المبدع والتفكير الإبداعي
بقلم غسان عبد الله
في أدق تعريف للإبداع، يجب ذكر أنه مزيج من الخيال العلمي المرن لتطوير فكرة قديمة، أو لإيجاد فكرة جديدة، مهما كان صغر حجم تلك الفكرة التي قد ينتج عنها إنتاج متميز غير مألوف، يمكن تطبيقه واستعماله.
ويرتبط مفهوم الإبداع بالعديد من المعايير، وهو على الدوام يتعلق بربط عنصرين أو فكرتين أو أكثر، في إطار علاقة لم يتوصل إليها أحد قبل ذلك، كما أن الإبداع غير محصور في مجال معين أو علم معين، والإبداع يعتبر أحد أبرز المؤشرات، التي تساهم إلى حد كبير، في الاستدلال على مدى تقدم جهد الجهة القائمة به.
والإبداع إن هو إلا خلاصة الاعتماد على النفس في التعليم الذاتي، وفي تحصيل شتى المعارف، علماً بأن كل فرد توجد لديه قدرات إبداعية، ولكن القليل من الأفراد هم الذين يسعون بجدية لأجل توظيف تلك القدرات، ويسعون لتطوير أنفسهم ونشر إبداعاتهم.
وقد يجري تحديد خطوط الفكرة الإبداعية، وذلك وفق عدة عوامل من أهمها: البحث عن فكرة ما لجذب الانتباه، على أن تمس تلك الفكرة الآخرين، أو حاجات يتم إشباعها بأسلوب مبتكر، على أن تكون تلك الفكرة تصلح للتطبيق، وبما يسمح باختيارها، مع توافر عناصر بها تسمح بتقديمها وقياس فاعليتها، على ألا تتعارض مع القيم والقواعد المتّبعة، ويمكن تطبيقها بما هو متاح من طرائق أو أساليب.
قد يتمتع المبدع ببعض الصفات، ومن أهمها: البحث عن الطرق والحلول البديلة والقدرة على الاستدلال، ولا يكتفي بحل واحد أو طريقة واحدة فقط، وأن يكون لديه تصميم وإرادة قوية، وأهداف واضحة يريد الوصول إليها، مع تجاهل تعليقات الآخرين السلبية ولا يخشى الفشل، كارهاً للنظام الروتيني، مع التعوّد على الاسترخاء، لأنه في حالة ما إذا وصل المخ إلى أعلى مستويات الاسترخاء، وأخذ جانب التفكير في احتمالات متعددة، عندئذ تكون عملية التفكير الإبداعي المتقدم ممكنة، وهي حقائق علمية يمكن الاستفادة منها، عبر إعادة تأهيل العقل وتدريبه على الابتكار.
بجانب إدراك العلاقات بين الأشياء ومعرفة أسرارها وأبعادها، مع (التحليل) وهو القدرة على دراسة الأشياء والحوادث والأفكار والخروج باستنتاجات واضحة، والقيام بالملاحظة، وهي ليست المشاهدة البصرية فقط، بل تشمل الاستعانة بوسائل الملاحظة الأخرى، من أجل المقارنة والتقييم والتنبؤ والتصنيف، وما أن يجد المبدع مهما كان حجمه، أجواء الحب والاحترام والتقدير والاحتفاء بإنجازاته وتكريمه، عندها فقط قد ينمو إبداعه ويتطور أكثر فأكثر، ودوماً ما تكون ذاكرة المبدع حيوية نشطة، وحاضرة للاستدعاء كلما أراد المبدع منها شيئاً.
بات من الواضح تماماً، أن من أهم الأمور، التي تدعم الإبداع وتتولى تطويره؛ تخصيص مسودات ورقية لكتابة الأفكار وتدوينها، مع تحديد الهدف بوضوح، وترك العنان للإبداع والتفكير الأمثل، ومن الملاحظ أن أي دمج لعنصرين أو أكثر، يكون نتاجه الحصول على إبداع جديد لم يظهر من قبل.
والمعلوم أنه لا توجد قيود على الفكر الإبداعي، فالمبدع المتميز هو ذلك الشخص، الذي يوجهه تفكيره نحو الأمور، والأشياء والأزمات في محاولة منه لتطويرها، وإيجاد حلول جديدة قابلة للتطبيق، لأن التفكير الإبداعي، لا ينبثق من فراغ وإنما هو نتاج الإحساس بمشكلة ما، فمن خلال تلك الزاوية، تبدأ شخصية المبدع أو المبتكر في التعرف على المشكلة، وتلمس الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها، لكي يضع البدائل المختلفة، حيث يختار منها الأنسب، بجانب التطويع والمرونة، ومن ثم الخروج بمقترحات جديدة.
إن المحيط الاجتماعي العام، يترك أثراً واضحاً على شخصية المبدع، وعلى الرغم من أن البيئة الاجتماعية والفكرية، بات لها تأثير واضح على شخصية المبدع، إلا أنه قد ظهر جلياً، أن البيئة الاقتصادية ليست شرطاً، وهي لا تعد أساساً في الإبداع، فهناك العديد من المبدعين، ممن كانت نشأتهم الاجتماعية تتسم بالفقر.
هذا وتعد معوقات الإبداع كثيرة، منها ما يكون من الإنسان نفسه، ومنها ما يكون من قبل الآخرين، فعلى المبدع أن يعي هذه المعوقات، وأن يتجنبها قدر الإمكان، فهناك الشعور بالنقص، وهو الذي يتمثل في العديد من الأقوال، التي تتسم بالضعف والخوف من تعليقات الغير، والتشاؤم والرهبة من الفشل وعدم المحاولات، مع عدم الثقة بالنفس والخجل الشديد، إضافة إلى الجمود وتقليدية الأفكار وعدم تغييرها.
هناك بعض الدراسات، كشفت أن الإبداع يصنف على أنه أكثر خصال القيادة أهمية، وذلك بنسبة ستين بالمئة، وأنه أكثر أهمية حتى من النزاهة التي تبلغ نسبة أهميتها اثنين وخمسين بالمئة، لكن من ناحية النمو، فيقال إن مفتاح الإبداع هو الحفاظ على التخيل الطفولي الحر، وتغذيته بالمعرفة اللازمة، وذلك بدلاً من عملية صب المعرفة في العقول بطريقة تقليدية، ولذلك تشير العديد من الأبحاث، إلى أن متوسط مستوى الذكاء يرتفع مع كل جيل.
في حين يبقي متوسط مستوى الإبداع في حالة من الركود، ومن ثم يصبح الأطفال، أقل إبداعاً مع نموهم، فالبراءة الإبداعية تتعرض تدريجياً على حسب قول الخبراء، إلى الدهس والخنق والاعتداء المباشر، وذلك في جميع مجالات الحياة، وفي كافة أنحاء العالم دون استثناء، والأمر الواضح أن هناك نوعاً من التدخل السلبي من قبل المؤسسات التعليمية، وهي أهم هيكل ينبغي عليه أن يشجع على الإبداع ويتولى رعايته، باتت هي أول المتسببين في انخفاضه.
