إقليميات

اليمن يكشف عن تفاصيل اغراق سفينة بريطانية.. ما الرسائل والدلات؟

بقلم نوال النونو

ونفذت العملية في السادس والعشرين من يناير 2024، وكانت أول عملية من هذا النوع، ولهذا فإن بث تفاصيلها ليس عفوياً، بقدر ما يحمل دلالات مرتبطة بتطور القدرات اليمنية ورسائل ردع جديدة.

 وقفزت الكثير من القراءات والتحليلات حول دلالة توقيت نشر هذه التفاصيل، لا سيما في ظل التحشيد الأمريكي الكبير في المنطقة، والتهديد بتنفيذ عدوان جديد على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما يجعل اليمن الحليف لإيران في قلب المعادلة، وهي رسالة عملية بأن أي عدوان على إيران هو عدوان على اليمن.

وفي تفاصيل ما بثه الإعلام الحربي التابع للقوات المسلحة اليمنية، فقد أكد ضابط في الغرفة المشتركة أنه تم تعمُّد استهداف سفينة (مادلين لواندا) في خليج عدن على الرغم من مرورها من البحر الأحمر لإيصال رسائل للعدو أن كل مناطق الحظر بمتناول أيدينا، موضحاً أن استهداف السفينة جاء على خلفية العدوان البريطاني الأمريكي على اليمن الذي بدأ في 12 يناير 2024م، بهدف اجبار اليمن على وقف الحصار على ملاحة العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر.

وكشف الضابط أنه تم استهداف السفينة البريطانية مارلين لواندا بصاروخ من نوع البحر الأحمر، مؤكداً أن الصاروخ يمني الصنع ومطور من صاروخ سعير، وهو صاروخ متوسط المدى ويعمل بنظامين حراري وراداري.

ويأتي عرض هذه التفاصيل في وقت تتصاعد فيه التحركات الأمريكية والغربية في المنطقة، ويؤكد اختيار خليج عدن مسرحاً للاستهداف أن اليمن لديه القدرة على توزيع أهدافه، بحيث لا تقتصر على البحر الأحمر فقط، وإنما تتسع اليد اليمنية لتصل إلى خليج عدن والبحر العربي، ما يجعل اليمن لاعباً إقليمياً فاعلاً في معادلات الصراع القائمة، ولا يمكن تجاهله أو الاستهانة به، ولهذا يرسل اليمن عبر هذا المقطع رسالة للبريطانيين والأمريكيين بأن اليمن لن يقف متفرجاً تجاه أي عدوان على ايران، وأن لديه القدرة على الحاق الأذى بالخصم، وهذه المشاهد هي خير برهان على ذلك.

تطور تقني وعسكري

ويعكس بث المشاهد، ما يمكن تأكيده بأن اليمن بات يمتلك قدرات عسكرية نوعية، تعيق منظومات الحماية الغربية، وتجعلها عاجزة عن التصدي لمثل هذه الصواريخ التي تنطلق من مسافات بعيدة.

ويبرز كشف نوع الحمولة للسفينة مدى النجاح الكبير للاستخبارات العسكرية اليمنية، فالسفينة لم تكن تحمل مواداً عادية، وإنما تحمل مواداً مشعة تستخدم كوقود للطائرات الحربية التي تقصف المظلومين في غزة.

ويرى الخبير والمحلل العسكري اليمني زين العابدين عثمان أن العملية بمجملها تعد مرجعية ردع تُستدعى عند كل تصعيد أمريكي أو بريطاني أو إسرائيلي، مشيراً إلى أن تكرار العمليات السابقة يعزز مصداقية القدرة اليمنية على فرض قيود مستدامة على الملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي والأمريكي والبريطاني.

ويضيف عثمان أن العملية تحمل أكثر من رسالة، فهي أولاً موجهة للأمريكيين الذين يصعدون ضد إيران، بأن اليمن لن يكون في الهامش، وهي رسالة أخرى للعدو الإسرائيلي الذي يسعى إلى إقامة قواعد عسكرية فيما يسمى “أرض الصومال”، ولهذا تؤكد القوات المسلحة اليمنية أن لديها القدرة في الوصول إلى هذه المنطقة، وهي هنا تثبت ذلك من خلال استهداف السفينة البريطانية.

ويرسخ الحدث انتقال اليمن من موقع الدفاع إلى فرض معادلات بحرية مؤثرة في واحد من أهم الممرات الدولية، فالعملية تعيد تعريف ميزان القوة البحري إقليمياً، وتوسع كلفة التدخل الغربي، وترفع سقف الردع في المرحلة الراهنة.

الرسائل العسكرية والسياسية

ويكشف نشر مشاهد الاستهداف عن استخدام القوات المسلحة اليمنية لمنظومات توجيه رادارية وحرارية، كما يفضح نجاح الإصابة هشاشة المنظومات البحرية الغربية أمام أهداف متحركة عالية الحساسية، كما تعكس تفاصيل الاستهداف مستوى متقدماً من القدرة الاستخباراتية والتقنية، سواء على صعيد التتبع طويل المدى أو على صعيد دقة الإصابة، كما أن السماح للسفينة بالمرور ثم استهدافها في نقطة اعتُقد أنها آمنة يكشف عن سيطرة عملياتية تتجاوز الفعل الانفعالي.

 ويحمل توقيت نشر هذه المشاهد بعداً سياسياً مباشراً، إذ يتزامن مع تحركات غربية متسارعة لإعادة فرض حضور عسكري كثيف في المنطقة، والرسالة هنا لا تستند إلى الخطاب الدعائي، وإنما إلى عرض واقعي لنتائج الفعل العسكري، وهذا الأسلوب يحوّل الحدث إلى أداة ردع سياسية، تُستدعى عند الحاجة لتذكير الخصوم بكلفة أي تصعيد إضافي. ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي سند الصيادي أن الرسالة واضحة ومفادها أن من استطاع تنفيذ هذه العملية قبل عامين، بات اليوم يمتلك قدرات وخبرات أكبر، موضحاً أن أي جهة تفكر في الاعتداء على اليمن أو حلفائه ستكون في مرمى نيران دقيقة ولن تحقق أفضل مما حققه الأمريكي والبريطاني، اللذان غادرا البحر الأحمر دون إنجاز.

ويشير إلى أن إظهار هذه العملية اليوم يحمل رسالة استراتيجية مفادها أن اليمن جاهز لأي مواجهة قادمة، وقادر على مؤازرة حلفائه كما فعل في دعم غزة، وأن أي تصعيد ضد اليمن أو حلفائه سيقابَل بخيارات بحرية كبرى، من بينها إغلاق باب المندب وقطع خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

وأمام التطورات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، تأتي الرسالة اليمنية بكل وضوح للأمريكي والبريطاني، بأن اليمن لن يكون خارج السياق، وأنه مثلما وقف مع المظلومين في قطاع غزة، فلن يتردد في دخول المعركة إسناداً لأي عدوان يستهدف أي بلد إسلامي، طالما أن المعتدي هو الأمريكي أو الصهيوني، وهنا لن تكون المشاركة متواضعة، بقدر ما ستشكل ضربات مؤلمة للعدو ولا سيما في البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *