هل يُمكن إنشاء فيلق أجنبي للجيش الإسرائيلي؟ حلٌّ مُحتمل لأزمة الطاقة البشرية بعد السابع من تشرين الأول
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
في ظلّ النقص الحادّ في صفوف قوات الاحتياط، وعدم إحراز تقدّم في إصلاحات التجنيد، يُقترح النظر في إنشاء مسار محدود النطاق يُعرف باسم “الفيلق الأجنبي”. منذ السابع من تشرين الأول، تفاقمت أزمة نقص الطاقة البشرية في الجيش الإسرائيلي، نتيجةً للتناقص المستمر في قوات الاحتياط وتزايد الطلب على القوات النظامية.
وفي ضوء ذلك، اشتد الجدل العام حول نموذج التجنيد ومسألة تكافؤ العبء. ولا تلبي سياسة التجنيد الحالية احتياجات الجيش. ووفقاً لرئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي في الكنيست بتاريخ 17 أيلول 2025، هناك نقصٌ يُقدّر بنحو 12 ألف جندي، منهم حوالي 7 آلاف مقاتل.
وتتركز معظم الجهود حالياً على محاولة زيادة معدلات التجنيد في القطاع الحريدي (الذي يُمثّل حوالي 15% من السكان)، حيث تُعدّ نسبة التجنيد منخفضة للغاية. ومع ذلك، من المتوقع أن يكون دمج القطاع الحريدي، حتى في حال إقرار قانون التجنيد، بطيئاً وجزئياً وتدريجياً نظراً للحاجة إلى تغييرات جذرية في الأعراف والهويات الاجتماعية، والتغلب على مقاومة داخلية كبيرة. إن توقع زيادة كبيرة وسريعة في تجنيد اليهود المتشددين غير واقعي دون تغيير سياسي. كما أن القطاع العربي (حوالي 20% من سكان إسرائيل) لا يتحمل عبء الأمن، وهناك أسباب وجيهة لعدم إخضاع المواطنين العرب للتجنيد العسكري الإلزامي. ورغم أن معدل التجنيد في إسرائيل مرتفع نسبياً مقارنةً بالدول الغربية، إلا أن إسرائيل دولة صغيرة نسبياً من حيث عدد سكانها. لذا، نقترح دراسة مصادر إضافية للطاقة البشرية
من بين الخيارات المتاحة لزيادة عدد أفراد الجيش الإسرائيلي بمقدار 21,000 جندي، توسيع نموذج التطوع الخارجي من خلال دعوة الشباب اليهود في الشتات للتطوع في الجيش. ورغم ضرورة تكثيف الجهود في هذا الاتجاه، إلا أنه من غير الواضح إلى أي مدى سيساهم هذا النهج في زيادة عدد المجندين. يخدم حالياً في الجيش الإسرائيلي بضع مئات فقط من المتطوعين المقاتلين في الخارج، بعضهم أبناء لآباء إسرائيليين. مع ذلك، يسمح الإطار الحالي بتجنيد متطوعين من غير المواطنين، ويمكن توسيعه تدريجياً وبحذر، على سبيل المثال، من خلال برنامج “ماحال+” الذي يُنشئ فيلقاً أجنبياً في إسرائيل. وهذه خدمة تعاقدية محدودة للأجانب، مع الحفاظ على اندماجهم الكامل في الجيش الإسرائيلي، والرقابة الأمنية المشددة، وحوافز معتدلة لا تُخلّ بشرعية نموذج التجنيد القائم على “جيش الشعب”.
لا شك أن فكرة الفيلق الأجنبي تبدو غريبة على كثير من الإسرائيليين الذين اعتادوا على فكرة أن إسرائيل تفخر بالدفاع عن نفسها ذاتياً. لكن دولة إسرائيل دولة صغيرة لطالما اعتمدت على الآخرين لتلبية احتياجاتها الأمنية (إلى جانب توفير الأسلحة). فقد حاولت بطاريات صواريخ باتريوت الأمريكية حماية إسرائيل عام 1991 من الصواريخ العراقية. وشهدنا مؤخراً مشاركة فعّالة لجيوش أجنبية في حماية إسرائيل من الهجمات الإيرانية. ولا يوجد مبرر لرفض مساعدة المتطوعين الأجانب في تحقيق الفكرة الصهيونية، التي يُسهم تحقيقها أيضاً في بقاء الحضارة الغربية. إنّ التطلع إلى القتال بقواتنا فقط أمرٌ صائبٌ وجيد، لكن الواقع يُصعّب تحقيق هذا الهدف. وبالمثل، فإنّ إضافة وحدةٍ مؤلفةٍ من أجانب إلى الجيش الإسرائيلي لا يُلغي مبدأ الدفاع عن النفس. ومع ذلك، فإنّ معظم العبء الأمني سيقع في نهاية المطاف على عاتق الإسرائيليين.
إنّ إنشاء فيلقٍ أجنبيّ بنطاقٍ محدودٍ يُعادل لواء مشاةٍ محمولٍ جواً، في غضون بضع سنوات، سيُكلّف الدولة تكلفةً منخفضةً نسبياً، بل وسيُوفّر، وفقاً لتقديرٍ أوليّ (يتطلب إعداداً من قِبل هيئة الأركان)، ما بين ثلث ونصف التكلفة الاقتصادية للخدمة البديلة في قوات الاحتياط، ممّا يُخفّف العبء على الدولة وعائلات جنود الاحتياط، ويُقلّل من التناقص المتزايد في نظام الاحتياط. ستكون وحدة الفيلق قادرةً على أداء مهامّ أمنية روتينية، وتُتيح للوحدات الأخرى مزيداً من الوقت للتدريب. إضافةً إلى ذلك، ولأنّ جنود الفيلق ليسوا مواطنين إسرائيليين، فإنّ نشرهم في العمليات العسكرية قد يُثير ضغطاً سياسياً داخلياً أقلّ. بالإضافة إلى ذلك، فإن نشر قوة لا تعتمد على التجنيد الإلزامي قد يُخفف بعض التوترات الاجتماعية المتعلقة بتقاسم الأعباء. وهذا من شأنه أن يُتيح لقادة الدولة حرية أكبر في اتخاذ القرارات عند النظر في العمليات العسكرية.
يُقترح اتباع عملية فحص من مرحلتين. من المستحسن أن تُجرى المرحلة الأولى من الفحص في الخارج (على سبيل المثال، من خلال مسؤولي الجيش الإسرائيلي/الدولة في المحافل الدولية حيث يسمح القانون المحلي بذلك). في المرحلة الثانية، سيُستكمل الفحص في إسرائيل، وسيشمل فحوصات طبية وأمنية ونفسية وفقاً لمعايير الجيش الإسرائيلي الكاملة للجنود المقاتلين. ولن يسمح “معيار القبول” بقبول المرشحين ذوي السوابق الجنائية أو الذين يُظهرون علامات على مشاكل تأديبية خطيرة، حتى لو كان ذلك على حساب تقليل عدد المرشحين.
قد تتنوع دوافع التجنيد، كالأيديولوجية، والمغامرة، والهوية، والاقتصاد، وغيرها. ومع ذلك، فإن الدرس الدولي واضح: يحتاج من يُخاطرون بحياتهم إلى رؤية مستقبل مشرق. لذا، من الممكن تصميم مسار يُمنح بموجبه الإقامة بعد خمس سنوات كاملة من الخدمة والأداء المُرضي (مع إمكانية الحصول على الجنسية لاحقاً، وفقاً لمعايير الدولة)، وفي المقابل، يُلزم المتطوعون بالخدمة الاحتياطية. ويُحدد هذا الالتزام بعدد محدود من السنوات، بما يحقق من جهة عائداً على استثمار الدولة، ومن جهة أخرى، لا يُؤثر سلباً على جاذبية النموذج.
وتُظهر التجارب الدولية، بقيادة الفيلق الأجنبي الفرنسي، أن الحافز الأهم للمتطوعين للخدمة في وحدة قتالية تُهدد حياتهم هو إمكانية الحصول على الإقامة، بل وحتى الجنسية، في دولة متقدمة. وبالمثل، من المرجح أن يجذب الجيش الإسرائيلي، ذو السمعة العالمية كجيش محترف ومنتصر، العديد من الشباب الطموحين الباحثين عن تحديات من مختلف أنحاء العالم، لا سيما وأن إسرائيل تُعتبر معقلاً للغرب في مكافحة التطرف الإسلامي. يُشارك الجمهور في الدول الإسلامية والعربية هذا الموقف، ولن تُعيق هذه الرسالة الضمنية التقارب مع إسرائيل.
من الضروري أيضاً توفير إطار للدعم لضمان استدامة الخدمة من حيث الرعاية والتحفيز. يُقترح إنشاء إطار مدني داعم للوحدة، على سبيل المثال جمعية/إطار “تبنٍّي” على غرار نماذج دعم الجنود الوحيدين، مما يضمن التواصل مع المجتمع، والمساعدة خلال الإجازات، وتلبية الاحتياجات الاجتماعية الأساسية. في نهاية الخدمة، سيُتاح للمهتمين فرصة المشاركة في ورشة عمل للتحول الديني.
أخيراً، ثمة قيمة سياسية وفكرية أيضاً: فمن يخدم لبضع سنوات في إسرائيل، ويتعلم اللغة والثقافة، ويختبر الواقع عن كثب، يُمكنه أن يُصبح لاحقاً “سفيراً للنوايا الحسنة” لدولة إسرائيل. ليس هذا هو الهدف الرئيسي، ولكنه فائدة ثانوية قد تكون ذات أهمية خاصة في ظل المناخ الحالي تجاه إسرائيل.
إلى جانب المزايا، ينطوي مسار “فيلق/ماحال+” على مخاطر يجب إدارتها للحفاظ على الكفاءة التشغيلية والشرعية العامة. أولاً، هناك خطر أمني استخباراتي ناتج عن استيعاب الأجانب، ولذلك يلزم إجراء فحص دقيق متعدد المستويات (التحقق من الهوية، وما إلى ذلك) (مثلاً: السجل الجنائي، التطرف، الروابط في بلدان المنشأ). يمكن أن تُسهم التطورات في أدوات التحقق من الهوية والاستخبارات في الفرز الأولي، ولكن عملياً، يلزم وجود آلية فرز متعددة المستويات وموارد مخصصة، لا سيما عند التعامل مع مرشحين من دول عديدة. كما تبرز الحاجة إلى حصر المهام في المراحل المبكرة على الوظائف التي لا تتطلب تصنيفاً عالياً. ثانياً، ثمة صعوبة تأديبية ووظيفية (فجوات لغوية، ثقافة الخدمة، عدم استقرار الدافعية)، ولذا يجب إنشاء مسار تدريبي متخصص يشمل اللغة العبرية/الأوامر/الانضباط، ومرافقة قادة دائمين ذوي كفاءة، وآلية تسريح سريع لمن لا يستوفون الشروط. ثالثاً، ثمة خطر اجتماعي سياسي: قد يُفسر المسار المتساهل للغاية على أنه تحايل على مبدأ تكافؤ الفرص أو على أنه إنشاء “جيش ثانوي”، ولذا يجب صياغة البرنامج كحل جزئي مكمل لنموذج “جيش الشعب”، على نطاق محدود، مع حوافز معتدلة وشفافية. رابعاً، توجد تعقيدات قانونية وأخرى تتعلق بالعلاقات الخارجية (قوانين بلدان المنشأ، ومسألة التجنيد في الخارج، ووضع المقيمين في إسرائيل)، ولذا يلزم وجود ترتيب واضح بين الوزارات وآلية تجنيد قانونية ودقيقة. أخيراً، توجد اعتبارات تتعلق بإدارة الميزانية (الاستيعاب، والسكن، والرعاية الاجتماعية، والجنود الوحيدون)، ولذا يجب تخصيص ميزانية محددة مسبقاً وتحديد مؤشرات النجاح (التسرب، والانضباط، والإنتاجية، وتكلفة الوحدة)، وإجراء التعديلات اللازمة بعد تنفيذ مرحلة تجريبية.
ينبغي أن يترافق اعتماد مسار الفيلق الأجنبي+/الفيلق مع حملة إعلامية حول الظروف الخاصة لإنشائه، مع التأكيد على أن الفيلق الأجنبي خطوة تكميلية، وربما مؤقتة، تهدف إلى حل النقص الحاد في الطاقة البشرية لدى الجيش الإسرائيلي. بالتوازي مع المسار التكميلي، ينبغي النظر في تعزيز آليات الإنفاذ والحوافز الاقتصادية للحد من التهرب، على سبيل المثال من خلال تعديلات في المنح/المزايا/الضرائب، رهناً بالمراجعة القانونية ومراعاة العدالة التوزيعية. يمكن لهذه الخطوات أن تعزز الرسالة العامة بشأن أهمية نموذج “جيش الشعب”.
وبناءً على ذلك، يُوصى بتنفيذ هذه الخطوة وفق نموذج تجريبي مرحلي. في المرحلة الأولى (12-18 شهراً)، ينبغي توسيع نطاق الترتيبات القائمة لبرنامج “ماحال+” من خلال تحديد هدف كمي سنوي، وتعيين كوادر أولية في وظائف محددة وفقاً للتصنيف. في الوقت نفسه، يُوصى بتشكيل فريق مشترك بين الوزارات (الجيش الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، ووزارة العدل، ووزارة الخارجية، وهيئة السكان)، وخبراء في الشؤون العسكرية والاجتماعية من الأوساط الأكاديمية، لتحديد آلية التجنيد، وشروط الخدمة، ونطاق حقوق وسبل انصاف الجنود الوحيدين. ويجب الحرص على ضمان إنجاز الفريق لمهامه في فترة وجيزة. في المرحلة الثانية (بعد تقييم الأداء)، يمكن فتح مسار تعاقدي محدود للأجانب على نطاق ضيق، مع حافز غير تلقائي (إمكانية إجراء اختبار الإقامة بعد إتمام الخدمة وأداء جيد)، وشروط معقولة لعائد الاستثمار للدولة (مثل التزام محدود بالاحتياط). وخلال هذه العملية، يُنشر تقرير موجز سنوي (خاضع للرقابة) يتضمن مؤشرات نجاح متفق عليها: عدد المجندين، ومعدلات التسرب، والحوادث التأديبية، والإنتاجية التشغيلية، والتكلفة الإجمالية مقارنةً بالبدائل (أيام الاحتياط الموفرة/الصفوف المكتملة). وبهذه الطريقة، يمكن دراسة المساهمة الحقيقية في الطاقة البشرية المقاتلة، دون خلق مخاطر هيكلية ودون المساس بأسس شرعية نموذج التجنيد في إسرائيل.
معهد القدس للاستراتيجية والأمن – البروفيسور إفرايم عنبار، العميد (احتياط) الدكتور ساسون حداد
