الردع الإيراني أم الغطرسة الأمريكية.. من سينتصر في المعركة القادمة؟
بقلم زينب عدنان زراقط
هل ستفشل الولايات المتحدة مرة أخرى كما فشلت في أفغانستان والعراق، وفي مواجهة اليمنيين؟ هذا السؤال يبدو منطقياً إذا نظرنا إلى تاريخ التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا، حيث أثبتت التجارب المتكررة أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة، وأن الفشل غالباً ما يكون نتيجة تقديرات غير دقيقة، مقاومة محلية قوية، وتعقيدات سياسية وإقليمية.
وفي ضوء هذا التاريخ، يطرح التساؤل نفسه اليوم على الصراع المحتمل مع إيران، الدولة الإقليمية التي طورت على مدى العقود الماضية معادلة ردع استراتيجية متكاملة تجعل أي مواجهة أمريكية محتملة محفوفة بالمخاطر.
لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة مجرد نزاع عابر يمكن احتواؤه ببيان دبلوماسي أو هدنة مؤقتة. على مدار العقود الماضية، شهدت العلاقة بين الطرفين تصاعداً مستمراً، تحوّل من مواجهات عبر وكلاء إلى صراع مباشر متعدد الأبعاد يشمل السياسات العسكرية، الاقتصادية، الاستخباراتية، والدبلوماسية. تعود جذور التوتر إلى الثمانينيات، مع الثورة الإيرانية وحرب العراق، مروراً بالخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني ودعم الجمهورية الإسلامية لحركات المقاومة في المنطقة. واليوم، لم يعد السؤال عن سبب الخلاف، بل عن طبيعة استمراريته، وعمق التحولات التي فرضتها إيران على ميزان القوى الإقليمي، وعن مدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب واسعة قد تفرض كلفة بشرية واقتصادية وسياسية هائلة.
إيران، اليوم، تتصرف كقوة إقليمية صاعدة تجاوزت مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض معادلة ردع مباشرة تعتمد على القدرات الصاروخية المتقدمة، النفوذ الإقليمي عبر شبكة من الوكلاء، والقدرة على التحرك في بيئات متعددة الساحات. وفي المقابل، تركز الولايات المتحدة على إبراز التفوق التكنولوجي والقدرة على الضغط العسكري، لكنها تواجه قيوداً عملية وسياسية تجعل أي خيار حرب شامل محفوفاً بالمخاطر، تماماً كما أظهرت تجاربها السابقة في أفغانستان والعراق واليمن، حيث كانت العمليات العسكرية الأمريكية غير قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة رغم التفوق التكنولوجي والقدرات اللوجستية الضخمة.
فهل ستتمكن الولايات المتحدة من مواجهة إيران وتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون تكرار الفشل التاريخي في أفغانستان والعراق واليمن؟ وهل تمتلك إيران القدرة على إدارة الصراع الاستراتيجي وفرض معادلة ردع فعالة تجعل أي مواجهة أمريكية شاملة محفوفة بالمخاطر؟.
تباين سياسي عسكري أمريكي: بين الضغط والاستعداد؟
تشير التحليلات الداخلية في الولايات المتحدة إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب السياسي المعلن والتقديرات العسكرية الواقعية. ففي الوقت الذي تتصدر فيه تصريحات الرؤساء الأمريكيين عناوين الإعلام بالتهديد باستخدام القوة ضد إيران، تكشف التقارير الداخلية للمؤسسات الاستخباراتية عن تقديرات أكثر تحفظاً بشأن القدرة على حسم مواجهة واسعة في بيئة إقليمية معقدة. وتجربة العملية المعروفة باسم Operation Rough Rider ضد الحوثيين في اليمن تكشف الكثير عن هذا التباين، إذ لم تحقق الحملة البحرية، على الرغم من استخدام حاملات طائرات ومدمرات وصواريخ بعيدة المدى، أهدافها الاستراتيجية بشكل حاسم. هذا الواقع أثار تساؤلات حول فعالية القوة البحرية وحدها في بيئات تعتمد على الحرب غير المتماثلة وصواريخ متنقلة يصعب رصدها، ما يجعل أي مواجهة محتملة مع دولة بحجم إيران، ذات قدرات صاروخية متقدمة وانتشار جغرافي واسع، أكثر تعقيداً وإشكالية.
تُظهر التقارير الصحفية الأمريكية أن بعض القيادات العسكرية تعترف بالقدرة على بدء أي عملية عسكرية بسرعة، لكنها تتجنب تقديم ضمانات بنتائج حاسمة أو سريعة، وهو ما يعكس إدراكاً لطبيعة الحرب الحديثة، حيث لا يكفي التفوق التكنولوجي لضمان السيطرة الكاملة، خصوصاً في ظل احتمالات الرد غير التقليدي عبر الصواريخ بعيدة المدى أو ساحات إقليمية متعددة. ويمكن فهم الموقف الأمريكي من خلال ثلاثة اعتبارات رئيسية، تشمل الحفاظ على صورة الردع دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة، وتجنب تكرار تجارب سابقة اتسمت بارتفاع الكلفة وطول الأمد، وأخيراً إدارة التوازن بين الضغط السياسي الداخلي ومتطلبات الحسابات العسكرية الواقعية. ومن هنا يبدو أن التلويح بالقوة الأمريكية أكثر أداة ضغط تفاوضية، في حين يبقى قرار الحرب الشاملة مرتبطاً بمعادلة معقدة تتجاوز مجرد الحشد البحري أو التصريحات الإعلامية.
بينما في الجهة المقابلة، تشير المعطيات المتداولة إلى أن الانتشار العسكري الأمريكي يطوّق إيران من جهات متعددة، بحرياً وجوياً. على صعيد القوات البحرية، تنتشر مجموعة قتالية لحاملة طائرات في بحر العرب والخليج، ترافقها ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ بعيدة المدى، مع احتمال انضمام حاملة ثانية، ما يوفر القدرة على إطلاق صواريخ كروز وطائرات مقاتلة من مسافة قريبة نسبياً من السواحل الإيرانية. كما تمركزت بطاريات دفاع جوي من طراز باتريوت ومنظومات صاروخية متحركة في عدد من القواعد الخليجية، ما يعكس الاهتمام الأمريكي بفرض نوع من الردع البحري على إيران.
أما على صعيد القوات الجوية، فتقدر القوة المنتشرة بنحو 160 مقاتلة من طراز 16F و18F/A- و35F-A، إضافة إلى 6 قاذفات استراتيجية من طراز B-52، وأكثر من 100 طائرة دعم ولوجستيات من طراز 17C- و130C-، إلى جانب طائرات تزويد بالوقود، استطلاع، وإسناد إلكتروني، فضلاً عن طائرات الإنذار المبكر والتحكم3E- AWACS، ما يوفر تغطية جوية مستمرة على مدار الساعة. وعلى الرغم من ضخامة هذا الحشد العسكري، يوضح نمط الانتشار الأمريكي أنه يركز على التفوق الجوي والضربات بعيدة المدى، مع تجاهل شبه كامل للاستعداد لغزو بري واسع، وهو ما يجعل هذه القوات أقرب إلى أداة ضغط استراتيجية عالية السقف، تمنح إيران هامشاً لإدارة الردع والرد غير التقليدي، وتزيد من تعقيد أي محاولة أمريكية لحسم المواجهة.
القدرات والتحالفات الإيرانية: الردع المتكامل ومستقبل الصراع
تمكنت إيران من تطوير مجموعة متكاملة من القدرات العسكرية والسياسية التي تجعل أي تصعيد أمريكي محفوفاً بالمخاطر. تشمل هذه القدرات الصاروخية أرض – أرض بعيدة المدى، وصواريخ مضادة للسفن، وصواريخ دقيقة تهدد القواعد الأمريكية وحلفاءها في الخليج والشرق الأوسط، بالإضافة إلى صواريخ فرط صوتية عالية السرعة تمثل بعداً جديداً في معادلة الردع الاستراتيجية، حيث يصعب على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية اعتراضها بفضل قدرتها على المناورة والتجاوز، كما يمكن تجهيزها برؤوس تقليدية أو نووية، مما يمنحها مرونة تكتيكية واستراتيجية كبيرة ويتيح توجيه ضربات دقيقة ضد قواعد عسكرية استراتيجية، ما يجعل أي تصعيد أمريكي محتمل محفوفاً بالمخاطر. كما يشمل محور إقليمي مُساند من جبهات المقاومة، مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، والتي تعمل كخط دفاع غير مباشر وتوسّع ساحات الاشتباك ضد أي تحرك أمريكي.
على صعيد القوات البحرية، تمتلك إيران زوارق سريعة وغواصات صغيرة وصواريخ بحرية مضادة للسفن، ما يجعل السيطرة الأمريكية على مضيق هرمز أو البحر العربي تحدياً استراتيجياً كبيراً. أما في المجال السيبراني والإلكتروني، فلطهران قدرة على تعطيل أنظمة الاتصالات والمراقبة الأمريكية، والتأثير على القرارات الاستراتيجية في الوقت الفعلي، بما يعزز موقفها في إدارة الردع دون الدخول في مواجهة مباشرة واسعة. وقد نجحت إيران عبر هذه الأدوات، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية، في تحويل الردع إلى معادلة متعددة الأبعاد تجعل أي تصعيد أمريكي مكلفاً على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
أمّا في المُقابل تلعب إسرائيل دوراً ضاغطاً مستمراً في المشهد الإقليمي، إذ تعتبر كل تطور عسكري إيراني نافذة تُغلق أمامها، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع قد يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى حرب طويلة. وتعتمد تل أبيب على جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة وتنسيق الضربات المحدودة مع الولايات المتحدة، لكنها تتجنب الانخراط المباشر في مواجهة قد تؤدي إلى حرب شاملة.
أما الدول العربية، فتتخذ موقف انتظار حذر، فهي لا ترغب في انتصار إيراني واضح، لكنها تدرك أن انهيار كامل لإيران سيعيد رسم المنطقة بما قد يضر مصالحها الاستراتيجية. بعض هذه الدول تحاول الحفاظ على علاقات استراتيجية متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران في الوقت ذاته، في حين تركز أخرى على المراقبة وتجنب الانخراط المباشر، ما يعكس أن الصراع لم يعد ثنائياً بل شبكة معقّدة من الحسابات الإقليمية، حيث إدارة التوازن والردع تمثل المفتاح لأي استقرار نسبي. وتستطيع إيران استثمار هذا الواقع لتعزيز موقفها، بينما تبقى الولايات المتحدة مقيدة بالقدرة على ضمان نتائج حاسمة دون تكلفة عالية.
التكلفة السياسية والاقتصادية لأي حرب
أي مواجهة واسعة ضد إيران لن تكون مجرد اختبار عسكري، بل ستكون اختباراً سياسياً واقتصادياً عالمياً. فكل تصعيد يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة بين العسكريين والمدنيين، ويؤثر بشكل مباشر على أسواق النفط العالمية، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو عشرين بالمئة من النفط العالمي، وأي تهديد للإمدادات يرفع الأسعار بشكل كبير. كما أن أي حرب طويلة ستواجه مقاومة شعبية متزايدة في الولايات المتحدة وأوروبا، وستضع الحلفاء الإقليميين تحت ضغط اقتصادي وسياسي مباشر نتيجة الانقطاع عن الإمدادات أو الهجمات على البنية التحتية، ما يزيد من تعقيد إدارة النزاع. هذه المعادلة تجعل أي خيار عسكري مباشر محفوفاً بالمخاطر، بينما يزيد من فعالية الردع الإيراني ويبرز قيمة المعادلة الاستراتيجية التي فرضتها طهران على المنطقة.
وهكذا نخلُصُ إلى أنَّ الوضع الراهن ليس حالة هدنة عابرة، بل مرحلة اختبار دائم لإرادات الأطراف. كل طرف يحاول أن يثبت للآخر أن كلفة كسره أعلى من كلفة التعايش معه. تعكس معادلة القوى الحالية مرحلة حساسة، حيث أي مغامرة واسعة قد تؤدي إلى مواجهة وجودية غير محسوبة العواقب. الاحتمال الأقرب هو استمرار سلسلة من الضغوط المركبة على إيران من الولايات المتحدة وحلفائها، تشمل أبعاداً أمنية، اقتصادية، استخباراتية وسيبرانية، مع إبقاء خيار الضربة الواسعة قائماً كورقة ردع. وفي المقابل، أثبتت إيران قدرتها على فرض معادلة ردع استراتيجية مرنة، قادرة على إدارة الصراع دون الدخول في مواجهة شاملة، وهو ما يجعل أي مغامرة أمريكية محفوفة بالمخاطر ومكلفة للغاية.
في الختام، توضح التحليلات أن إيران باتت قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها بسهولة، وتمتلك أدوات الردع اللازمة لإدارة صراع متعدد الساحات. الولايات المتحدة، على الرغم من التفوق التكنولوجي، تواجه قيوداً سياسية وعسكرية تجعل أي مواجهة شاملة محفوفة بالمخاطر، كما أظهرت تجاربها السابقة في أفغانستان والعراق واليمن. يعكس توازن القوى الحالي مرحلة حساسة من إدارة الصراع والردع، حيث لا طرف قادر على الحسم الكامل، ولا أحد مستعد للتراجع الكلي. المستقبل القريب سيعتمد على قدرة إيران على إدارة هذه المعادلة الاستراتيجية بكفاءة ومرونة، بينما تظل القوى الأخرى – أمريكية، إسرائيلية، وعربية – تراقب التوازن بحذر شديد. هذا الصراع يمثل اختباراً حقيقياً للدبلوماسية الواقعية، قوة الردع، والاستراتيجية الإقليمية، ويؤكد أن المنطقة دخلت زمناً جديداً من التعقيد الاستراتيجي، حيث كل خطوة يمكن أن تعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية وتجعل الردع أكثر أهمية من أي خيار عسكري مباشر.
