إقليميات

هل من دورٍ فاعلٍ لدول الجوار لحلِّ الأزمةِ الليبيةِ؟

بقلم توفيق المديني

إضافة إلى تحولها لساحة حرب إقليمية لا تقف عند حدود البلاد، بل أصبحت لها تداعيات عسكرية وسياسية وجيو/استراتيجية خطيرة في كل منطقة الشمال الإفريقي، وشرق البحر الأبيض المتوسط، بسبب تحول ليبيا على مدى السنوات الماضية الى مركز استقطاب للجماعات الإرهابية (21 تنظيماً إرهابياً) وانتشار السلاح (42 مليون قطعة سلاح)، ووجود حوالي مليون مهاجر غير شرعي وغياب السيطرة على الحدود الجنوبية مع دول الساحل الإفريقي، والغربية مع تونس والجزائر، وهشاشة الوضع الأمني في أكثر من دولة مجاورة، بالإضافة إلى الخلاف والانقسام بين الفرقاء الليبيين، وضعف الثقة  فيما بينهم، وتداخل مصالحهم الداخلية مع الأجندات الخارجية، ما جعل أي مبادرة جديدة تصطدم بسؤال جوهري حول مدى قدرتها على تجاوز الانقسامات العميقة وإقناع الأطراق الليبية بالجلوس إلى طاولة حوار جاد يقود إلى حل مستدام.

ويوجد في ليبيا حكومتان، إحداهما حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دولياً، برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس (غرب)، وتدير منها كامل غرب البلاد، والأخرى عينها مجلس النواب مطلع 2022 برئاسة أسامة حماد ومقرها بنغازي (شرق)، وتدير منها كامل شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب. ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات التي طال انتظارها إلى وضع حدٍّ للصراعات السياسية والمسلحة وإنهاء الفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969 – 2011).

اجتماع آلية التشاور الثلاثي المنعقد في تونس لإيجاد تسوية للأزمة الليبية

استضافت تونس يوم الإثنين 26كانون الثاني/يناير 2026 اجتماع “آلية التشاور الثلاثي حول ليبيا” بمشاركة وزراء خارجية تونس، والجزائر، ومصر: محمد علي النفطي وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، وأحمد عطّاف وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية بالجزائر، وبدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج. كما حضر هذا الاجتماع، هنا تيتي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وقالت وزارة الخارجية التونسية: إنَّ هذا الاجتماع “يأتي تجسيداً لإرادة قيادات الدول الثلاث من أجل تعزيز نسق التشاور والتنسيق المشترك، بما يساهم في الدفع نحو تسوية شاملة بالقطر الليبي الشقيق”. تجدر الإشارة إلى أن الآلية الثلاثية بين مصر والجزائر وتونس تم تدشينها عام 2017، وتوقفت في 2019، قبل استئنافها في مايو/ أيار 2025، حيث عقد بالقاهرة اجتماع ثلاثي تشاوري ضم وزراء خارجية الدول الثلاث.

وفي ختام اجتماع تونس، أكَّد وزراء الخارجية الثلاثة في بيانهم، على أهمية بناء دولة موحدة في ليبيا، ومؤسّسات مستقرة تحقق الأمن والتنمية والرفاه، وتحافظ على مقدرات الشعب الليبي، داعين مختلف الأطراف الليبية إلى تغليب لغة الحوار، وتجاوز الانقسامات، والمضي قدماً نحو توحيد المؤسّسات العسكرية والأمنية، ودعم عمل اللجنة العسكرية المشتركة. وجاء ذلك في بيان ختامي عقب الاجتماع الثلاثي التشاوري لدول الجوار حول ليبيا، المنعقد في تونس.

وأشار البيان إلى جلسة العمل التي عُقدت في تونس بحضور المبعوثة الأممية لدى ليبيا، وما خلصت إليه من تأكيد لأهمية التنسيق مع دول الجوار المباشر وتعزيز الجهود الأممية، داعين إلى مضاعفة هذه الجهود بما يضفي فاعلية على خريطة الطريق، كما أكد الوزراء استعداد تونس لاحتضان اجتماعات رفيعة المستوى بمشاركة جميع الأطراف الليبية المعنية للتقدم نحو إنجاز إطار شامل للحل السياسي.

ليبيا تتحفظ على اجتماع تونس

أعربت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية الليبية عن تحفظها على عقد أي اجتماعات أو مشاورات تتناول الشأن الليبي دون مشاركة الدولة الليبية بشكل رسمي، مؤكدة أنَّ أي مساعٍ تتعلق بمستقبل ليبيا يجب أن تتم عبر القنوات الشرعية المعتمدة. وقالت الوزارة في بيان لها: “تعرب وزارة الخارجية والتعاون الدولي بدولة ليبيا عن تحفظها على عقد أي اجتماعات أو مشاورات تتناول الشأن الليبي دون مشاركة الدولة الليبية، ممثلة في وزارة خارجيتها”، مشيرة إلى أن بيانها هذا جاء على خلفية الاجتماع التشاوري الثلاثي المزمع عقده في العاصمة التونسية بمشاركة تونس ومصر والجزائر، وبحضور المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا.

وأكَّد البيان أنَّ الوزارة، مع تقديرها للعلاقات الأخوية والتاريخية التي تربط ليبيا بدول الجوار، تُشَدِّدُ على أنَّ “أي مباحثاتٍ أو ترتيباتٍ أو مشاوراتٍ تتعلق بليبيا يجب أن تتم بمشاركة مباشرة للدولة الليبية عبر وزارة خارجيتها، باعتبارها الجهة الرسمية المعنية والأصيلة بكل ما يتصل بمستقبل ليبيا السياسي وأمنها واستقرارها”. وجدَّدتْ الخارجية الليبية ترحيبها بأيِّ جهدٍ إقليميِ أو دوليٍّ صادقٍ يهدف إلى دعم المسار السياسي، مؤكِّدة في الوقت ذاته أنَّ ذلك يجب أن يتم في إطار احترام سيادة الدولة الليبية وقرارها الوطني المستقل، ووفق مبدأ الشراكة، و”عدم تجاوز المؤسسات الوطنية الليبية المختصة في القضايا ذات الصلة”.

يٌعَدُّ التحفظ الليبي مقبولاً، كان لا بدَّ من الاجتماع الثلاثي أن تحضره الأطراف الليبية المعنية، بوصف ذلك ضرورة للاستماع إلى مختلف القوى وتقديم مقترحات لإنهاء الانقسامات. كما أنَّه كان من الأنسب حضور جميع بلدان المغرب العربي إلى جانب مختلف الأطراف الليبية، لتجاوز التحفظات الحالية.

الموقف التونسي من الأزمة الليبية

أكَّد الرئيس التونسي قيس سعيَّدْ خلال لقائه بوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في قصر قرطاج، على هامش زيارة الوزير الجزائري إلى تونس للمشاركة في الاجتماع الوزاري للآلية الثلاثية لدول جوار ليبيا، الذي اختُتم يوم أمس الاثنين 26 يناير/كانون الثاني 2026، استعداد تونس لاحتضان مؤتمر شامل يجمع الفرقاء الليبيين في إطار دعم الجهود الإقليمية الرامية إلى إنهاء الأزمة السياسية في ليبيا. ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية لإيجاد مقاربة أكثر فاعلية تعيد الاعتبار للحوار الداخلي الليبي بعد سنوات من المبادرات المتعثرة.

وشدّد سعيّد في تصريحاته على تمسك تونس بوحدة ليبيا وأمنها واستقرارها، مؤكِّداً أنَّ “الحل في ليبيا لا يمكن أن يكون إلا ليبياً – ليبياً”، وأنَّ “تدويل القضايا الوطنية لا يزيدها إلا تعقيداً”، مؤكداً أنَّ الليبيين وحدهم هم القادرون على تحديد اختياراتهم وفق ما يرتضيه الشعب الليبي. وأضاف أنَّ تونس على استعدادٍ لتوفير فضاء حوار يلتقي فيه الليبيون ويختارون بكل حرِّية ما يصبو إليه، مؤكداً أنَّ لديهم كل القدرات والكفاءات لتجسيد إرادة الشعب الليبي.

واعتبر سعيّد أنَّ اللقاءات التشاورية تظل مهمةً، لكنَّها لا تمثل هدفاً في حد ذاته، بل أداة لمساعدة الشعب الليبي الشقيق في تحقيق كافة تطلعاته وانتظاراته، و “هو الوحيد المخوّل لتقرير مصيره بنفسه بمنأى عن أي تدخلات خارجية”، وفقاً لما نقلته صفحة الرئاسة.

الموقف الجزائري من الأزمة الليبية

في ظل تزايد التدخلات الإقليمية والدولية لمساندة طرفي الصراع المتورطين في الأزمة الليبية، وهما قوات اللواء خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دولياً، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعلى الرغم من أنّ الجزائر تعترف بحكومة الوحدة الوطنية، وهو ما يجعلها على توافق نظري على الأقل مع تركيا لدعم حكومة الدبيبة، فإِنَّ الدولة الجزائرية تتوجس من الدور التركي في ليبيا.

فمن الصعب جداً أن نتصور الدولة الجزائرية تتخذ قراراً بالتدخل العسكري في الشأن الليبي لحسمه لجهة هذا الطرف أو ذاك، لا لاسيما أنَّ ظهور فكرة إرسال قوات تركية إلى ليبيا يصطدم عند الجزائريين بهواجس التدخلات الأجنبية المرفوضة من حيث المبدأ في الجزائر. فالمؤسسة العسكرية الجزائرية لديها عقيدة ثابتة في هذا المجال ترفض التدخلات العسكرية الأجنبية، لكنَّ الجيش الجزائري يخوض الحرب على الإرهاب في الداخل الجزائري، وعلى الحدود المترامية الأطراف والمشتركة بين الجزائر ومالي والنيجر وليبيا ضد تحركات التنظيمات الإرهابية مثل “داعش والقاعدة وبوكو حرام” التي تتخذ من الجنوب الليبي، والصحراء الكبرى، ملاذات آمنة.

أي استراتيجية ناجحة لمحاربة الإرهاب في ليبيا، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الدور المفصلي الذي يجب أن يقوم به الجيش الجزائري في هذه الاستراتيجية على الصعيد الإقليمي، حيث صنّف المعهد الأمريكي “الدفاع الاستراتيجي والاستعلام” الكائن مقره بولاية “ميرلاند” في آخر تقرير له الجيش الوطني الشعبي الجزائري على رأس جيوش شمال إفريقيا، منتزعاً الصدارة لأول مرَّة في التاريخ من الجيش المصري. وأبرز التقرير الذي اهتم بمستقبل الصناعة الجزائرية في مجال الدفاع، أهمية التجهيزات العسكرية التي يتوفر عليها الجيش الوطني الشعبي، الذي انخرط في مسار العصرنة لمواجهة التهديدات الإرهابية المتزايدة بالمنطقة. ويأتي الجيش المصري حسب التقرير في المرتبة الثانية، فيما يحل الجيش المغربي في المرتبة الثالثة، متبوعا بالجيشين التونسي والليبي في المرتبتين الرابعة والخامسة على التوالي، ويختم الجيش الموريتاني القائمة، إذ يأتي في المرتبة السادسة.

ما هي العوائق الداخلية لحلحلة الأزمة الليبية

وفي تصريح لموقع “سبوتنيك” العربي، قال الباحث المتخصص في الشأن الليبي رشيد خشّانة، إنَّ اجتماع آلية التشاور الثلاثي المنعقد في تونس، إلى جانب الاجتماع المرتقب في القاهرة، قد يعكسان بداية عودة لديناميكية الدور السياسي والاستراتيجي التونسي في الملف الليبي، خاصة بحكم القرب الجغرافي والتداخل الأمني والحدود المشتركة بين البلدين، وهو ما يجعل من التونسيين، وفق تعبيره، “أقرب الأشقاء العرب إلى التحاور مع الليبيين”.

وأضاف خشَّانة أن هذه المعطيات قد تفتح المجال أمام تونس للقيام بدور الوسيط بين الشرق والغرب الليبيين، غير أن هذا الدور يظل، في تقديره، محفوفاً بالصعوبات في مرحلته الأولى، لا سيما وأن تونس “لم تستقبل إلى حد اليوم المشير خليفة حفتر”، وهو ما قد يحدّ من قدرتها على مخاطبة مختلف الأطراف على قدم المساواة.

ويذهب حشّانة إلى أن الخطاب السائد لدى الأطراف الليبية يقوم على رفض التدخل الخارجي والدعوة إلى ترك الليبيين يحلون مشاكلهم بأنفسهم، غير أن الواقع، وفق قوله، يكشف عن “قطيعة كاملة منذ ثلاثة أو أربعة أعوامٍ بين شرق متجه إلى تحالفات معينة وغرب متجه إلى تحالفات مضادة”، وهو ما يجعل فرص التوافق الداخلي أكثر تعقيداً.

وفي ختام تحليله، شدَّد حشّانة على أنَّ المخرج الحقيقي للأزمة يمر عبر تجديد النخب السياسية، معتبراً أنَّ جمع الليبيين في إطار وطني واحد يتطلب الاتفاق على رؤية مشتركة لمستقبل البلاد وإفساح المجال أمام جيل جديد، قائلاً إنَّ “الكثير من الشباب الليبي متعلم ودرس في جامعات أجنبية كبرى، وفيه كفاءات قادرة على إدارة الدولة”.

خاتمة

تقتضي أيّة استراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب، وبناء الدولة الوطنية في ليبيا، أي دولة كل المواطنين الليبيين، أن يُغَلِّبَ الليبيون منطق الحوار الوطني فيما بينهم. وتشير التطورات الأخيرة في ليبيا إلى إنّ الحرب الكبيرة ذات الطابع الإقليمي والدولي ممكن أن تقع، لا سيما أنَّ الفريقين المتورطين في هذا الصراع العسكري، وهما: الجنرال خليفة حفتر وحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج المعترف بها دوليا، تصطف وراءهما مناطق وقبائل وجماعات مقاتلة، فضلا عن قوى إقليمية ودولية لا تخفي دعمها لهذا الفريق أو ذاك. فلا سبيل للخروج من الأزمة الليبية إلاَّ عبر إعادة تفعيل الحوار الوطني بين الليبيين أنفسهم، ولا سبيل لنجاح هذا الحوار ما لم تكن للقبائل بمختلف تموقعاتها ومواقفها – مع أو ضدّ المرحلة السابقة – موافقة على ذلك. فقد سعت القبائل في مختلف المناطق الليبية إلى حماية نفسها وحياضها وأفرادها عبر جمع كميات كبيرة من الأسلحة بما في ذلك المدرعات والدبابات والمدافع قصد تأمين توازن الرعب مع الجهات والقبائل الأخرى. ولهذا فالقبائل اليوم هي عنصر مهم في السنوات الأخيرة، وهي التي تتحكّم جزئيا في المليشيات وهي القادرة على إقناعها بالاندماج والتخلي عن هذه الكميات الهائلة من السلاح وإيجاد الحوار الوطني.

ومن يريد للحوار السياسي أن ينجح وأن يجمع الليبيين إلى طاولة المفاوضات، عليه أن يأخذ في الحسبان المعطى القبلي وأن يدمجه في أي برمجة مستقبلية شريطة تجاوز الاختلاف والصراعات السياسية والجهوية. ولهذا على الليبيين أن يغلّبوا منطق الحوار في ما بينهم وأن تساعدهم دول الجوار أي تونس والجزائر ومصر في إنجاح هذا الحوار. فقد كان المجتمع الليبي دائما، وعلى امتداد قرون طويلة لا يحلّ مشاكله الداخلية إلا إذا ما تدخل المعطى الخارجي أي دول الجوار العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *