تدهور أمني واقتصادي وبيئي.. عدن في زمن الحاكم السعودي
بقلم نوال النونو
تعيش مدينة عدن الساحلية، الواقعة في جنوب اليمن، مرحلة جديدة مليئة بالمعاناة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية، نتيجة للسيطرة السعودية على المدينة وتعيين حاكم يدعى فلاح الشهراني.
وتتزامن هذه الأزمات مع فشل السلطات السعودية في تحقيق الاستقرار لحكومة المرتزقة الجديدة، حيث تستمر الاحتجاجات المؤيدة للمجلس الانتقالي الذي تدعمه الإمارات، والذي ينفذ اقتحامات وهجمات متكررة على قصر المعاشيق، (مقر الحكومة والرئاسة في عدن) وهذا الوضع يعكس إخفاق الرياض في توفير بيئة آمنة للسلطات التابعة لها.
وشهدت العلاقات بين السعودية والإمارات توتراً وقطيعة في الأشهر الأخيرة بسبب الصراع المستمر في اليمن، حيث اتهمت الرياض أبو ظبي باستخدام أدواتها اليمنية للهيمنة على المناصب وصناعة القرار، ما أدى إلى إقصاء القوى السياسية والعسكرية المتحالفة مع الرياض، ما دفع المملكة إلى التدخل عسكرياً وإجبار الإمارات على مغادرة اليمن بشكل نهائي.
وعلى الرغم من السيطرة العسكرية والأمنية للمملكة العربية السعودية على المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن، وتعيينها لحاكم سعودي في عدن (فلاح الشهراني)، إلا أن الوضع يزداد تدهوراً يوماً بعد يوم على مختلف الأصعدة، بما في ذلك الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية وحتى البيئية.
وفيما يتعلق بالأمن، لا تزال النزاعات مشتعلة بين قوات الاحتلال السعودي ومرتزقة الاحتلال الإماراتي، ما يوضح أن إبعاد أبو ظبي لم يسفر عن توحيد مراكز القوة لصالح الاحتلال السعودي فقط، إذ لا يزال الوضع في عدن والمناطق الجنوبية والشرقية المحتلة يمثل ساحة صراع بين النفوذ السعودي والإماراتي، ما يعمق الفوضى ويعزز الانقسام، ويجعل سكان تلك المحافظات أدوات لتنفيذ أجندات الرياض وأبو ظبي.
وزادت الأوضاع الأمنية في عدن مزيداً من الانهيارات مع وصول المرتزق جلال الربيعي إلى المدينة قادماً من الرياض، بعد أن كان قائداً لما يُعرف باسم “الحزام الأمني” الذي ألغته السعودية، وتعتبر هذه الخطوة، وفقاً لمراقبين، بمثابة ترتيبات جديدة من الرياض لبدء معارك إضافية ضد ما تبقى من الفصائل المسلحة التابعة للإمارات.
كما تتزامن هذه الخطوة مع سلسلة قرارات لوزير داخلية المرتزقة أعادت تدوير أدوات الاحتلال الإماراتي السابقة، التي انتقلت إلى الحضن السعودي مؤخراً، بهدف دمجها في الأجهزة الجديدة بحكومة المنفى، ما يشير إلى صراعات داخلية جديدة أكثر تشابكاً.
وتؤكد هذه المعطيات أيضاً أن الواقع الراهن يكشف أن انتقال السيطرة من النفوذ الإماراتي إلى الإدارة السعودية أفضى إلى مشهد أكثر تعقيداً، حيث تتراكم الأزمات السياسية والأمنية والخدمية، بما يؤكد أن الرياض أخفقت في تقديم بديل مستقر، وأن وعود “تصحيح المسار” لم تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي.
طفح مياه الصرف الصحي
ويتصاعد الغضب في مديريات مدينة عدن بعد أن تحول طفح مياه الصرف الصحي إلى أزمة يومية تعطل حركة السكان وتطوق منازلهم بالمياه الملوثة، في مشهد يختزل هشاشة البنية التحتية وتراجع الاستجابة الخدمية.
وغمرت مياه الصرف بعض الأحياء السكنية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة، وأجبر عدد من العائلات على البقاء داخل منازلها بعد أن وصلت المجاري إلى عتبات الأبواب، وفق شكاوى نُشرت عبر وسائل إعلام يمنية.
وتتصاعد تحذيرات أهالي عدن من تداعيات صحية وبيئية خطيرة، مشيرين إلى أن الركود المستمر للمياه وانبعاث الروائح الكريهة يهيئان بيئة خصبة لانتشار الأمراض، خصوصاً في محيط منشأة تعليمية يرتادها طلاب يومياً، مطالبين المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بسرعة الدفع بفرق الصيانة لشفط المياه ومعالجة الانسدادات، مؤكدين أن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بتفاقم الأزمة وتحولها إلى تهديد مباشر للصحة العامة.
ويتزامن هذا الوضع الكارثي البيئي مع تفاقم أزمة الغاز المنزلي، ما أجبر مئات المواطنين على الوقوف في طوابير طويلة منذ ساعات الفجر الأولى خلال أيام شهر رمضان، كما تعيش عدن حالة ركود حاد، مع تصاعد أزمة السيولة، والتي جاءت نتيجة تدفق العملة السعودية في السوق اليمني في المحافظات الخاضعة لسيطرة المملكة وصرف الرياض رواتب العملاء اليمنية بالريال السعودي، إضافة إلى أن المواطنين في عدن يعانون من تنامي معدلات الفقر، ومن فقدان الأمل بالوعود السعودية التي كانت تتحدث عن تحويل مدينة عدن إلى نموذج اداري واقتصادي مختلف.
مواصلة الغرق في مستنقع اليمن
وما تعيشه عدن، يتجاوز دائرة التعثر الإداري أو الإخفاق الخدمي، ليعكس مساراً متراكماً من العبث السعودي الذي بدأ مع انطلاق العدوان على اليمن عام 2015، ومنذ ذلك التاريخ، دخلت السعودية المشهد اليمني تحت عناوين الدعم والاستعادة، غير أن الوقائع الميدانية تكشف مساراً مختلفاً قاد إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وإضعاف البنية الاقتصادية، وإغراق المدن الخاضعة لسيطرتها في أزمات متلاحقة.
وتشير هذه التطورات إلى أن بقاء السعودية في عدن لم يحقق استقراراً سياسياً أو انتعاشاً اقتصادياً، بينما تعمقت الأزمات واتسعت دوائر الفقر والبطالة، وفي ضوء ذلك، يبرز خيار مغادرة السعودية للمشهد اليمني الذي تواصل الغرق في مستنقعه من يوم إلى آخر، وهو الخيار الأصوب، لأن تجربة 10 سنوات من العدوان والحصار على اليمن وتفكك التحالف كفيل بأن تعيد المملكة رسم سياسة جديدة، تتعامل مع اليمن كجار يجب أن يحترم، وليس كبلد يحق لها أن تستبيحه متى تشاء وكيفما تشاء.
