إقليميات

واشنطن تتحدث عن السلام وتموّل الضم.. قراءة في معادلة الضفة مقابل غزة

بقلم د. محمد الايوبي

أي إدارة أمريكية للمشهد الفلسطيني تقوم على توزيع الأدوار: ضبط الحرب في غزة بما يخدم صورة واشنطن ومبادراتها، وترك الضفة ساحة مفتوحة لإعادة هندسة جغرافية وديمغرافية نهائية.

غير أن هذا “الضبط” الأمريكي في غزة ظلّ، في أفضل توصيفاته، ضبطاً إيقاعياً لا جوهرياً. فالحرب لم تتوقف فعلياً، بل تحولت إلى نمط متقطّع من الضربات والنسف والاجتياحات المحدودة، يتكرر بين فترة وأخرى، ويطال مناطق مثل جباليا وشرق التفاح والزيتون ورفح وخانيونس. ما يجري ليس سلاماً ولا حتى هدنة مستقرة، بل إدارة نار منخفضة الشدة تُبقي آلة القتل في حالة استعداد دائم. وحتى محاولات دونالد ترامب لتقييد اندفاعة حكومة بنيامين نتنياهو لم تُفضِ إلى وقف مستدام، بل إلى إعادة تنظيم العمليات ضمن سقف لا يُحرج واشنطن سياسياً، من دون أن يغيّر جوهر الواقع الميداني. بهذا المعنى، فإن “أولوية غزة” لم تعنِ إنهاء الحرب، بل إعادة إدارتها بما يخدم توازنات المصالح الأمريكية – الإسرائيلية.

أولاً: إرث سياسي متصل من الولاية الأولى إلى الثانية

منذ اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل” عام 2017، ونقل السفارة الأمريكية إليها، لم يعد الموقف الأمريكي قابلاً للتأويل. تلك الخطوة لم تكن رمزية، بل كانت تأسيساً لمسار سياسي – قانوني يشرعن الوقائع التي تفرضها “إسرائيل” على الأرض. ثم جاءت ما عُرف إعلامياً بـ “صفقة القرن”، التي منحت “إسرائيل” ضوءاً أخضر لضم مساحات واسعة من المنطقة المصنفة (ج)، والتي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية.

في ولايته الثانية، لم يُظهر ترامب اهتماماً فعلياً بحل الدولتين. وحتى حين تضمّنت مبادرته ذات العشرين بنداً إشارات عامة إلى “أفق سياسي” أو “مسار طويل لتقرير المصير”، فإن تلك الصياغات بدت أقرب إلى مجاملات دبلوماسية لحلفاء عرب ومسلمين، أكثر من كونها التزاماً استراتيجياً. عملياً، لم تُمارَس أي ضغوط حقيقية لوقف التوسع الاستيطاني أو كبح التشريعات “الإسرائيلية” التي تعيد تعريف الضفة باعتبارها “يهودا والسامرة.

ثانياً: تحوّل الاستيطان من عقبة إلى أداة

تاريخياً، كانت الإدارات الأمريكية تصف الاستيطان بأنه “عقبة أمام السلام”. اليوم، لم يعد هذا الوصف حاضراً بوضوح. بل إن بعض السفراء الأمريكيين في القدس تبنّوا الرواية التوراتية حول “العودة إلى وطن الأجداد”. تصريحات مايك هاكابي لا تختلف في جوهرها عن خطاب بتسلئيل سموتريتش أو إيتمار بن غفير، وكأن الفاصل بين واشنطن وتل أبيب في هذا الملف قد تلاشى.

الأرقام هنا لا تحتمل التجميل. تشير تقديرات محلية وحقوقية إلى تسجيل نحو 6 آلاف انتهاك “إسرائيلي” بحق التجمعات البدوية والقرى المهمشة خلال عام 2025 وحده. كما أُنشئت أو فُعّلت نحو 350 بؤرة رعوية استيطانية، سيطرت فعلياً على ما يقارب 800 ألف دونم من الأراضي، معظمها في الحزام الشرقي للضفة.

هذا النمط – الاستيطان الرعوي – ليس عفوياً. إنه أداة سيطرة منخفضة الكلفة سياسياً، عالية الفاعلية جغرافياً. يبدأ بالاستيلاء على تلة، ثم يُقام سياج، ثم يُمنع الرعاة الفلسطينيون من الوصول إلى مراعيهم، ثم تُعلن الأرض “أراضي دولة”. هكذا تتحول الجغرافيا إلى وقائع لا تعود قابلة للتفاوض.

ثالثاً: التجمعات البدوية كحلقة أضعف

نحو 200 تجمع بدوي في الضفة الغربية تعيش في حالة هشاشة قانونية مزمنة. منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نزح ما يقارب 12 ألف فلسطيني من 183 تجمعاً بدوياً، بعد تعرضهم لأكثر من 10 آلاف انتهاك طالت مساكنهم ومصادر رزقهم. كما تشير تقديرات إلى تهجير أكثر من 3 آلاف فلسطيني من 33 تجمعاً بدوياً بشكل كامل تقريباً.

في شمال الضفة، نزح أكثر من 27 ألف فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس، مع تدمير أو تضرر أكثر من 5500 وحدة سكنية و800 منشأة تجارية. وفي مخيم جنين وحده، نزح نحو 21 ألف شخص، مع تدمير قرابة ألفي وحدة سكنية و200 منشأة تجارية.

وصفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) الوضع في الضفة بأنه الأسوأ إنسانياً منذ عام 1967، مشيرة إلى “حرب صامتة” تستهدف المدن والمخيمات. لكن هذه الحرب الصامتة تجري تحت سمع وبصر واشنطن، التي تكتفي – في أفضل الأحوال – بفرض عقوبات على أفراد هامشيين من “شبيبة التلال”، دون أن تمس البنية السياسية التي تنتج العنف وتحميه.

رابعاً: قانون القومية وإعادة تعريف الأرض

عام 2018، أقر الكنيست “قانون القومية”، الذي نصّ على أن “حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يخص الشعب اليهودي وحده”. هذا التشريع لم يكن بياناً أيديولوجياً فحسب، بل إطاراً دستورياً لإخراج الضفة من دائرة “الأرض المتنازع عليها” إلى دائرة “الأرض الموعودة”.

في ظل هذا القانون، لم يعد الحديث يدور عن دولتين لشعبين، بل عن سيادة يهودية كاملة بين النهر والبحر. ومع غياب أي تيار سياسي “إسرائيلي” وازن يتبنى بجدية خيار الدولة الفلسطينية، تتحول فكرة “المسار الذي لا رجعة عنه” إلى شعار فارغ، فيما الواقع يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً.

خامساً: معادلة الضبط في غزة والانفلات في الضفة

تبدو المعادلة واضحة: في غزة، تضبط واشنطن إيقاع العمليات بما يخدم مبادرتها، ويحافظ على قنواتها مع العواصم العربية، ويمنح الرئيس الأمريكي فرصة تسويق “إنجاز تاريخي”. أما في الضفة، فتُترك “إسرائيل” تمضي بعيداً في الضم الزاحف، شرط ألا تعلن ذلك رسمياً كي لا تُحرج البيت الأبيض.

هذا يعني عملياً أن الضم يتم بلا إعلان، والتغيير الديمغرافي يحدث بلا بيانات رسمية. توسّع الحدود الإدارية للقدس، السيطرة على “أملاك الغائبين”، إعادة تفعيل قوانين عثمانية وأردنية بقراءات “إسرائيلية” جديدة، تحويل “الإدارة المدنية” إلى مرجعية بديلة عن السلطة الفلسطينية في تسجيل الأراضي – كلها أدوات ضم فعلي.

واشنطن لا تمانع هذا المسار، طالما أنه لا يعرقل أولويتها في غزة، ولا يُفشل مسار التطبيع الإقليمي الذي بدأ مع “اتفاقيات أبراهام”. المسألة هنا ليست انحيازاً عاطفياً لـ”إسرائيل”، بل قراءة أمريكية باردة للمصالح: “إسرائيل” قوية ومستقرة ومندمجة إقليمياً تخدم الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة خصوم دوليين وإقليميين.

سادساً: تفكيك الدولة قبل إعلانها

الدولة الفلسطينية، وفق القانون الدولي، تقوم على ثلاثة أركان: الأرض، الشعب، والنظام السياسي. ما يجري اليوم يستهدف الأركان الثلاثة معاً.

الأرض تُبتلع عبر الاستيطان والبؤر الرعوية. الشعب يُدفع إلى النزوح أو الحصار في كانتونات معزولة. أما النظام السياسي، فيعاني هشاشة عميقة، تجعل السلطة الفلسطينية عاجزة عن حماية مواطنيها أو فرض سيادتها حتى على مناطق مصنفة (أ).

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “حل الدولتين” أقرب إلى تمرين لغوي. فحتى لو أُعلنت دولة فلسطينية في ظل هذا الواقع، فستكون بلا تواصل جغرافي، وبلا سيطرة على الموارد، وبلا سيادة فعلية.

سابعاً: لماذا لا تتحرك واشنطن؟

السؤال ليس لماذا تنحاز واشنطن، بل لماذا لا ترى في ما يحدث خطراً على استقرار المنطقة. الجواب يكمن في إعادة تعريف الأولويات: الخطر، من منظور أمريكي، ليس في توسع الاستيطان، بل في انفجار إقليمي واسع أو في تهديد مباشر لأمن “إسرائيل”.

طالما بقيت الضفة تحت السيطرة الأمنية “الإسرائيلية”، ولم تتحول إلى انتفاضة شاملة، فإن كلفة الصمت الأمريكي تبدو منخفضة. بل إن بعض دوائر القرار ترى في “الإدارة الهادئة للضم” خياراً أقل كلفة من مفاوضات عقيمة قد تفضي إلى دولة فلسطينية هشة وغير مستقرة.

تناقض البداية والنهاية

المفارقة أن المبادرات الأمريكية تتحدث عن سلام “دائم وعادل”، فيما تؤسس وقائع ميدانية تجعل هذا السلام مستحيلاً. أول المبادرة ابتلاع الضفة، وآخرها إعادة إعمار غزة بشروط أمنية صارمة. بين البداية والنهاية، تضيع فكرة الدولة الفلسطينية.

“لا تحرجوا الرئيس” – هكذا يمكن تلخيص الرسالة الأمريكية لتل أبيب. امضوا بعيداً في الضفة، لكن من دون إعلان رسمي. افعلوا ما تشاؤون في القدس، لكن اتركوا لغزة هامشاً يسمح لنا بتسويق إنجاز دبلوماسي. إنها معادلة تقوم على إدارة التناقض لا حله، وعلى تأجيل الانفجار لا منعه.

غير أن التاريخ يُظهر أن الوقائع المفروضة بالقوة لا تبقى إلى الأبد بلا ثمن. فحين تُغلق كل نوافذ السياسة، وتُختزل الجغرافيا في خرائط أمنية، يتحول الصراع إلى مسألة وقت. ومع كل دونم يُصادر، وكل تجمع بدوي يُهجّر، تبتعد المنطقة خطوة إضافية عن أي تسوية قابلة للحياة.

بهذا المعنى، فإن معادلة “الضفة مقابل غزة” ليست مجرد تكتيك مرحلي، بل إعادة صياغة للصراع برمّته. إنها لحظة انتقال من نزاع على حدود إلى صراع على الوجود، ومن مفاوضات مؤجلة إلى واقع يُراد له أن يصبح نهائياً. والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل تستطيع هذه المعادلة الصمود طويلاً، أم أنها تؤسس لانفجار أكبر مما تحاول تجنبه؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *