سيكون موضع ترحيب”. وهذا الموقف يحمل دلالة تتجاوز المجاملة: الحزب لا يريد تحويل تركيا إلى خصم جديد، ويترك الباب مفتوحاً أمام علاقة يمكن أن تتطور.
في طرابلس، تبحث أنقرة عن موقع داخل المعادلة السنّية التي تركتها الرياض من دون زعامة جامعة بعد خروج سعد الحريري. ولهذا يتجاوز برنامج بلال اللقاءات الرسمية إلى لقاء جماهيري، وترميم أبنية أثرية عثمانية، وتوسيع المنح الدراسية، ولقاءات مع مسؤولي مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي، بمشاركة رجال أعمال. وهذه الأدوات ليست تنموية فقط، بل لبناء علاقة طويلة الأمد مع مدينة تحمل رمزية خاصة في الذاكرة التركية.
بيروت وبعبدا: مشروعان لا يلتقيان بالضرورة
في المقابل، تتجه رئاسة الجمهورية إلى بناء شبكة علاقات إقليمية تشمل الإمارات واليونان وقبرص والهند، وهي شبكة تتقاطع بعض مشاريعها مع المصالح “الإسرائيلية” في شرق المتوسط، فيما تنظر إليها تركيا باعتبارها منافسة لموقعها. وقد كشف اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص، الموقع في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 والداخل حيز التنفيذ في شباط/فبراير 2026، تبايناً واضحاً؛ إذ اعترضت أنقرة عليه، فيما شدد لبنان على أنه لا يستهدف تركيا. ثم جاءت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى أثينا وحديثه عن شراكة استراتيجية مع اليونان لتضيف عنصراً آخر إلى التباين.
وعلى الرغم من أن عون زار أنقرة في تموز/يوليو وأعلن أهمية التعاون معها، فإن خيارات لبنان الاقتصادية تفتح أبواباً أمام شركاء قد تتعارض مع طموحات تركيا. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فقد زار إسطنبول في تموز/يوليو واجتمع بأردوغان، ثم التقاه في نيويورك في أيلول/سبتمبر، وبحثا الدعم التركي للبيوت الجاهزة والتعافي في الجنوب. وفي الوقت نفسه، أثار غيابه عن لقاء وفد اقتصادي إماراتي في بيروت تساؤلات، وإن أُحيل الأمر إلى اعتبارات لوجستية. لكن طرح المسألة يعكس حجم التشابك الذي باتت تمثله العلاقات التركية في الحسابات اللبنانية والدولية.
الاختبار المقبل
في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة بلال أردوغان بمعزل عن هذه الملفات. طرابلس تمنح تركيا فرصة لتوسيع حضورها في البيئة السنّية، والجنوب يفتح باباً للتعاون مع حركة أمل وحزب الله، والعلاقات الرسمية مع الرئاسة والحكومة تمنح أنقرة مدخلاً إلى مؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد. لكن السؤال يبقى: هل تستطيع تركيا جمع هذه الأدوار المتناقضة في مشروع واحد، أم أن لبنان سيجد نفسه أمام تنافس جديد بين المحاور الإقليمية، هذه المرة على بوابة الجنوب؟.
إذا نجحت أنقرة في ربط الموانئ اللبنانية بعمقها “السوري والعراقي والخليجي”، فإنها لن تعيد رسم خريطة التجارة في شرق المتوسط فحسب، بل ستضعف موقع حيفا، وتحيّد المشروع الإبراهيمي، وتفرض على فرنسا واليونان وقبرص مراعاة الوزن التركي المتزايد. لكن هذا النجاح لن يكون مجانياً؛ فمصر تراقب التمدد التركي بقلق، ولبنان نفسه يحتاج تركيا لكنه يفتح أبوابه لشركاء آخرين. والزيارة المقبلة إلى طرابلس والجنوب ستكون اختباراً مبكراً لحدود الدور التركي، وللطريقة التي سيعيد بها لبنان تعريف موقعه في معركة الممرات الكبرى.
