إقليميات

ترامب بين الحرب والتفاوض… وإيران بين تفعيل السلاح النووي وورقة هرمز

بقلم زينب عدنان زراقط

فهل يدفع هذا الضغط إيران إلى استخدام ورقة الإعلان عن السلاح النووي كخيار ردعي نهائي؟ أم أن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، ستفضّل التّراجع خطوة إلى الوراء وقبول تسوية لا تُصاغ بشروط الإملاء، بل تفرضها معادلات محور المقاومة؟ وهل يصبح الحفاظ على تدفق الطاقة عبر الممرات المائية، وتفادي تحوّل إيران إلى قوة نووية، أولوية أمريكية تتقدّم على منطق الحرب؟.

من حافة الحرب إلى لغة التفاوض

على الرغم من أشهر طويلة من التهويل الأمريكي، والتحذير المتكرر من أن ضربة عسكرية ضد إيران “قد تقع في أي ساعة”، وعلى الرغم من التّحشيد العسكري الواسع الذي أحاط بإيران من البر والبحر والجو، انتهى المشهد على نحو مغاير تماماً لما رُوِّج له. فبدل أن تتجه واشنطن إلى تنفيذ تهديداتها، عادت فجأة إلى خطاب التفاوض، معلنة انفتاحها على العودة إلى المسار الدبلوماسي، ولكن بشروط قاسية كُشف عنها علناً.

هذا التحول لم يكن تنازلاً تكتيكياً، بل اعترافاً ضمنياً بأن الخيار العسكري لم يعد قادراً على تحقيق الأهداف الأمريكية، بل قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً: دفع إيران إلى تسريع خطواتها نحو امتلاك السلاح النووي بدل ردعها عنه. وهنا، تكشف شروط التفاوض الأمريكية حجم القلق الحقيقي، ليس فقط في واشنطن، بل في تل أبيب أيضاً، من أن إيران باتت تمتلك من أوراق القوة ما يجعل كسرها عسكرياً شبه مستحيل.

الشرق الأوسط اليوم يعيش واحدة من أكثر لحظاته تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نظام إقليمي قائم على التفوق العسكري والردع التقليدي. ومن جهة أخرى، تبرز إيران كقوة إقليمية استطاعت، عبر الزمن، بناء منظومة ردع غير تقليدية، تقوم على تداخل الجغرافيا، والتحالفات، والقدرات العسكرية، والسيطرة غير المباشرة على الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية.

التحركات الأمريكية الأخيرة، من إرسال حاملات طائرات إلى الخليج، إلى رفع الجهوزية في القواعد العسكرية المنتشرة في الدول العربية المحيطة بإيران، قُدِّمت إعلامياً كرسالة حاسمة مفادها أن واشنطن مستعدة للحرب. لكن القراءة العسكرية الباردة تشير إلى أن هذه التحركات كانت مكشوفة بالكامل، وتفتقد إلى عنصر المفاجأة، وهو شرط أساسي لنجاح أي ضربة استراتيجية. في المقابل، لم تعد إيران تعتمد سياسة “الصبر الاستراتيجي” فقط، بل انتقلت إلى مرحلة إدارة التوتر، مستندة إلى محور مقاومة متماسك، وقدرة ذاتية متنامية، ما جعل كلفة أي حرب واسعة أعلى بكثير من أي مكسب محتمل. وهكذا، تحوّل التهديد العسكري الأمريكي من أداة حسم إلى أداة ضغط سياسي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة.

أولاً: التحشيد العسكري الأمريكي حول إيران

استعراض قوة أم مأزق استراتيجي؟

شهدت الأشهر الأخيرة واحداً من أوسع أشكال الانتشار العسكري الأمريكي في محيط إيران منذ سنوات. هذا التحشيد لم يكن محدوداً بساحة واحدة، بل اتخذ شكل طوق عسكري متكامل، بحري وجوي وبري، يمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط.

بحرياً، دفعت الولايات المتحدة بمجموعات قتالية تضم حاملات طائرات ومدمرات وغواصات إلى الخليج وبحر العرب وشمال المحيط الهندي. هذه القطع، على الرغم من رمزيتها الكبيرة، تواجه معضلة جغرافية حقيقية: فهي تعمل في مساحات ضيقة، تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، وتصبح في حال اندلاع نزاع أهدافاً ضخمة ذات كلفة سياسية وعسكرية عالية في حال تعرضها للإصابة.

جوياً، رفعت واشنطن من وتيرة انتشار طائراتها المقاتلة وطائرات الاستطلاع في قواعدها المنتشرة في قطر والإمارات والكويت والبحرين والسعودية والأردن. وتم تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، ونقل معدات إضافية، ورفع الجهوزية العملياتية. غير أن هذا الانتشار يعكس هشاشة مزدوجة: فمن جهة، هذه القواعد تقع كلها ضمن نطاق الرد الإيراني، ومن جهة أخرى، فإن الدول المضيفة نفسها تصبح طرفاً مباشراً في أي مواجهة، حتى لو لم ترغب بذلك من بينها السعودية والإمارات والأردن، الذين أعلنوا من خلال بيانات وتصريحات رسمية، رفضهم السماح باستخدام أجوائهم أو أراضيهم في أي عمل عسكري يستهدف إيران، في موقف يعكس خشيتهم من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة تتجاوز قدرتهم على الاحتواء. وفي هذا السّياق نشرت جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية أنه “بعد معارضة دول الخليج استخدام الولايات المتحدة لأراضيها وأجوائها لشن هجوم على إيران، أصبحت خيارات ترامب للقيام بعمل عسكري ضد إيران محدودة”.

أما برياً، تم تعزيز الوجود الأمريكي في العراق وسوريا، في محاولة لقطع خطوط التواصل داخل محور المقاومة، ولتأمين قواعد الإمداد والإنذار المبكر. إلا أن هذا الوجود البري، المحدود عددياً، أثبت في السنوات الماضية أنه أكثر عرضة للاستنزاف، وأقل قدرة على فرض معادلات حاسمة.

المحصلة أن هذا التّحشيد، بدل أن يشكل عنصر ردع مطلق، كشف حدود القوة الأمريكية، وأظهر أن واشنطن قادرة على الحشد، لكنها غير قادرة على ترجمة هذا الحشد إلى ضربة حاسمة من دون تحمل كلفة إقليمية ودولية باهظة.

ثانياً: من التهديد إلى التفاوض – الشروط التي كشفت الخوف

 بعد كل هذا الاستعراض العسكري، جاء الإعلان الأمريكي: “نحن منفتحون على التفاوض مع الإيرانيين إذا أرادوا التحدث، فهم يعرفون شروطنا: أي صفقة مع إيران ستتطلب إزالة اليورانيوم المخصب، قيوداً على الصواريخ بعيدة المدى، إنهاء الدعم للوكلاء، وحظر التخصيب المستقل”. وقالها الرئيس الأمريكي بصريح العبارة، ” نأمل أن تجلس إيران إلى طاولة المفاوضات”.

وإنما هذه الشروط الأمريكية التي يفرضها البيت الأبيض، عند تفكيكها، لا تعكس موقع قوة بقدر ما تعكس نقاط القلق الأساسية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل. فالمطالبة بإزالة اليورانيوم المخصب تعكس خوفاً من اقتراب إيران من العتبة النووية. والحديث عن الصواريخ بعيدة المدى يعكس إدراكاً بأن الردع الإيراني التقليدي بات فاعلاً. أمّا “إنهاء الدعم للوكلاء”، فهو اعتراف صريح بأن محور المقاومة هو المشكلة الاستراتيجية الأكبر، لأنه يحوّل أي مواجهة إلى حرب متعددة الجبهات.

الأهم أن حظر التخصيب المستقل يعني عملياً سلب إيران سيادتها العلمية والتقنية، وهو شرط يدرك الأمريكيون مسبقاً أنه غير قابل للتحقق. من هنا، تبدو هذه الشروط أقرب إلى محاولة احتواء الخوف، لا فرض الإملاءات، وتكشف أن واشنطن أدركت أن الخيار العسكري لن يحقق أهدافه، بل قد يدفع إيران إلى اتخاذ قرار استراتيجي بإنتاج السلاح النووي كضمانة نهائية للأمن.

وعلى الرُغم من ذروة التحشيد العسكري الأمريكي هذا، لا تزال قنوات دبلوماسية متعددة تعمل لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، تقودها سلطنة عُمان وقطر والسعودية، مع دخول تركي مباشر عبر اتصالات أردوغان، في محاولة لتفادي حرب إقليمية شاملة باتت كلفتها تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال.

بينما يُعرب وزير الخارجية الايراني السيد عباس عراقجي أنه، “لا يمكن الحديث عن التفاوض في جو من التهديدات وعلى الولايات المتحدة أن تدرك ذلك والمفاوضات لها قواعد ويجب أن تكون مبنية على التكافؤ والاحترام المتبادل” ويؤكّد أن “إيران لا تزال ترحب باتفاق نووي عادل يضمن حقوق إيران في التقنية النووية السلمية ويضمن عدم امتلاك أسلحة نووية”.

ثالثاً: محور المقاومة – شبكة قوة لا أداة

 إيران لم تبنِ نفوذها الإقليمي على أساس السيطرة المباشرة، بل على أساس بناء شبكة قوى تعمل ضمن تقاطع مصالح. محور المقاومة الممتد من لبنان إلى اليمن ليس هيكلاً مركزياً يُدار بالأوامر، بل منظومة تتشارك في الرؤية العامة، مع احتفاظ كل طرف بحساباته الخاصة.

في اليمن، أثبتت جماعة أنصار الله أنها قادرة، بإمكاناتها الذاتية، على فرض معادلة جديدة في مضيق باب المندب. السيطرة الفعلية لا تعني إغلاقاً دائماً، بل القدرة على جعل المرور البحري مشروطاً، ورفع كلفة أي تجاهل سياسي. الهجمات على ناقلات النفط، ومنها ناقلة بريطانية، لم تكن حدثاً معزولاً، بل رسالة استراتيجية بأن البحر الأحمر لم يعد ممراً آمناً بلا ثمن.

في لبنان، يشكل سلاح المقاومة جزءاً من منظومة ردع إقليمية، وليس مجرد ملف داخلي. الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على بيروت تهدف إلى تفكيك هذه الحلقة، لأنها تشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل في أي حرب شاملة. تجربة السنوات الماضية أثبتت أن أي مساس بهذه المعادلة يفتح الباب أمام صراع واسع لا تملك إسرائيل القدرة على تحمله طويلاً.

وفي السياق ذاته، جاء موقف العراق ليعزز معادلة الردع الإقليمي، إذ أعلن الأمين العام لكتائب حزب الله استعداد فصائل المقاومة لحرب شاملة دفاعاً عن إيران، وسجلت مصادر عن اندفاع آلاف المتطوعين لتسجيل أسمائهم تلبيةً لنداء المرجعية الدينية، في مشهد يعكس استعداداً شعبياً واسعاً للتدخل إذا ما فُرضت المواجهة، في موقف قرأه محللون، كإشارة واضحة إلى أن أي عدوان أمريكي على طهران لن يبقى محصوراً بجبهة واحدة، بل سيستدعي تلقائياً دخول سائر قوى محور المقاومة، من اليمن إلى لبنان وغزة، في مواجهة مفتوحة متعددة الساحات.

رابعاً: القوة العسكرية الإيرانية – ومضائق الطاقة في معادلة الردع

إيران بنت قوتها العسكرية على مبدأ التعويض: تعويض غياب سلاح جو متطور بترسانة صاروخية دقيقة، وتعويض التفوق البحري الأمريكي بقدرات غير تقليدية، وتعويض العزلة السياسية ببناء تحالفات ميدانية.

العقيدة الإيرانية واضحة: أي هجوم مباشر لن يُواجه برد موضعي، بل بتوسيع ساحة الصراع. هذا ما يجعل أي ضربة “محدودة” فكرة غير واقعية. التجارب السابقة، من إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة إلى استهداف قواعد أمريكية في المنطقة عبر الحلفاء، أظهرت أن طهران قادرة على الرد دون تجاوز الخطوط التي تفرض حرباً شاملة، لكنها تحتفظ بالقدرة على تجاوزها إذا فُرضت عليها المواجهة.

بينما اقتصادياً، يُمثل مضيق هرمز الشريان الأهم لتدفق الطاقة العالمية. إيران لا تلوّح بإغلاقه، لكنها تحتفظ به كورقة ردع أخيرة. ما جرى في باب المندب أعطى نموذجاً عملياً: تعطيل جزئي، رفع كلفة التأمين، تغيير مسارات الشحن، وإرباك الأسواق.

كما صرّحَ المساعد السياسي لقائد القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني محمد أكبر زاده أنه، “أمن مضيق هرمز يعتمد على قرارات طهران. وأنَّ إيران تتلقى بيانات من مضيق هرمز في الوقت الحالي من الجو والسطح وتحت الماء. لا نريد أن يتضرر الاقتصاد العالمي، لكن الأمريكيين وحلفاءهم لن يستفيدوا من الحرب التي أشعلوها؛ لذا، عليهم أن يعلموا أنه إذا كان الأمن الغذائي والطاقة والتجاري لهم مضموناً حتى الآن عبر هذا المسار، فبإمكاننا اليوم تحويل هذا الأمن نفسه إلى تهديد لهم”.

وهكذا تكون الرسالة واضحة: إذا كان فاعل إقليمي قادراً على فرض معادلة في باب المندب، فإن ما يمكن أن يحدث في هرمز، حيث لإيران حضور مباشر، سيكون أعمق أثراً وأخطر تبعات.

توازن ردع لا حَرب شاملة

في الختام، ما نشهده اليوم ليس انتصاراً إيرانياً ولا هزيمة أمريكية، بل انتقالاً إلى مرحلة توازن ردع معقّد. الولايات المتحدة أدركت أن الحرب لن تكون قصيرة ولا نظيفة، وإيران أدركت أن امتلاك أوراق القوة يمنحها هامش مناورة واسع دون الحاجة إلى الحرب.

المنطقة تدخل مرحلة “لا حرب ولا سلم”، حيث تُدار الأزمات بدل حسمها، وتُستخدم أوراق القوة لضبط الإيقاع لا لتفجيره.

في ضوء هذا الضغط الأمريكي المتصاعد، تبرز أسئلة مفصلية حول المسار المقبل للصراع: هل تدفع سياسة التّهديد والتهويل إيران إلى اتخاذ قرار استراتيجي بالإعلان عن امتلاكها للسلاح النووي كخيار ردعي نهائي يُرغم واشنطن وتل أبيب على التراجع؟، هل يراهن ترامب على ضربة محسوبة تفتح باب التفاوض، أم أن أي اشتباك عسكري مع إيران سيشعل المنطقة ويفلت من كل محاولات الاحتواء؟.

 أم أن إدارة ترامب ستدرك حدود القوة العسكرية، وتتدارك الانزلاق نحو مواجهة لا تستسيغ نتائجها، فتقبل بالعودة إلى طاولة التفاوض، لا وفق شروطها الإملائية، بل ضمن تسوية تفرضها معادلات الردع التي أرساها محور المقاومة، حفاظاً على تدفق الموارد الحيوية عبر الممرات المائية، وتفادياً لتحول إيران إلى قوة نووية كاملة؟.

وفي موازاة ذلك، يطرح الواقع اللبناني نفسه كسؤال مكمّل للمشهد الإقليمي: هل يُترك لبنان ساحة ضغط إضافية تُستخدم للضغط على إيران وحلفائها في لحظة التفاوض أو التصعيد، أم أن أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران ستنعكس تلقائياً على الوضع اللبناني، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من معادلة التوازن والردع في المنطقة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *