دوليات

الحزام الأمني البحري المركب 2024 .. مناورات عسكرية بأبعاد سياسية

بقلم: ابتسام الشامي

المناورة وأهدافها

ليست المرة الأولى التي تجري فيها كل من روسيا وإيران والصين مناورات بحرية مشتركة، لكن التوقيت السياسي للمناورات الحالية، يضفي عليها أهمية خاصة، نظراً لما  تنطوي عليه من مؤشرات سياسية دالة، في ما خص مستوى تقارب الدول الثلاث، وصياغة أجندتها المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية بالمعنى العملي للكلمة.

المناورة التي حملت اسم “الحزام الأمني البحري المركب2024، ظللها هاجس الحفاظ على الأمن الاقتصادي في منطقة تشهد تصاعداً في التوتر بفعل التبني الأمريكي الأعمى للحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة وما نتج عنه من تحديات إضافية لنفوذ واشنطن الآخذ أصلاً في الانحسار والتراجع في المناطق الاستراتيجية من العالم. ووفقاً لوزارة الدفاع الروسية، هدفت المناورة إلى إرساء “الأمن الاقتصادي البحري، والعمل على سلامة الأنشطة الاقتصادية في المياه الدولية”، وذلك على خلفية تطورات المواجهة اليمنية الأمريكية في البحر الأحمر، وهو هدف شددت عليه أيضاً نظيرتها الصينية التي اعتبرت أن التدريبات تأتي من أجل “الحفاظ على الأمن البحري المشترك”، أما إيران التي قدمت في بياناتها الرسمية وتصريحات مسؤوليها، أولوية الأمن الاقتصادي للمناورة، فإنها ذهبت أبعد من ذلك في تأكيد المعنى السياسي لها فضلاً عن المعنى الأمني، مشيرة إلى “توسيع التعاون المتعدد الأطراف بين البلدان المشاركة، وبناء مجتمع بحري ذي مستقبل مشترك ومكافحة القرصنة البحرية والإرهاب البحري وتبادل الخبرات العملانية والتكتيكية”.

الأبعاد السياسية للمناورة

حماية الأمن الاقتصادي الذي تمحورت حوله مناورات الأيام الخمسة، لم تخلُ بدورها من معنى سياسي معبّر عن تغير في موازين القوى وتحولات عميقة تشهدها العلاقات الدولية في ظل نظام دولي جديد آخذ في التشكل على أعتاب النظام القائم الآفل، ولئن كانت علاقات الدول الثلاث المشاركة في المناورات قد شهدت خلال السنوات القليلة الماضية تطوراً لافتاً في مستوى التقارب والتعاون والتنسيق في كثير من القضايا الحساسة، فإن إقامة المناورة على تخوم المضائق الرئيسية في العالم والمقصود بها هرمز وباب المندب وملقا، تحمل في طياته رسالة حول الأهداف الاستراتيجية للتحالف، وفي مقدمها استعادة القوة الشرقية الصاعدة، أمن تلك المضائق الاستراتيجية القريبة منها، من اليد الغربية التي امتدت من بعيد وتحكمت فيها أمنياً وسياسياً على مدار عقود من الزمن، كترجمة عملية لنتائج الصراعات الكبرى خلال القرن الماضي، وما انتهت إليه من فرز على مستوى أحجام الدول ونفوذها. هذا التطور المتسارع الخطى في عالم متغير، يرفع مستوى القلق في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فحسب على حضورها العسكري في المنطقة، وقد بات عرضة للاستهداف العسكري المباشر في سوريا والعراق والبحر الأحمر وإنما على قدرتها على حماية هذا الحضور، بعدما تبين تراجع سطوة ردعها قبالة محور المقاومة، الذي ارتقى خلال الأشهر الأخيرة بمستوى التحدي لها.

في ظل هذا المشهد يصبح لمناورة “الحزام الأمني البحري المركب 2024، معنى مختلفاً عن معاني النسخ الأخرى منها التي انطلقت بدءاً من عام 2019، ولعل ما زاد من تميزها، مشاركة كل من باكستان وسلطنة عمان وكازاخستان وأذربيجان وجنوب أفريقيا تشارك في المناورات بصفة مراقب، هذا فضلاً عن القطع العسكرية التي شاركت كل دولة فيها. على المستوى الروسي، قاد الطراد الصاروخي “فارياغ” التابع للأسطول الروسي في المحيط الهادئ، تشكيل القوات الروسية المشاركة في المناورة، التي تضمنت أيضاً سفناً حربية وطائرات، أما الصين فقد شاركت في المناورة بمدمرة “أورومتشي” المزودة بالصواريخ الموجهة، وفرقاطة “لين يي” المزودة بالصواريخ الموجهة، وسفينة الإمداد “دونغ بين غو”، في حين دفعت القوات الإيرانية إلى المناورة بفخر قطعها البحرية العسكرية ذات التصنيع المحلي، وفي مقدمها، المدمرات الإيرانية “جماران” و”دنا” و”بايندر”، إلى جانب السفن “كناوه” و”زره” و”سيرجان” التابعة لبحرية الجيش الإيراني، وعدد من البوارج التابعة لحرس الثورة الإسلامي وهي “الشهيد سليماني”، “أبو مهدي المهندس”، “شهيد محمودي” و”تندر”.

خاتمة

في مشهد متشابك على مستوى الأحداث والتطورات ذات الأبعاد الاستراتيجية، رمت مناورة “الحزام الأمني البحري المركب 2024” بثقلها السياسي والأمني، لتؤكد حقيقة التحولات الجارية في منظومة العلاقات الدولية وموازين القوى الدولية، ولئن أظهرت الجانب الأمني الاقتصادي، على شكل أهداف محددة اختصرها القائمون عليها “بترسيخ الأمن ومرتكزاته في المنطقة وتوسيع التعاون المتعدد الأطراف بين البلدان المشاركة، وبناء مجتمع بحري ذي مستقبل مشترك ومكافحة القرصنة البحرية والإرهاب البحري وتبادل الخبرات العملانية والتكتيكية”،  فإنها أبقت على البعد السياسي كامناً بين سطور أهدافها، ممثلاً بتحالف إقليمي آخذ في تموضعه على انقاض النفوذ الأمريكي، بما سيترك تأثيره الحتمي في مستقبل المنطقة ومصيرها.