في محنة الأمة: مثقفُ النّقدِ والعَقلانيّة في زمنِ الانهِياراتِ الكُبرى هل يتحمل المثقف وحده وزر الفشل الحضاري؟!
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
في خضم المشهد المأساوي الذي تعيشه هذه الأمة (أو ما تبقى منها!!)، حيث تتداخل الصراعات الأهلية وتتنقل بسرعة مخيفة بين الأقطار والمجتمعات، وكأنها نار تأتي على الأخضر واليابس، يبرز سؤال محوري ومؤرق، يلح في الظهور على السطح كلما اشتدت المحن وتكاثفت الغيوم: أين هو المثقف النقدي؟ وأين موقعه من خريطة الانهيارات السياسية والأخلاقية التي تجتاحنا؟ أهو على الهامش يراقب، أم في مركز الحدث يؤثر ويتأثر، أم أنه مجرد ضحية أخرى من ضحايا هذا العصر المليء بالتناقضات والعنف والتراجعات الحضارية؟!..
نعم، يكاد مشهد العنف والإرهاب اليوم، يختزل حالة أمة بأكملها، تمتد من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط.. إنها أمة تُعرّف نفسها للآخرين، ليس من خلال إنجازاتها الحضارية أو إسهاماتها الإنسانية أو مشروعاتها النهضوية المتقدمة، بل من خلال صورة الدم المشتعل، والصراعات والانقسامات التي لا تنتهي، وخطابات الكراهية وتوزيع الأحقاد التي تملأ الأمكنة والفضاءات كلها.. وكأن هذه الأمة فقدت القدرة على تقديم ذاتها على قاعدة مشروعية السلم والحوار والتفاهم والأمان الفردي والمجتمعي، ليحل محلها منطق القوة الغاشمة واستراتيجية العنف التي تلتهم كل شيء.. مع أنها في العمق الفكري والروحي أمة الحوار والحكمة والموعظة الحسنة، والدعوة لإحكام قيم الخير والعطاء..!!.
لكن في الواقع العملي، هي أمة عانت – وما زالت تعاني – من استنزاف مقدراتها الاقتصادية والبشرية، ومن نهب منظم ومقصود لثرواتها على يد نخب ونظم الاستبداد والفساد التي حكمت واستحكمت بقبضة حديدية، وسيطرت على مفاصل الدولة والمجتمع كله. هذه الأمة التي لم تكد تهنأ بلحظة من الراحة أو تلتقط أنفاسها من كابوس الدكتاتورية، حتى فوجئت بابتلاء جديد أقسى وأكثر تعقيداً، تمثل في موجات الإرهاب العاتية، التي اجتاحت كل مواقعها وبنياتها الثقافية والاجتماعية. هذا الإرهاب الذي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة أو جماعات هامشية، بل تحول إلى تيار عاتٍ هدد ويهدد كيانات الدول السيادية، ويعبث بالنسيج الاجتماعي التاريخي المتجانس، الذي ظل صامداً ومتماسكاً على مدى قرون طويلة في ظل راية الإسلام الحضاري المنفتح. إنه الإسلام الاجتماعي الذي عرف كيف يستوعب التنوع ويتعايش مع الاختلاف والمختلفين، والتنوع والمتنوعين، وهو ذات الإسلام الذي يحاول المتطرفون اليوم التخفي وراءه زوراً وبهتاناً، ليس لتعزيز قيم التعايش، بل لتفجير الانتماءات التاريخية ما قبل وطنية، واستثمار التنوع الطبيعي في المجتمعات كورقة سياسية رخيصة في لعبة الصراعات والمصالح الإقليمية والدولية.
وكنتيجة إجمالية وحتمية لهذه الأوضاع الصعبة والخطيرة التي طالت بتداعياتها كل شيء، نجد أن مجتمعاتنا عادت إلى الوراء بسرعة مذهلة، وتقهقرت إلى الحضيض من الناحية الحضارية والإنسانية والثقافية والعملية. لقد كان لمقدمات هذا السقوط المدوي أسباب عميقة، لم تقتصر فقط على مشاهد العنف اليومي والصراعات الأهلية واستباحة القوى الدولية الكبرى للثروات والمقدرات، بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية أخرى كان من المفترض أن تكون دعامات للنهضة والتقدم.
فعلى سبيل المثال، نجد أن الدول العربية ما تزال تعاني حتى من التبعية الغذائية المزمنة والخطيرة.. واعتمادها على استيراد الغذاء من الخارج لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى بنية ثابتة تتفاقم مع الزمن.. والأرقام المسجلة والموثقة تتحدث لوحدها عن هذا المشهد المأساوي الذي يعكس أيضاً حالة من العجز الإنتاجي والتصنيعي، وفقدان السيادة الغذائية التي هي أساس أي سيادة وطنية حقيقية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، الذي هو مرآة صادقة لحال أي مجتمع، نلاحظ ظاهرة خطيرة أخرى، وهي اضمحلال وتلاشي الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي كانت تاريخياً عماد الاستقرار والتحديث والتنمية في أية دولة. لقد كانت الطبقة الوسطى العربية في العقود الماضية واسعة وكبيرة العدد والنوعية، تشكل قاطرة التغيير ووعاء الإبداع والابتكار. لكنها اليوم تتآكل وتذوب بفعل السياسات الاقتصادية الخاطئة، وانتشار الفساد، وعدم الاستقرار.
في المقابل، نجد أن أعداد الفقراء في ارتفاع متواصل، خصوصاً في الأرياف العربية، حيث تتركز بؤر التهميش والإقصاء. وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من200 مليون إنسان فقير في الأقطار العربية المتوسطة والمنخفضة الدخل. وبالتزامن مع ذلك، تعاني المنطقة العربية من معدلات بطالة مرتفعة، تعد من أعلى المعدلات في العالم، وتتركز هذه البطالة بشكل لافت بين فئة الشباب، ومن المثير للقلق أن 40% من العاطلين عن العمل هم من خريجي الجامعات والمعاهد، أي من الفئة التي يفترض أنها قادرة على الإنتاج والعطاء ودفع عجلة التنمية. هذا الوضع المأزوم خلق حالة من الإحباط واليأس العميقين، وجعل المواطن العربي العادي يعيش في حالة من التساؤل الدائم والحيرة، يبحث عن إجابات عن أسباب هذا التخلف المزمن، وعن المسؤولين عنه، وعن دور الثقافة والمثقف في ظل هذه العتمة التي تخيم على الأفق.
في خضم هذا السؤال المحق، يبرز تساؤل آخر أكثر إلحاحاً وربما أكثر إزعاجاً: لماذا يتم تحميل المثقف المسؤولية الأولى والأخيرة عن فشل المشاريع الوطنية وانهيار الدولة الاجتماعية؟ لماذا هذا التركيز الدائم على الجانب الثقافي في منعطفات التاريخ الصعبة، وكأن الثقافة وحدها هي القادرة على البناء والهدم، بينما تغيب أسئلة السياسة والاقتصاد والإدارة عن دائرة المساءلة والمحاسبة؟!.
الكل يسأل عن مصداقية رؤية المثقف للإشكاليات القائمة، وعن مدى نجاحه ليس فقط في تشخيص الداء وتحليل الظواهر، بل في تقديم العلاج والدواء الناجع واقتراح الحلول القابلة للتطبيق. لكن، من جهة أخرى، لماذا لا نملك الجرأة الكافية لمساءلة السياسة وأهلها؟ لماذا نغفل دور “صُناع القرار” الحقيقيين، أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة ويمتلكون أدوات التأثير المباشر على واقع الناس وحياتهم؟ أليسوا هم من خططوا ونفذوا على مدى عقود طويلة برامج وسياسات التحديث القشرية الفاشلة التي تم فرضها من الأعلى بقوة السلطة والنخبة، دون مراعاة لخصوصيات المجتمعات أو احتياجاتها الحقيقية؟ ألم يكونوا هم الذين في صناعة هذا الواقع المرير، من خلال سياساتهم الاقتصادية المنهكة، وفسادهم المستشري، واستبدادهم الذي قتل أي روح إبداعية أو مبادرة فردية أو جماعية؟.
إن تحميل المثقف وزر الفشل الحضاري وحده فيه الكثير من الاختزال والظلم، وهو في النهاية يخلّص السلطة السياسية من مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية. لأن المثقف، بحكم وضعه وطبيعة عمله، ينطلق من حقيقة جوهرية، وهي أنه لا يملك مواقع التأثير الحقيقية التي يملكها السياسي (صاحب القرار) العربي القادم إلى السلطة من خلفية محددة مرضي عنها، مع دعم خارجي في كواليس صناعة القرار الدولي..!!.. فالمثقف لا يملك سلطة القرار، ولا يتحكم في موازين القوى والأمر الواقع، وليس بوسعه استخدام النفوذ اللازم لإحداث تغيير جذري في المجتمع، أو حتى لمواجهة تداعيات السقوط الحضاري الذي نعيشه. فهو بالأساس لا يبحث عن هذا النوع من السلطة، لأنه ليس اختصاصه ولا مجاله الحيوي. لكنه في المقابل، يدرك تمام الإدراك أنه بدون قوة الأمر وسلطة التنفيذ، يستحيل إحداث صدمة التغيير المطلوبة. إن المثقف، وخصوصاً “المثقف العضوي” بتعبير الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، هو ذلك الكائن الذي يعيش حالة من التناقض الداخلي: فهو معنيٌ بالإصلاح والتغيير والمساهمة في نهضة الأمة، وهو مطالب بتشذيب أفعال السياسي وتهذيبها، ومواجهة سلطته المطلقة، والحد من مناسيب القمع والفساد، وكبح جماح التسلط. لكن كل ما يملكه لتحقيق هذه المهمة الجسيمة هو سحر البيان والورقة والقلم. رسالته تكمن في هذا الإصرار الفكري والمعنوي وحده، في هذا الضغط الأخلاقي القائم على الحس النقدي الجمالي، سعياً حثيثاً نحو إقامة دول الحق والعدل والمساواة، دول الكرامة الإنسانية والحقوق، الدول المدنية الدستورية التي لا ترتهن لأحد، ولا ترهن مصيرها لشخص أو فئة أو مخلص منقذ يمتلك عصاً سحرية يحل بها كل المشاكل.
وهنا نسأل: لماذا يخاف السلطان من المثقف أكثر من خوفه من الإرهابي؟!
من المفارقات العجيبة والجديرة بالتأمل، أنه وعلى الرغم من ضعف أدوات المثقف المادية، وعلى الرغم من غياب السلطة الفعلية بين يديه، نجد أن كل مواقع السلطات والنفوذ والقرار تخاف منه، وتخشى جانبه. إنها تخافه حتى لو بقي وحيداً منعزلاً خلف مكتبه، رفقة قلمه وورقته وكلماته. بل إنها تخافه أكثر مما تخاف المتطرفين والإرهابيين، ربما بآلاف المرات. كيف نفسر هذه المفارقة؟ لماذا ينام الإرهابي في سجن مريح أو يقاتل في الجبال، بينما المثقف هو العدو الأكثر خطورة في نظر الأنظمة المتسلطة؟!!.. وحتى في أمريكا رأينا لدى النخبة الحاكمة شيئاً من هذا القبيل.. فالمثقف والإعلامي صاحب الصوت الجريء مخيف لنخب الفساد هناك أيضاً..!!.
السبب عميق ويتعلق بجوهر التهديد.. فالإرهابي أو المتطرف، على الرغم من بشاعة أفعاله وخطورتها الآنية، لا يعيش أية حالة عقلانية حقيقية في وعيه وفكره.. تفكيره مغلق على مقولات متصحرة ومتصنمة، وأفقه محدود بأدبيات صخرية جاهزة، يسعى إلى تطبيقها بالقوة والإكراه عبر آلة العنف.. إنه يهدد الجسد، ويهدد الأمن المادي، وهذا يمكن مواجهته بأجهزة أمنية وعسكرية.. في حين أنّ المثقف النقدي التنويري – الذي يسخر منه الساسة وأصحاب القرار في العلن، ويصفونه بالحالم النخبوي البعيد عن الواقع – هو في الحقيقة إنسان واقعي وعملي بامتياز، لكنه يمتلك سلاحاً من نوع آخر.. إنه يمتلك قوة العقل والمعرفة والنقد وقيم الوعي والمساءلة والمحاسبة، وهذه القوة دائمة ومستمرة لا تنفذ بحكم نبع المعرفة الفياض. قواه العقلية متطورة ومتجددة، بفعل اشتغاله الدؤوب على القراءات الناقدة والمقاربة التحليلية العميقة للواقع. وهو يمتلك قدرة فائقة على الكشف والفضح والتعرية، على هتك الحجب وخرق الأستار العقلية الوهمية، على تحقيق الاستنارة والوعي الحقيقيين. إنه يمتلك آفاقاً لا يراها غيره، ويبصر بعين ثاقبة وبصيرة نافذة ما يعجز الآخرون عن رؤيته. من هنا تنبع خطورته الكبرى على كل أنظمة التسلط والاستبداد التاريخي.
إن خطورة المثقف تكمن في كونه يمثل (عقلانية سلمية) بالغة التأثير، دائمة ومستمرة، وهي أخطر وأمضى من خطورة العنف والإرهاب والإرهابيين اللحظية.. الإرهابي يمكن قتله أو اعتقاله، لكن الفكرة النقدية التي يطلقها مثقف لا يمكن قتلها بالرصاص. إنها تنتشر في العقول والقلوب، وتتحول إلى رأي عام، وإلى وعي جمعي، يصبح معه من المستحيل الاستمرار في ممارسات التسلط والفساد والقمع. هذه هي العقلانية التي تخيف كل سلطان جائر، لأنها تنخر في أساس شرعيته الوهمية، وتكشف عورته أمام شعبه والعالم. طبعاً، نحن وإن كنا ندافع بقوة وصلابة معرفية عن دور المثقف ووظيفته الحيوية في مواجهة تحديات التخلف وهيمنة قوى التسلط، فإن هذا الدفاع لا يعني البتة أن المثقف العربي بريء من الأخطاء أو فوق النقد والمساءلة. لقد ارتكب مثقفونا العرب على تنوع مشاربهم وتوجهاتهم أخطاءً كثيرة ومتنوعة، بعضها كان جسيماً وله تداعيات خطيرة لا تزال تلقي بظلالها على واقعنا المعاصر. ومن الضروري بمكان أن نسلط الضوء على هذه الأخطاء، وأن نعيد النظر في كثير من الأفكار التاريخية الخاطئة التي أعاد البعض ضخ الحياة فيها، مؤثرين سلباً في تحولات مجتمعاتهم. فالأحداث الخاطئة في الحاضر ما هي إلا نتيجة طبيعية لأفكار وسلوكيات خاطئة تراكمت على مر السنين. ولا يمكننا أن نغض الطرف عن مسؤولية المثقف فيها، إذا أردنا تشخيصاً دقيقاً للداء والخروج بمقترحات علاج ناجعة.
ولعل من أخطر الأدوار التي لعبها بعض المثقفين، دور لا يمكن التغاضي عنه أو التهوين من شأنه، هو الدور الذي أسهم به في تأجيج الصراعات والحروب الأهلية والتهجير القسري للملايين في أكثر من قطر عربي. فقد كان لأفكار وسلوكيات الانقسام الطائفي والتحريض المذهبي دور أساسي ومحوري في الاضطرابات والحروب التي عاشتها ولا تزال تعيشها دول عربية عديدة وإنْ بدرجات متفاوتة. إن الأفكار والسلوكيات الطائفية التي تغذي هذه الصراعات ليست وليدة اليوم، بل هي مبثوثة في كثير من كتب الفقه والتراث، وصادرة عن كثير من علماء الفقه والمفكرين ونخب التاريخ.. وهي للأسف منسوبة زوراً وبهتاناً إلى النصوص الدينية الأصلية، عن طريق قراءات مغلوطة وأفهام منحرفة، و “بضاعات” فكرية رخيصة تتناقض بشكل صارخ مع روح الإسلام ومقاصده الكبرى التي تقوم على العدل والرحمة والتعارف والتعايش وقيم التسامح الإنساني. والأكثر خطورة أن هذه الأفكار لم تبق حبيسة الكتب، بل قام ببثها ونشرها وتكثيفها كثير من المثقفين والإعلاميين ورجال الدين في هذه الأيام، عبر المنابر والمعارض والمؤتمرات والمحطات الفضائية الطائفية البغيضة، لتصل يومياً إلى صفوف الملايين من البسطاء والجهلة، الذين يفتقدون أدوات النقد والتمحيص، فيتلقفونها على أنها حقائق مطلقة وثوابت دينية وتاريخية لا تقبل الجدل.
إن إلحاحنا على إبراز خطر الفكر والسلوك الطائفي مراراً وتكراراً ليس نابعاً من حالة هوس به، أو من تقليل لأهمية الأفكار والسلوكيات الخاطئة الأخرى في حقول السياسة والاقتصاد، بل يعود لسببين رئيسيين: الأول، هو الدور الكبير والمركزي الذي يلعبه هذا الفكر في تأجيج أحداث الحاضر الدامية، من خلال تغذيته للجنون التكفيري الذي عاد للانتشار بين صفوف كثير من شباب الأمة.. الثاني، هو الاستعمال الخبيث والممنهج لهذا الفكر الطائفي المنحرف من قبل جهات متعددة ومتداخلة، منها أجهزة الإعلام والأمن العربية التي وظفته وتوظفه لتحقيق أغراض سياسية آنية، ومنها بعض حركات الإسلام السياسي التي تجد فيه وقوداً لخطابها المتطرف، ومنها أيضاً بعض أجهزة الاستخبارات الأجنبية ومراكز أبحاثها التي تستثمر هذه الانقسامات لتمرير أجنداتها في المنطقة وتفتيت قواها.
والكارثة الحقيقية هنا أنه قد سقط كثير من المثقفين العرب في هذا الفخ الطائفي المشبوك بإحكام. سقطوا من خلال نشرهم للأفكار الطائفية أو الترويج لها أو السكوت عنها، أو من خلال تأييدهم لنظم الفساد والاستبداد التي تغذي هذه الانقسامات لتبقى في جنان السلطة وإغراءاتها.. بل إن بعضهم عجز عن استيعاب وتدبر قيم حركة الثورات العربية التي انطلقت في بدايات العقد الماضي، تلك الثورات الشعبية العارمة التي كان الأمل معقوداً عليها لإلغاء الطائفية السياسية، وإحداث خرق حقيقي في الجدران العالية التي صنعتها الأنظمة البائدة. كانت هذه الحركات تسعى إلى فتح آفاق جديدة في السياسة والمجتمع وأنماط الوعي والتفكير والسلوك، نحو التغيير السلمي المدني والدولة الديمقراطية الحديثة. لكن للأسف، لم يستطع كثير من المثقفين فتح قنوات تواصل إيجابية وحيوية مع هذه الحركات الشعبية، ومع مختلف الأسئلة والقضايا التي أفرزها الحراك، ليضيع بذلك زخم هائل كان يمكن أن يقود إلى إصلاح حقيقي. واليوم، بعد أن انحسر ذلك المد الثوري بفعل الثورات المضادة، وبعد أن تآكلت وتلاشت الطبقة الوسطى التي كانت عماد أي تغيير سلمي، أو كادت، بتنا نواجه واقعاً مريراً، محاطين بعقليات إقصائية من كل حدب وصوب. عقليات تنطلق من فكرة بدائية غاية في الابتذال الأخلاقي والقمع الفكري، تختزل العالم في صراع ثنائي حاد: إما أن تكون معي، وبالتالي تكون بالضرورة ضد الآخر، وإلا فلا يكون لك وجود في هذا العالم.
وهنا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه المثقف النقدي اليوم: كيف يمكنه أن يوجد مساحة ثالثة للتفكير والعقلانية والتعايش في عالم يحاول فرض خيارين فقط، كلاهما أسوأ من الآخر؟!..
