دوليات

اتفاقية تاريخية بين الهند والاتحاد الأوروبي.. التغول الأمريكي يسرع وتيرة التحولات

بقلم ابتسام الشامي

خلفيات التقارب

بعد مسار طويل من المفاوضات المعقّدة، نجحت الهند والاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة الشاملة وأخرى للشراكة الأمنية والدفاعية، في خطوة تهدف إلى تخفيف آثار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والتحولات السياسية، بعد أشهر من فرض البيت الأبيض رسوماً جمركية على واردات دول العالم إلى الولايات المتحدة من دون تمييز بين حلفاء الأخيرة أو منافسيها وأعدائها. وبدت الاتفاقيتان بتوقيتهما السياسي وما تضمنتاه من مجالات للتعاون، كمثال آخر على الارتدادات العكسية للسياسة الأمريكية. فإلى الاضطراب الاقتصادي العالمي الذي أحدثته قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وطالت الاقتصاد الأمريكي ذاته، فإن تلك القرارات فرضت على دول العالم إعادة تفكير في علاقاتها وتنويع شراكاتها، مع تدهور الثقة بواشنطن ومستقبل العلاقة معها. وبهذا المعنى فإن الاتفاقيتان الموقعتان في نيودلهي مطلع الاسبوع ليستا حدثاً اقتصادياً فحسب وإنما محطة مفصلية في التحولات الجارية نحو نظام عالمي جديد قائم على التعددية. ولعل هذه الخلفية في مقاربة اتفاقية التجارة الحرة الشاملة هي ما دفعت رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى وصفها بالتاريخية و “أم الصفقات”. وخلال كلمة ألقاها في أسبوع الطاقة الهندي يوم الثلاثاء الماضي، حرص مودي على توضيح أهمية الاتفاقية لاقتصاد بلاده بعد تأمين رابط قوي له مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحوالي ثلث التجارة العالمية، مشيراً إلى أن الاتفاقية ستُكمل أيضاً اتفاقيات الهند التجارية مع بريطانيا ورابطة التجارة الحرة الأوروبية. وقال مودي: “أهنئ زملاءنا المرتبطين بكل القطاعات، مثل المنسوجات، والأحجار الكريمة والمجوهرات، والجلود والأحذية. هذا الاتفاق سيثبت أنه داعم للغاية لهذه القطاعات”.

وعلى قدر أهمية الاتفاقية للهند حيث ستفتح لمنتجاتها السوق الأوروبية الواسعة، تبرز أهميتها أيضاً لدول الاتحاد الأوروبي، وهو ما عكسته تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي قالت “أوروبا والهند تصنعان التاريخ اليوم.. لقد أبرمنا أهم صفقة على الإطلاق.. أنشأنا منطقة تجارة حرة تضم ملياري نسمة، ومن المتوقع أن يستفيد منها الطرفان”.

اتفاقية التجارة الحرة

أهمية الاتفاقية بعد عقدين من المفاوضات بين الجانبين تكمن أولاً في كونها جاءت في وقت تتعرض فيه العلاقات التجارية لاختبارات صعبة في ظل تصاعد التوترات الجيو/سياسية على مستوى العالم، وفي ما نصت عليه من مجالات تعاون. فالاتفاق المعلن عنه يستهدف توسيع حجم التبادل التجاري الذي تجاوز 136 مليار دولار، مع فتح الأسواق أمام قاعدة استهلاكية تقارب ملياري نسمة، في واحدة من أوسع مناطق التجارة الحرة من حيث الكتلة السكانية والقوة الشرائية. وبحسب بنود الاتفاق، جرى التوصل إلى إلغاء الرسوم الجمركية الهندية على 30% من السلع المتداولة فوراً، وإلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على أكثر من 90% من صادرات الاتحاد الأوروبي، بما يوفر للشركات نحو 4 مليارات يورو سنوياً. مع تحسين وصول شركات الاتحاد الأوروبي إلى الخدمات المالية والنقل البحري، وتبسيط الإجراءات الجمركية وتعزيز حماية الملكية الفكرية. كما تنص الاتفاقية على تخفيض الرسوم الجمركية الهندية على السيارات المستوردة من الاتحاد الأوروبي من 110% إلى 10% خلال خمس سنوات، ضمن حصة سنوية تبلغ 250 ألف سيارة، وهو أمر يستفيد منه مصنّعو سيارات “فولكس فاغن” و”بي إم دبليو” و”مرسيدس بنز” و”رينو”. كما تنص الاتفاقية على إلغاء كامل الرسوم الجمركية على معظم الواردات الصناعية من الاتحاد الأوروبي، بما يشمل الآلات والمعدات الكهربائية والمواد الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية.

وإذا كان ما تقدم من بنود يوفر استفادة كبرى للطرف الأوروبي من خلال سلسلة إلغاء الرسوم أو تخفيضها على كثير من الواردات الأوروبية، فإن المصدرين الهنود يستفيدون بدورهم من إلغاء الاتحاد الأوروبي جميع الرسوم الجمركية على 90 ٪ من السلع الهندية عند بدء سريان الاتفاقية، مع تمديد الإعفاء ليشمل 93٪ من السلع خلال سبع سنوات، إضافة إلى تخفيضات جزئية وحصص استيراد لنحو 6٪ من السلع الهندية. وكذلك حصول 99.5٪ من التجارة الثنائية على شكل من أشكال الإعفاء من الرسوم الجمركية، علماً أن الاتفاقية استثنت السيارات والمنتجات الزراعية من الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية. كما انخفض متوسط معدل الرسوم الجمركية في الاتحاد الأوروبي من 3.8% إلى 0.1%.

ومن المجالات التي يستفيد منها الجانب الهندي، تخفيض الرسوم الجمركية على الصادرات الهندية الرئيسية إلى الاتحاد الأوروبي، بما يشمل المنتجات البحرية والمواد الكيميائية، والبلاستيك والمطاط والجلود والأحذية، والمنسوجات، والملابس، والمعادن الأساسية، والأحجار الكريمة والمجوهرات.

شراكة أمنية ودفاعية

وعلى الرغم من أن اتفاقية التجارة الحرة حظيت بالاهتمام الأكبر على المستوى الإعلاني، فإن إعلان الاتحاد الأوروبي، أن التكتل وقّع مع الهند اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية استجابة لبيئة استراتيجية متزايدة التحديات، ولتعزيز التعاون بين الطرفين شكّل أيضاً محطة مهمة في مسار العلاقات بين الجانبيين وتطويرها لتكون أكثر تشاركية واستراتيجية في بيئة سريعة التحول بفعل سيولة الأحداث. ووفق البيان الأوروبي فإن الاتفاقية ترسخ إطاراً شاملاً يحدّد مستوى الطموح الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي والهند، وينظم تعاونهما في مجالات السلام والأمن والدفاع. وبحسب البيان فإن الشراكة الأمنية والدفاعية بين الاتحاد الأوروبي والهند تأتي في وقت يشهد تصاعداً في عدم الاستقرار العالمي والتوترات الجيوسياسية. كما أنها تجسد الحاجة إلى تعاون وثيق بين الشركاء الدوليين لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، بما في ذلك في المجالات الاستراتيجية غير التقليدية كالمجالات السيبرانية والبحرية والفضاء.

خاتمة

إذا كانت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على الإخضاع تتوسل أوراق القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية معاً سبيلاً لإعادة تعويم الولايات المتحدة كقوة مطلقة لا منافس لها، فإن السياسة ذاتها تفرض على الدول المستهدفة البحث عن ملاذات آمنة من التغول الأمريكي وهو ما يفرض عليها الالتقاء وتذليل ما أمكن من العقبات الكامنة في مسارات الشراكة، وبهذا المعنى تبدو واشنطن في ضوء قرارات البيت الأبيض كمن يطلق النار على رجليه أو يسجّل هدفاً في مرماه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *