عوائق تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا
بقلم توفيق المديني
لا شيء بات يضر بجهود تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتسوية الأزمة الليبية أكثر من الانقسامات والأنانيات الفردية والحزبية بين الليبيين أنفسهم، إضافة إلى تضارب أجندات وطروحات المتدخلين الدوليين والإقليميين في الشأن الليبي، وهو ما جعل ليبيا تعيش في حالة من الفوضى.
وتعتبر مسألة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وإقرار برنامجها من أهم الموضوعات التي تتطلب حلاً واقعياً، منذ أن دعا رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة إلى إجراء تعديلٍ وزاريٍ لملء المناصب الشاغرة ودمج بعض الوزارات، وسط مشاوراتٍ واسعةٍ ومستمرةٍ حالت حتى الآن دون الوصول إلى صيغةٍ نهائيةٍ.
فتشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصبحت محل اهتمام الأوساط الشعبية والسياسية على السواء، نظراً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها ليبيا، ليس من باب أهمية الإعلان على التوافقات حول حكومة الوحدة الوطنية للمساهمة في إخراج البلاد من أزمتها البنيوية العميقة الراهنة فحسب، وإنَّما أيضاً من أجل رسم استراتيجية وطنية وخيارات جديدة للمستقبل.
عبد الحميد الدبيبة وتوازنات السلطة
تعاني حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، التي تباشر أعمالها منذ العام 2021، من غياب نحو 13 وزيراً من أصل 27، نتيجة استقالات عددٍ من وزرائها وإحالة آخرين إلى التحقيق على خلفية شبهات فساد وتجاوزات. فقد أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، عزمه الكشف عن التعديل الوزاري المرتقب خلال اجتماع مجلس الوزراء القادم – دون تحديد موعدٍ محدَّدٍ – وذلك في كلمة ألقاها مساء الثلاثاء بمناسبة ذكرى ثورة 17 فبراير/شباط 2011التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي.
وقال الدبيبة إنَّ تشكيل الحكومة جاء في ظل “ظروف سياسية وأمنية معقدة”، مشيراً إلى أنَّ المرحلة الراهنة تتطلب تعديلاً وزارياً “لسد الشواغر في عدد من الوزارات وضخ دماء جديدة”، موضحاً أنَّ الحكومة تعمل منذ سنواتٍ بعددٍ أقل من عدد الوزراء الأصلي، خصوصاً بعد استقالاتٍ عام 2022 عقب حجب مجلس النواب الثقة عن بعض وزرائها.
وأضاف أنَّ التعديل المرتقب يهدف إلى “تحقيق أهداف محددة ومدروسة لتحسين مستوى الخدمات”، وستشمل التغييرات “وجوها معروفة تتمتع بالكفاءة والقدرة على العمل وتحمل المسؤولية”. وتطرق الدبيبة إلى بنود “اتفاق البرنامج التنموي الموحد” الذي تم التوصل إليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بمشاركة الحكومة والمصرف المركزي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، تحت إشراف المصرف المركزي.
ومن أبرز بنود الاتفاق، ضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي، وتوحيد منظومة المصرف المركزي، ومنع الاقتراض أو إنشاء دين عام جديد أو تمديد الدين القائم بشكل أحادي. كما ينص الاتفاق على إلزام جميع الأطراف بإيداع الإيرادات السيادية، النفطية وغير النفطية، في حساب الخزانة العامة لدى المصرف المركزي، والالتزام بضوابط فتح الاعتمادات وإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع منح المصرف صلاحية وقف تمويل أي جهة مخالفة حتى تصحيح أوضاعها.
ودعا الدبيبة محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى وقف الصرف في باب التنمية على جميع الجهات إذا استمر الإنفاق غير المنضبط، مؤكداً أن الأولوية الحالية “تتمثل في استقرار الأسعار وتعزيز قوة العملة بدلاً من المشاريع الكبرى”. وفي إشارة إلى مشاريع التنمية التي تنفذها حكومة مجلس النواب الخاضعة لسلطة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، قال إن “الناس لا تأكل كباري الطرقات ولا ملاعب الرياضة، فالأولوية للعيش الكريم”، معتبراً أن “أي إنفاق لا يراعي الظروف الاقتصادية الراهنة يمس قوت الناس ودواءهم وأكل عيشهم”.
وتبذل الأمم المتحدة – منذ سنواتٍ – جهوداً لمعالجة خلافات سياسية بين مؤسسات ليبية تحول دون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية يأمل الليبيون أن تعيد توحيد المؤسسات وتنهي الفترات الانتقالية المستمرة منذ الإطاحة بالقذافي.
موقف الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب من الأزمة الليبية
ويأتي هذا الحراك الحكومي الليبي في سياق سياسي أوسع يتقاطع مع تحركات أمريكية تسعى للدفع نحو صيغة لتوحيد السلطة التنفيذية في البلاد، ومن الواضح أنَّ الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب، التي أصبحت متخوفة من التواجد العسكري الروسي في ليبيا، لعبت دوراً واضحاً في ممارسة الضغوط الدولية لدفع طرفي الصراع الدائر في ليبيا إلى البحث عن حلٍ سياسيٍ وتشكيل شرعية سياسية جديدة.
فقد شهدت العاصمة الفرنسية باريس مؤخراً اجتماعاً تحت رعاية أمريكية فرنسية جمع كلاً من مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة إبراهيم الدبيبة، ونجل المشير خليفة حفتر، صدام، الشخصية المؤثرة في الجيش الوطني الليبي، وهو اجتماع سرِّي بدعم من فرنسا والولايات المتحدة من خلال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى كسر الجمود السياسي والأمني في ليبيا، الذي استمر منذ عام 2011.
ترتكز مبادرة الرئيس ترامب لحل الأزمة الليبية المستمرة منذ أكثر من عقد ونصف بين الحكومتين المتنازعتين في كل من طرابلس وبنغازي على “البراغماتية الاقتصادية”، حيث تضخ واشنطن رسائل سياسية مكثفة لربط المسار التصالحي بالمشاريع الأمنية والتنموية المشتركة.
ويتساءل المحللون والخبراء عن مدى إمكانية نجاح هذه المبادرة الأمريكية في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، وبالتالي الإسهام في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الليبية الموحدة للغرب والشرق الليبيين، عبر تفاهمات بين الدبيبة وصدام حفتر، معتقدين أنَّ الطريق لا يزال محكوماً بتوازنات دقيقة داخلية وإقليمية ودولية؟.
لقد برز الدور الأمريكي في التعاطي مع الأزمة الليبية منذ العام 2024 عبر مساعي القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) إجراء مقاربة بين معسكري شرق وغرب البلاد لتأليف قوة عسكرية مشتركة، لكنه برز أكثر بانخراط فاعل عبر تحركات المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسعد بولس، الذي أشرف على اجتماعيين في روما خلال سبتمبر/أيلول 2025، وفي باريس يناير/كانون الثاني 2026، بين صدام حفتر ممثلاً عن والده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وإبراهيم الدبيبة ممثلاً عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، إلا أنه واجه اعتراضات من معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر. ولا تقتصر تلك الاعتراضات على حفتر فقط، بل بسبب تباينات داخلية لا سيما بين نجليه صدام وخالد، إضافة إلى اصطفافات سياسية أخرى، من بينها مواقف رئيس البرلمان عقيلة صالح المائلة لخالد والمعارضة لاتجاه صدام.
وأبدى مستشار الرئيس الأمريكي ترامب اهتماماً خاصاً بتدريبات “فلينتلوك 2026” التي ستنظمها أفريكوم في إبريل/نيسان المقبل بمدينة سرت. كما أشرف بولس على توقيع اتفاق البرنامج التنموي الموحد، في نوفمبر 2025، والذي يقضي بتوحيد بند التنمية الذي يعد أكثر بنود موازنة الدولة صراعاً وتنافساً بين حكومتي البلاد.
وأكد بولس، في كلمته أمام مجلس الأمن، أن بلاده في عهد إدارة ترامب “ستكون في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا”، وحث القيادات الليبية على “التوصل لحلول وسط عملية، والتنسيق، والتعاون في مجال التكامل الاقتصادي والأمني”، و”تجاوز انقسامات الماضي”، معرباً عن ثقته في قدرتهم على إحراز تقدم ملموس في دمج المؤسسات الأمنية، بعدما نجحوا في التوصل إلى اتفاق بشأن “البرنامج التنموي الموحد، في نوفمبر بدعم من الولايات المتحدة”. واعتبر بولس أن اتفاق البرنامج التنموي الموحد “سيمهد الطريق لتعاون مثمر على الصعيد السياسي، وسيساعد في تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق حكم موحد حقيقي وانتخابات في نهاية المطاف”، مؤكداً أن “الوحدة هي مفتاح استقرار ليبيا وازدهارها”.
يتساءل الباحث السياسي الليبي فرج فركاش حول ما يسميه بـ “المبادرة الأمريكية” غير المعلنة وتقاطع المصالح الداخلية والرهانات الإقليمية والدولية، وإن كانت لحظة التسوية تقترب أم أن الطريق لا يزال معبداً بالعقبات والمطبات. ولفت إلى ما تشهده الساحة الليبية من حراك سياسي غير معلن مع رسائل متبادلة بين رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة وجزء من معسكر القيادة العامة في ظل بروز متزايد لدور صدام حفتر، ومنها ما جاء في بيانه الأخير بمناسبة ذكرى 17 فبراير/ شباط الذي دعا فيه إلى الوحدة، وخطاب متلفز مماثل من الدبيبة أعلن فيه عن تعديلات وزارية في حكومته قريباً.
في هذه المعادلة الصعبة، يمكن أن يقوم رئيس المجلس الرئاسي الليبي الذي يرأسه محمد المنفي، ولا يزال يحتفظ بالشرعية الدولية بدورٍ توافقيٍّ؛ كغطاءٍ دستوريٍّ “تشريعيٍّ” انتقالي لأيِّ صفقةٍ محتملةٍ وكبديلٍ لإصدار المراسيم ومن خلال هيئات أنشأها أو يمكن إنشاؤها، خاصة بعد إحاطة هانا تيتيه الأخيرة التي عبرت صراحة عن خيبة أملها في المجلسين (مجلسي النواب والدولة) اللذين لم يتوصّلا إلى توافق كما كانت تأمل، وأقرت بضرورة إيجاد بديل.
عائق الميليشيات المسلحة
تتخبّط ليبيا الانتقالية منذ سقوط نظام العقيد القذافي تحت “حكم الميليشيات”، في وقت تشكّل هذه الأخيرة التحدّي الأكبر لجميع القوى السياسية (حكومة الوفاق، وبرلمان طبرق). ففي عهد الميليشيات المسلحة تحولت ليبيا إلى بؤرة للإرهاب تهدد شمال إفريقيا كله، من تونس إلى المغرب مرورا بالجزائر وموريتانيا، ومالي، والنيجر، وبطبيعة الحال مصر. ويتحمل الغرب المسؤولية التاريخية عن واقع ليبيا الحالي، فهو صانع الفوضى الهدامة في ليبيا. لكن في المشهد السياسي الليبي الحالي، من الذي يتحمل المسؤولية عن الوضع الراهن؟.
لا شك أن ليبيا تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، بعد أن ورثت مؤسسات دولة ضعيفة وفي ظل غياب الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وفشل كل الحكومات المتعاقبة في كبح جماح الميليشيات المنتشرة في كامل التراب الليبي، والتي تمارس عمليات النهب المنظمة لثروة الشعب الليبي من نفط وغيره، وهذا ما جعل الشعب الليبي يعيش مع تركة قاسية جداً.
وتُعدّ الميليشيات الخارجة عن القانون التحدّي الأكبر في ليبيا ما بعد القذافي، لاسيَّما بعد أن عجزت الحكومتان في كل من طرابلس وبنغازي عن إعادة دمج المقاتلين المسلّحين في صفوف الجيش الليبي، إذ كانت نتائج هذا التوجه محدودة للغاية، وواجه صعوبات كثيرة. وتريد الميليشيات المسلحة أن تمارس شريعة الغاب في ليبيا، لا سيما إزاء 8 آلاف معتقل من أنصار العقيد القذافي، معلن عنهم يتوزعون في 60 مركز اعتقال في أنحاء البلاد. وترفض هذه الميليشيات تطبيق القانون على هؤلاء المعتقلين، بل لأنها لا تؤمن بأي شكل من اشكال العدالة الانتقالية، التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الليبية. فهذه الميليشيات التي تريد المحافظة على فوضى السلاح، تريد تطبيق استراتيجيتها في الهجمات الانتقامية والثأر، بدلاً من سياسة تضميد الجراح الناجمة عن الصراع تمهيدا للمصالحة الوطنية باعتبارها أولى المهام المترتبة على طرفي الصراع في ليبيا.
خاتمة
في غياب الدولة الوطنية الليبية، هناك طرفان متحالفان متشابكان في المصالح والارتباطات الخارجية يتناهبان ليبيا: صُنَاع الفوضى وحُرَّاسها. فالطرف الأول تمثله الميليشيات وهي في أغلبها تنتمي إلى مجموعات مرتبطة بالتنظيمات الجهادية. والطرف الثاني تمثله الحكومة والبرلمان، مع غلبة للميليشيات طبعاً التي تفرض قوانينها على كليهما بقوة الخطف والقتل والاقتحامات والتخريب، إضافة إلى تخلف الوعي السياسي والفكري والثقافي للقيادات السياسية الليبية، العاجزة كلياً عن التحرُّر من عقد القبيلة والعشيرة، والمناطقية، والانتماء إلى عالم الحداثة الفكرية والسياسية.
وفي كل الأحوال، يُعَدُّ الحوار الليبي- الليبي هو الطريق الأسلم للخروج من الأزمة الليبية، لا سيما في ظل المطالبات الشعبية القيام بالمصالحة الوطنية، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن، ناهيك عن تعثر العملية السياسية في البلاد، والاستقطاب الحاد بين مكونات البلاد، وانقسامها على نفسها، وغياب تام للدستور. لكنَّ على طرفي الصراع في ليبيا، أن يحدِّدا مرجعية وطنية جديدة لإعادة بناء الدولة الوطنية الليبية العادلة، في إطار محيطها المغاربي والعربي، متحرِّرَةً من استقطابات وتجاذبات المصالح الدولية والإقليمية، التي لا تبنى عليها سياسة دائمة للبلاد، يمكن التعويل عليها في بناء الدولة الوطنية.
