آخر الكلام

أشرعةَ العدمْ

بقلم غسان عبد الله

في يوم ميلادي وحدي أجاهرُ في جهات الحزنِ‏ بالخسرانِ،‏

أرفعُ راحتي في وجهِ هذا الصبرِ:‏ “لا جدوى!!”‏

وأرثي في خلاءِ الروحِ غرباني‏ ورهطَ النائحينْ.‏.

أأنا الندامةُ أم سوادٌ حالكٌ،‏ مضى العمر..

أم سكرةٌ مجهولةُ الرعشاتِ‏ تلمعُ كالسكاكينِ الجريحةِ‏ في فضاءِ الروحِ‏

أم طعمُ الفراقِ المرِّ‏ في شفة الحنينْ؟‏ أأنا طليقٌ أم سجين؟‏

أأنا صراخُ الروحِ في المطلقْ؟‏ أم رَجْعُهَا الخاوي على طللِ الحُداءِ العتيق؟‏

أم عزلةٌ مضروبةٌ في الليلِ‏ تلفُظُها العقاربُ‏ والأسابيعُ الطويلةُ‏ والشهورْ.‏.

ربَّاهُ كيف تُطيقني روحي‏ وتلفظني القبورْ؟‏!.

خلف الستين بخمس.. أسيرُ على غير هدى.. ولا زلت أدور

متألّماً في الغابِ‏ أشهدُ في الغيابِ أمومةَ‏ الأحزانِ‏

تركضُ في ظلالِ الوحشة الصمّاءِ‏ نادبةً كآباتِ الغروبْ.‏.

لو أنَّ هذي الأرضَ من شجنٍ‏.. جعلتُ نواحها يُصدي‏ على كلّ الدروبْ.‏.

وتركتُ قبري ضائعاً في الريحِ‏ يندبهُ العراءُ،‏

وتلبسُ الأكفانَ من حزنٍ عليهِ‏ الأمهاتُ الباكياتُ على الجنوبْ.‏.

لكأنَّ أيامي رحيلُ الغيم‏ خلفَ الغيمِ‏..

لا نجمٌ ليرضعني حليبَ الحزنِ‏ في الأغساقِ..‏

لا قمرٌ يضيءُ بليلتي الثكلى‏ ويحملني على جنحِ الطيوبْ.‏.

أبداً يحلّقُ طائرٌ‏ بيني وبين الموت،‏ والأمطارُ تسقطُ كالبكاءِ‏ على بساطِ الدمعِ‏..

دمعٌ أسودُ ينسابُ من شرياني‏ المقطوعِ‏ فوقَ الصخرِ معتكراً..‏

وقلبٌ خافقٌ باليأسِ‏ يسكنني،‏ وتملؤني الذنوبْ!.‏

ما زلتُ أركضُ خلفَ أسرابِ الحمامِ‏ من الشروقِ إلى المغيب

مُلوِّحاً بقميصِ إيماني‏ فلا أصطادُ إلا الوهمَ‏ والقمرَ الكذوبْ!.‏

لا الليلُ تسقطهُ مواويلي‏

ولا نوحيْ يردُّ جدارَهُ المضروبَ‏ حولَ الروحِ‏ كالأبدِ المحجَّر‏ والصخورْ.‏.

ربّاهُ كيف تطيقني روحيْ،‏ وتلفظني القبورْ؟‏.

كاللَّهفِ أعدو خلفَ أطيافِ الغيابِ‏

أطاردُ الأصداءَ من جبلٍ إلى جبلٍ‏

وأنحتُ في جذوعِ الحورِ خسرانيْ.‏.

لكأنَ هذي البيدَ مرثاتي الطويلةُ‏..

والرياحُ محادلُ الأشجانِ عن جَلَدِيْ وصوَّانيْ.‏

متأبّدٌ في الريحِ‏ أرعى رجعَهَا الموجوعَ‏ في بريَّةٍ منهوبةِ الأمطارِ..‏

لا غيمٌ يسجِّيني على نهرٍ‏ لأتبعَ مسقطَ الرمانِ،‏

لا قوسُ ألوانٍ يلوّحُ في أعالي الصحوِ‏ قمصاني.‏.

أغلقتُ خمسَ أصابعٍ في الليلِ‏ ثم فتحتها‏ فإذا بشمسِ العمرِ غاربةٌ،‏

والأرضُ تنأى عن مواعيدي (وتنآني).‏.

“أبداً أجرُّ ندامتي خلفي”‏

وأنهدُ في الفراقِ‏ كجرحِ مزمارٍ عتيقٍ‏ شقَّهُ في الصدرِ سكّينُ النغمْ.‏.

أبداً يحالفني الألمْ!‏

وأنا أجيرُ طفولةَ العشاقِ‏ من ثكلِ الزمانِ،‏

وأرفعُ العبراتِ ضدَّ الموتِ،‏ والأشعارَ في وجهِ الهرمْ.‏.

أبداً أعيدُ إلى الخريفِ دموعَهُ الصفراءَ‏

أسندُ شَجْرَةَ الحورِ العتيقةِ في الغروبِ‏ مسلّماً روحيْ لأسرابِ الزغاريدِ الكليمةِ‏ بالندمْ.‏.

أنا عاشقُ هذا الليل،‏ أسيرُ النوافذِ وطفلها الصامتُ الباكي،‏

وحزنُ شرفاتها المسفوحةِ فوقَ الماءِ‏ من دمعٍ ودمْ.‏.

أبداً أقاتلُ وحشةَ العشاقِ‏ بالكتابةِ من الوجدِ ومن الذكرياتِ

بليلٍ‏ يقايضُ زهرةَ الرمانِ بالأحزانِ‏

في روحيْ‏ ويُفرِدُ بالرنينِ العذبِ‏ أشرعةَ العدمْ.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *